الوعى ، سواء للأفراد أو للشعوب ، لا يتحقق تلقائيا ، ولكنه يحتاج لجهد ممنهج وعمل مخطط تتشارك فيه مؤسسات عديدة متنوعة ، ابتداء من مؤسسات التربية ، مرورا بمؤسسات التعليم ، وحتى مؤسسات الثقافة والفكر والفن والإعلام .. انه صار صناعة كبيرة ومهمة ودقيقة فى ظل وجود محاولات مدبرة لسلب المجتمعات الوعى أو تشويهه وتزييفه للسيطرة عليها سواء من قبل جهات أجنبية أو منظمات وجماعات تكفيرية ، وهى محاولات لا يصح التقليل من شأنها وخطورتها بعد التجارب التى عشناها خلال العقد الأخير ، فإن هذه المحاولات لم تقتصر فقط على تزييف وعى عموم الناس الذين دعموا الاخوان انتخابيا أملا فى ان يراعوا ربنا فيهم ، وإنما طالت هذه المحاولات النخب فى المجتمع التى هرول البعض منها للترويج للاخوان بأنهم من القوى الوطنية ، متجاهلين الطبيعة التكفيرية والإرهابية لجماعتهم .. وهذا هو الأمر الخطير لأن من هم منوط بهم صناعة الوعى فى المجتمع افتقدوا هم أنفسهم الوعى ، وفاقد الشىء لا يعطيه كما يقال ، بل صاروا يقومون بتزييف وعى الناس ، وللأسف نجحوا فى ذلك وقتها حينما أسهموا فى تمكين الاخوان من حكم البلاد ومنحوهم الفرصة لتقويض كيان دولتنا الوطنية وتشويه هويتنا الوطنية . وصناعة الوعى فى المجتمع ، أى مجتمع ، لا تتم بالتلقين ومجرد الحديث مع الناس ، وإنما هى تحتاج لخلق القدرة على الإدراك والفهم لدى الناس .. وهى القدرة التى تمكنهم من التمييز بين الغث والسمين ، والزائف والحقيقى ، والكاذب والصادق .. وتمكنهم أيضا فى فهم حقيقة ما يحدث وما يدور حولهم ، داخليا وخارجيا .. وتساعدهم على اتخاذ المواقف الصحيحة والصائبة .. فإن التلقين قد يؤثر فى الناس لبعض الوقت لكن تأثيره لا يدوم ويتضاءل بمرور الوقت ومع التعرض لدعايات صارت تستهدف المجتمعات من كل الاتجاهات الآن فى عصر التقدم المذهل فى وسائل الاتصالات الذى يستغله وعلى نطاق واسع كل من احترفوا سلب الشعوب الوعى او تزييف وعيها لإتاحة الفرصة للسيطرة عليها والتحكم فيها بعد التحكم فى عقول أبنائها .. أما تمكين الناس من قدرة الفهم والإدراك فهو بمثابة التحصين الدائم لهم ولعقولهم فى مواجهة كل من يحاول سلبهم الوعى أو تزييف وعيهم ، وهذا يفسر لنا لماذا تحارب الجماعات التكفيرية الثقافة والأدب والفن والصحافة والإعلام ، لأنها تسهم بدور مهم فى تمكين الناس من الفهم والإدراك. ولا سبيل لتمكين الناس من القدرة على الفهم والإدراك سوى الثقة فيهم .. الثقة فى أنهم إذا اتيحت لهم المعلومات الصحيحة والسليمة سوف يتمكنون من القدرة على الفهم والإدراك ، وسوف يمتلكون وعيا حقيقيا ، بينما عدم الاهتمام بتوفير المعلومات لهم يعطل القدرة على الفهم ويساعد من يريد تضليلهم.