بين «عيد القيامة» و «العمل أون لاين».. هل الأحد 5 أبريل إجازة رسمية للدولة؟    أمريكا تعتقل اثنتين من أقارب قاسم سليماني وتلغي إقامتهما في الولايات المتحدة    تصادم وليس شظية، بتروجت توضح سبب وفاة المهندس حسام صادق بالإمارات    بمشاركة حجازي، نيوم يخطف الفوز من الفيحاء بهدف في الدوري السعودي    مستشار محمد بن زايد يعلق على واقعة الاعتداء على سفارة الإمارات في دمشق    الدوري السعودي، الهلال يتقدم على التعاون 0/1 في الشوط الأول    تعرف على المتأهلين للمربع الذهبي ببطولة كأس مصر لرجال الكرة الطائرة    عامر عامر: الحصول على نقطة أفضل من لا شيء أمام فاركو    الدوري الألماني، دورتموند يفوز على شتوتجارت بهدفين في الوقت الضائع    القبض على متعاطي مخدرات بمصر الجديدة بعد تداول فيديو    براءة عصام صاصا من قضية مشاجرة الملهى الليلي    محافظ المنوفية يأمر بتشكيل لجنة عاجلة لوضع آلية للتعامل مع ظاهرة الكلاب الضالة    الأرصاد تعلن حالة الطقس وأماكن سقوط الأمطار غدا الأحد    بجوار زوجها المريض.. تفاصيل تجديد إقامة ابنة شقيقة صباح بالقاهرة    أحمد موسى: استهداف مفاعل بوشهر سيشعل المنطقة.. ومصر تتحرك لتجنب التصعيد    محمد جمعة يعلن مفاجآت مهرجان المسرح العالمى: إنتاج عروض ودعم من أروما للموهوبين    وزير الصحة يتفقد مستشفى بولاق الدكرور بنسبة تنفيذ 100% ومشروع بولاق أبو العلا    صحافة سوهاج    «اتصالات النواب» تستأنف جلسات قانون حماية الاطفال من وسائل التواصل الاجتماعي    كيف انعكست أزمة مضيق هرمز على الأسعار والسلع في مصر؟    محافظ الغربية يستعرض الموقف التنفيذي لمشروعات مياه الشرب والصرف الصحي    الهيئة الدولية لدعم فلسطين: إسرائيل وأمريكا ترهنان مستقبل غزة بنتائج حرب إيران    4 ساعات فى مغارة جعيتا!!    بعد نقله للعناية المركزة.. نجل عبد الرحمن أبو زهرة يكشف تفاصيل حالة والده.. خاص    مسؤول سابق بالبنتاجون: ضعف خبرة ترامب «دبلوماسيًا» لن تنهي حرب إيران    القاهرة تواجه أزمة الطاقة العالمية بحلول مستدامة.. المحافظ: ندرس إنارة الشوارع بالطاقة الشمسية.. لدينا 12 محطة أعلى مبانى دواوين الأحياء.. ويؤكد: نشر الثقافة الشمسية هو الركيزة الأساسية لتوفير الطاقة    جيوش الروبوتات.. جارديان: الحروب تتحول لمنافسة تكنولوجية.. ما القصة؟    