إذا كان الديكور هو كل ما يزين البيت من أشياء، فإن المكرمية هى ما يزين الديكور نفسه، ويمنحه روحاً آدمية تحمل مشاعر وانفعالات من قاموا بغزله، لتشعر أن البيت يحمل دفء أنفاس بشرية تنشر الونس حولك.. انتبه جيداً فإننا سوف نستخدم كلمة «روح» كثيراً فى هذا التقرير الذى يشبه حكاية عجيبة فى كتب الأساطير. فى القرن ال 18 كانت هناك ملكة إنجليزية اسمها ماري، نشرت فن المكرمية فى أوروبا، وبعد 200 عام وُلدت فتاة فى أسيوط حملت الاسم نفسه «مارى» وتنشر الآن فن المكرمية فى مصر، يمكنك القول أنها صدفة عجيبة، كما يمكنك التفكير فى أن روح مارى الإنجليزية تعود إلى الحياة فى جسد بنت مصرية تحمل الاسم نفسه، واستخدمت كلمة «روح» اسماً لورشتها.. بدأت القصة عندما بحثت مارى سعد فى خرائط جوجل عن قريتها «كوم أبو حجر» فلم تعثر على اسمها، مما جعلها تشعر بالغضب، فقررت أن تفعل شيئاً مُميزاً يجبر محرك البحث على الاعتذار عن الخطأ الفادح فى حق أهل قريتها، ويتذكرهم جيداً، وكان هذا الشىء هو «المكرمية»، ذلك الفن الذى استهواها منذ أن كانت طفلة فى الثانية عشرة من عمرها، ولا تعرف اسمه، وكأن روحاً بداخلها تأمرها بأن تفعل.. كل شيء يأتى من القاهرة إلى القرية الصعيدية، مما جعل الفتاة تفكر فى شيء تصدره إلى العاصمة، ويوفر ل «بنات وستات» القرية وظائف بعائد مجزٍ، التحقت مارى بكلية السياحة والفنادق، وبعد التخرج ذهبت إلى القاهرة، وحصلت على دبلومة «فاشون» من وزارة الصناعة وكان مشروع التخرج عبارة عن فساتين سواريه مصنوعة من المكرمية. عام 2016 عادت إلى أسيوط من جديد لتؤسس ورشتها الخاصة التى أطلقت عليها «روح»، بصحبة فتيات من قريتها تديرها شقيقتها سامية أكبر الداعمين لها، ليبدأ المشروع فى التطوير، ومنذ عام 2018 أصبحت الورشة الوحيدة فى مصر التى تنتج كمياتٍ ضخمة من المكرمية بأعلى جودة، وعام 2020 حصلت على دبلومة ديكور رغبة منها فى إضافة شيء مختلف على التصاميم التى تقدمها. تؤمن مارى بأن أبطال قصتها هن الفتيات والسيدات اللائى يعملن فى الورشة، وهى فخورة بهن، والآن تنظم ورشاً تعليمية للمكرمية، فى المناطق العشوائية بالتعاون مع الجمعيات الخيرية لمساعدة الفقراء واللاجئين على تعلم حرفة تدر أرباحاً تساعدهم على المعيشة.. تعترف مارى بأن روحها من نسل روح الملكة الإنجليزية، ورغم ذلك تؤكد أن المكرمية أصلها فرعوني، ويُطلق عليها فن العقدة، حين كان الفلاح المصرى قديماً يستخدم عقدها فى العد، وأخذها عنه البحارة العرب الذين كانوا يسافرون بالشهور إلى أوروبا، وحتى يومنا هذا العقد التى يستخدمونها فى المراكب تُصنع من المكرمية نظراً لمتانتها وقوتها وقدرتها على التحمل فى المياه.. تعمل ورشة «روح» على 3 محاور وهي: إحياء حرفة تراثية بطرق مختلفة تناسب ديكور البيوت، وتشغيل أيادى سيدات حصلن على تعليم متوسط وبعضهن لم تتح لهن فرصة الدخول إلى المدرسة، والمحور الثالث العمل بخامات صديقة للبيئة صحية يقومون بتصنيعها بأنفسهم مثل: القطن والخيش والأخشاب الطبيعية كالبامبو والشوم، كل ما هو طبيعى يحاولن إعادة تدويره وتوظيفه بحيث يصبح مناسباً للبيت.. تقول ماري: «تتميز المكرمية بأنها تُغزل دون أدوات فهى لا تحتاج سوى ليدين فقط مع الخيوط والتصميم، وإذا كانت القطعة المستخدمة معلقة حائط سنحتاج معها لقطعة خشبية تُعلق منها». وتشرح: «أنواع عقد المكرمية كثيرة أكثرها شهرة المربعة، والنصف مزدوجة، وللمكرمية الكثير من الاستخدامات فى ديكور المنزل مثل: معلقة الحائط، وبعض القطع الديكورية التى يبدأ مقاسها من 20 أو 30 سنتيمتراً ويصل إلى 3 أمتار حسب رغبة العميل، فكل شخص يفضل القطع التى تشبه روحه وروح بيته، لذلك أطلقت على فكرتها اسم «روح»، وهناك الستائر الطويلة للشبابيك، وهناك أيضاً الخداديات ومفارش السفرة «ranners» والسجاد ومعلقات الزرع بكل أشكالها والكراسى والبوفات والمراجيح والمرايات وحتى سلات القمامة من المكرمية.. ويكون حسب ذوق كل بيت وننصح العملاء الجدد بعدم تغيير ستايل المنزل لمشغولات من المكرمية بكميات كبيرة مرة واحدة .. ويمكن البدء بقطع بسيطة لتعتاد عليها العين فى البداية ويبدأ بعد فترة يحدد ما يريد إضافته للمكان.. وتشير مارى إلى أن أسعار القطع تبدأ من 250 جنيهاً وتصل إلى أكثر من 20 ألفاً وفقاً للتصميم ونوع القطعة وحجمها وخامتها، فمثلاً ديكورات الزرع تبدأ من 200 وتصل إلى 1000 جنيه، ومعلقات الحائط تبدأ من 600 وقد تصل إلى 10000 جنيه، فالأسعار متفاوتة.. وتقول: تستغرق القطعة مثلاً فى معلقات الحائط عدة أيام وقد تصل إلى أسبوع، وهناك بعض الموديلات تصل إلى شهر كامل فى تنفيذها. وتختتم قصتها قائلة: «تهدى المكرمية روح بهجة وهدوء على أى منزل تدخله، ومن يشتريها يأخذ جزءاً من روحنا، فنحن نعمل فى القطعة أياماً وأسابيع تأخذ من طاقتنا.. وتعترف بأن شغل المكرمية مربح ولكن لمن يستطيع التسويق بشكل جيد».