جامعة عين شمس تشارك في دورة التعايش مع الأكاديمية العسكرية المصرية    ورشة مفتوحة في أحد السعف، حين يزهر النخيل في شوارع مسرّة بشبرا (صور)    نظر محاكمة 15 متهما بقضية خلية مدينة نصر.. خلال ساعات    ثورة تكنولوجية في التعليم الفني، كيف يُعيد محمد عبد اللطيف صياغة مستقبل "الدبلوم"؟    رادار المرور يلتقط 1003 سيارات تسير بسرعات جنونية فى 24 ساعة    شعبة الدواجن: هبوط الطلب يدفع أسعار الفراخ البيضاء للتراجع 30%    بنك القاهرة يعلن قائمة خدماته المجانية في فعاليات الشمول المالي خلال أبريل الجاري    هنا جودة بعد خسارة ربع نهائي كأس العالم لتنس الطاولة: كان نفسي أكسب    كرة طائرة – تفاصيل اجتماع اللجنة المنظمة لبطولة إفريقيا للسيدات في الأهلي    وزيرة الثقافة ومحافظ البحيرة تتفقدان دار الأوبرا ومركز الإبداع الفني بدمنهور    أذكار النوم.. "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور"    هل يجب الأذان لصلاة الجماعة في البيت؟.. أمين الفتوى يجيب فيديو    أبرز 10 فتاوى عن الأضحية.. كيف تُقسم الأضحية على المشتركين فى بقرة؟.. والدى كل عام يشترى أضحية ويذبحها لنا كلنا فهل يحصل لنا ثواب الأضحية؟.. رجل فقير لا يستطيع أن يضحى فهل يأثم بترك الأضحية؟    وزير الاستثمار يشارك رئيس الوزراء فى جولة تفقدية بالمنطقة الاستثمارية بمدينة بنها    أفضل طرق التخلص من دهون الكبد    صحة الإسكندرية: توقيع الكشف الطبى على 2315 مريضا فى قوافل طبية مجانية    ماذا يحدث بعد موت الخلايا.. اكتشاف علمى قد يغير طريقة علاج الأمراض    عرض فيلم «أوغسطينوس بن دموعها» بمركز الثقافة السينمائية بمناسبة عيد القيامة المجيد    مستقبل وطن يبحث تكثيف التوعية لمواجهة الشائعات وتعزيز العمل الجماعي    بالأرقام، كيف تدعم أكاديمية البحث العلمي مشروعات تخرج طلاب الجامعات؟    الزمالك يجدد عقد حارس مرماه    نشأة التقويم الهجرى الإسلامى    ورشة وطنية لتعزيز تشغيل المحطات النووية في الضبعة    العراقي باسم قهار: بكيت حينما عرفت أني سأحقق حلمي بالتمثيل أمام عادل إمام    قائمة أتلتيكو - ألفاريز وجريزمان في الهجوم.. وغياب أوبلاك ويورينتي أمام برشلونة    أستاذ علوم سياسية: القاهرة تضغط لإلزام إسرائيل بالخطة ومنع فرض واقع في غزة    زراعة المنيا تعلن خطة ترشيد استهلاك الطاقة والعمل    وزير الدولة للإنتاج الحربي يبحث مع شركتي "يونغ-هانز" و"تاليس مصر" تعزيز التعاون    «الصحة»: تقديم 317 ألف خدمة علاج طبيعي خلال شهر فبراير    دار الإفتاء: ترشيد استهلاك الكهرباء واجب وطني وديني    لايف كوتش: التربية الحديثة تهدف لتمكين الأبناء واتخاذ قرارات واعية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رابطة كارهى سليم العشى: جماليات المعرفى والغموض والبحث عن الأسرار
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 04 - 07 - 2021


محمد ‬سليم ‬شوشة
رواية ‬رابطة ‬كارهى ‬سليم ‬العشى ‬الصادرة ‬مؤخرا ‬2021 ‬عن ‬دار ‬العين ‬للروائى ‬المصرى ‬سامح ‬الجباس، ‬تعد ‬فى ‬رأينا ‬نموذجا ‬مغايرا ‬وعلى ‬قدر ‬كبير ‬من ‬الاختلاف ‬بين ‬ما ‬يتم ‬إنتاجه ‬من ‬سرد ‬روائى ‬فى ‬الفترة ‬الراهنة. ‬ترتكز ‬هذه ‬الرواية ‬على ‬غرائبية ‬التاريخى ‬والسيرى ‬وتعمد ‬من ‬البداية ‬إلى ‬تجاوز ‬التخييل ‬أو ‬إنكاره ‬فى ‬السرد، ‬بداية ‬من ‬صوت ‬السارد ‬الذى ‬يتطابق ‬تماما ‬مع ‬صوت ‬المؤلف ‬لأول ‬مرة ‬ربما، ‬بأن ‬يكون ‬اسم ‬السارد ‬الرئيس ‬هو ‬المؤلف ‬بمواصفاته ‬وبياناته، ‬وإن ‬كان ‬هذا ‬يبقى ‬أحد ‬ألعاب ‬السرد، ‬فإنكار ‬التخييل ‬قد ‬يكون ‬هو ‬بذاته ‬تخييلا. ‬وهذه ‬نقطة ‬تحتاج ‬إلى ‬مزيد ‬من ‬التفصيل، ‬لكن ‬ما ‬أشير ‬إليه ‬هنا ‬هو ‬كون ‬الرواية ‬أعلنت ‬من ‬البداية ‬أو ‬عبر ‬علامات ‬عديدة ‬اشتغالها ‬على ‬ما ‬هو ‬تاريخى ‬أو ‬ما ‬يفترض ‬أنه ‬حقيقى ‬فى ‬سيرة ‬غيرية ‬لسليم ‬العشى ‬المعروف ‬بالدكتور ‬داهش ‬الذى ‬مثل ‬ظاهرة ‬دينية ‬مختلفة ‬فى ‬وقته ‬وبقيت ‬أسرار ‬تجربته ‬غير ‬معلومة ‬أو ‬مدركة ‬حتى ‬الآن. ‬
لقد ‬حاول ‬خطاب ‬هذه ‬الرواية ‬استثمار ‬الغرابة ‬الطبيعية ‬فى ‬حياة ‬سليم ‬العشى ‬وما ‬اكتنفها ‬من ‬الأسرار ‬والعجائب ‬والظواهر ‬الروحية ‬والفيزيائية ‬العجية ‬التى ‬شكلت ‬كما ‬هائلا ‬من ‬المعجزات ‬غير ‬المدركة ‬على ‬نحو ‬حسى ‬أو ‬عقلانى ‬واضح، ‬بل ‬وغير ‬المبررة ‬على ‬نحو ‬دينى ‬مفهوم، ‬إذ ‬هو ‬فى ‬النهاية ‬غير ‬محدد ‬الصفة ‬أو ‬محسوم ‬بأمره ‬إذا ‬كان ‬ساحرا ‬أو ‬نبيا ‬أو ‬دجالا ‬أو ‬شاعرا ‬وروحانيا ‬أو ‬عالما ‬مؤثرا ‬بعلمه ‬وأسلوبه ‬فى ‬الناس ‬بما ‬يكفى ‬ليتبعوه. ‬إن ‬حياته ‬بذاتها ‬لتمثل ‬زادا ‬ثريا ‬لأى ‬روائى ‬مجتهد ‬ليشكل ‬منها ‬خطابا ‬سرديا ‬حافلا ‬بالمفاجآت ‬والأسرار ‬والعجائب ‬وهذا ‬ما ‬كانت ‬الرواية ‬موفقة ‬إلى ‬حد ‬بعيد ‬فى ‬الاشتغال ‬عليه ‬لتنتج ‬جمالياتها ‬وتجعل ‬المتلقى ‬مدفوعا ‬لاستكمال ‬القراءة ‬والمتابعة ‬باندفاع ‬وتشويق. ‬لكن ‬ما ‬يمثل ‬إنجازا ‬مهما ‬لسامح ‬الجباس ‬فى ‬مقاربته ‬لموضوع ‬مثل ‬هذا ‬هو ‬قدر ‬الوعى ‬بأبعاد ‬هذا ‬الموضوع ‬من ‬الناحية ‬البحثية، ‬فهو ‬من ‬تلك ‬الموضوعات ‬الملغزة ‬البينية ‬التى ‬تقع ‬فى ‬المساحة ‬المشتركة ‬بين ‬التاريخ ‬وعلم ‬النفس ‬والأديان ‬والسياسة ‬والأدب ‬ومجالات ‬عدة، ‬والغفلة ‬عن ‬أى ‬جانب ‬منها ‬يجعل ‬الموضوع ‬مشوها ‬والخطاب ‬السردى ‬ينأى ‬عن ‬الموضوعية ‬ويصبح ‬ممتلئا ‬بالثغرات ‬والثقوب ‬التى ‬تعيبه ‬أو ‬تشوه ‬عرضه، ‬وفوق ‬هذا ‬التعدد ‬فى ‬جوانبه ‬وزوايا ‬رؤيته ‬فهو ‬يحتاج ‬إلى ‬روح ‬ساردة ‬مرنة ‬وقابلة ‬للاختلاف ‬ومنفتحة ‬فى ‬تصوراتها ‬على ‬احتمالات ‬عديدة ‬ولا ‬تسارع ‬نحو ‬حسم ‬زاوية ‬بعينها ‬أو ‬احتمال ‬ما ‬أو ‬تفرض ‬تصورا ‬معينا. ‬والحقيقة ‬أن ‬مسألة ‬المرونة ‬هذه ‬كانت ‬لها ‬نواتجها ‬الجمالية ‬أيضا ‬فضلا ‬عن ‬كونها ‬حتمية ‬فى ‬معالجة ‬قضية ‬مثل ‬هذه، ‬ذلك ‬لأن ‬السرد ‬أنتج ‬منها ‬قدرا ‬هائلا ‬من ‬القلق ‬لدى ‬السارد ‬أو ‬صاحب ‬الصوت ‬الرئيس ‬فى ‬الرواية ‬وهو ‬الروائى ‬الباحث ‬عن ‬حقيقة ‬سليم ‬العشي، ‬وقدرا ‬من ‬الخوف ‬والاضطراب ‬وعدم ‬وضوح ‬مصير ‬عمله ‬حتى ‬نهاية ‬الرواية، ‬ويصبح ‬السارد ‬الرئيس ‬موازيا ‬ومساويا ‬للمتلقى ‬فى ‬زاوية ‬الرصد ‬والوعى ‬بالعالم ‬المسرود ‬عنه، ‬ويصبح ‬أفق ‬الوعى ‬لديهما ‬صفريا ‬يتفجران ‬معا ‬ويندهشان ‬وما ‬يصل ‬إليه ‬سامح ‬الروائى ‬فى ‬بحثه ‬عن ‬تفاصيل ‬حياة ‬سليم ‬العشى ‬وأسراره ‬يكون ‬قد ‬وصل ‬إليه ‬المتلقى ‬فى ‬اللحظة ‬نفسها، ‬فكأنهما ‬قد ‬أصبحا ‬شريكين ‬فى ‬هذه ‬الرحلة ‬أو ‬المغامرة. ‬صحيح ‬أنى ‬قد ‬لا ‬أتفق ‬على ‬الإطلاق ‬مع ‬فكرة ‬أن ‬يكون ‬الراوى ‬هو ‬نفسه ‬سامح ‬الجباس ‬وأن ‬جعله ‬أى ‬روائى ‬مصرى ‬دون ‬تحديد ‬للاسم ‬وبقية ‬الصفات ‬كان ‬سيجعل ‬الرواية ‬أكثر ‬تحررا ‬وتحليقا ‬وانفلاتا ‬من ‬التقييدات ‬التى ‬حجمتها ‬وبخاصة ‬فى ‬علاقته ‬بفاطمة، ‬وهى ‬قصة ‬حب ‬جميلة ‬كان ‬التحرر ‬من ‬الحقيقى ‬وإفلاتها ‬فى ‬رحابة ‬التخييل ‬يفيدها ‬أكثر ‬ويجعلها ‬منفتحة ‬على ‬مغامرات ‬جسدية ‬وحالا ‬من ‬العشق ‬أكثر ‬انطلاقا. ‬
ما ‬أعنيه ‬هنا ‬أن ‬خطاب ‬هذه ‬الرواية ‬ابن ‬حال ‬من ‬المغامرة ‬والتجريب ‬فى ‬السرد ‬قد ‬يكون ‬لها ‬إنجازاتها ‬ومزاياها، ‬وقد ‬يكون ‬لها ‬ما ‬ليس ‬موفقا ‬بشكل ‬كبير، ‬ولكن ‬مسألة ‬مساواة ‬وعى ‬السارد ‬بوعى ‬المتلقى ‬فى ‬البحث ‬فى ‬حياة ‬الدكتور ‬داهش ‬يفيد ‬كثيرا ‬فى ‬التماهى ‬بينهما ‬وجعل ‬المتلقى ‬يعيش ‬الحال ‬نفسها ‬من ‬الاستعداد ‬للمفاجآت ‬بل ‬الاستعداد ‬للمغامرة ‬والمخاطر، ‬وبخاصة ‬مع ‬ذكاء ‬الكاتب ‬فيما ‬يخص ‬بعض ‬العلامات ‬السردية ‬التى ‬جعلت ‬الاحتمالات ‬مفتوحة ‬على ‬المطلق ‬وعلى ‬مصير ‬غامض ‬وغرائبى ‬ليس ‬لشخصيات ‬الرواية ‬المعروفين ‬تاريخيا ‬أو ‬يمكن ‬التنقيب ‬عنهم ‬خارج ‬خطاب ‬الرواية، ‬ولكن ‬أيضا ‬فيما ‬يخص ‬مصير ‬سامح ‬نفسه ‬الذى ‬يصبح ‬محفوفا ‬بالمخاطر ‬فى ‬ظل ‬القصة ‬الفرعية ‬الخاصة ‬بالروائية ‬التى ‬كانت ‬تشتغل ‬قبله ‬على ‬الموضوع ‬وانتحرت، ‬بالتأكيد ‬لن ‬يكون ‬مصير ‬سامح ‬معلقا ‬باحتمال ‬الانتحار ‬لكون ‬المسألة ‬محسومة ‬بصدور ‬روايته ‬ولكونه ‬سامح ‬الجباس ‬الروائى ‬الحقيقي، ‬ولكن ‬على ‬الأقل ‬سيظل ‬معلقا ‬باحتمالية ‬المخاطر ‬الكبيرة ‬التى ‬قد ‬تجعله ‬مهددا ‬أو ‬على ‬الأقل ‬يكون ‬قد ‬عاش ‬تجربة ‬غريبة ‬وصعبة ‬أو ‬فيها ‬قدر ‬من ‬القسوة.‬

هذه ‬الرواية ‬الثرية ‬تتماس ‬مع ‬تاريخ ‬المنطقة ‬فى ‬نهاية ‬الثلاثينيات ‬وبعد ‬ذلك ‬بعقود ‬حتى ‬الثمانينيات، ‬وتتقاطع ‬مع ‬مكونات ‬كثيرة ‬فى ‬منطقتنا ‬العربية، ‬منها ‬المكون ‬السياسى ‬والمكون ‬الثقافى ‬والأدبى ‬والمكون ‬الأكثر ‬أهمية ‬وهو ‬المكون ‬الديني. ‬وكلها ‬تمثل ‬أبعاد ‬عالم ‬هذه ‬الرواية ‬المحفوفة ‬بالقلق ‬والملفوفة ‬بالمغامرة ‬وتحتاج ‬إلى ‬حساسية ‬علمية ‬خاصة، ‬تربط ‬بين ‬عالم ‬الروح ‬بطبيعته ‬الميتافيزيقية ‬وعالم ‬المادة ‬بثقل ‬حضوره ‬الذى ‬يستعصى ‬على ‬الإنكار ‬ومسلماته ‬التى ‬تستعصى ‬على ‬الانفلات ‬من ‬المنطق، ‬ومن ‬الصراع ‬بين ‬عالم ‬الروح ‬والمادة ‬تتشكل ‬مفاجآت ‬هذه ‬الرواية ‬ومنابع ‬الإدهاش ‬فيها ‬وقدرتها ‬على ‬صدم ‬المتلقي، ‬ففيها ‬مرويات ‬لكثير ‬من ‬الخوارق ‬أو ‬المعجزات ‬المنسوبة ‬إلى ‬الدكتور ‬داهش، ‬وبصرف ‬النظر ‬عن ‬مدى ‬تفاوت ‬المتلقين ‬فى ‬استقبالهم ‬أو ‬آليات ‬استيعابهم ‬وتفكيرهم ‬فى ‬الظواهر ‬فإنها ‬تبقى ‬معجزات ‬وتبقى ‬محتفظة ‬بطبيعتها ‬الغرائبية ‬ولو ‬كان ‬فى ‬دائرة ‬صغيرة ‬هى ‬دائرة ‬المؤمنين ‬بالدكتور ‬داهش ‬ودعوته ‬وأفكاره. ‬
كان ‬من ‬المهم ‬فى ‬الحقيقة ‬لرواية ‬من ‬هذه ‬النوعية ‬أن ‬يتوافر ‬لها ‬هذا ‬النوع ‬من ‬السارد ‬المدقق ‬فى ‬كافة ‬التفاصيل، ‬الطبيب ‬الذى ‬يمتلك ‬ثقافة ‬علمية ‬ومادية ‬وفيزيائية ‬وثقافة ‬بعلم ‬النفس ‬وعلم ‬الأرواح، ‬العاشق ‬للكتب ‬أيضا ‬والمدقق ‬فى ‬المعلومات ‬التاريخية ‬والأدبية ‬والعاشق ‬للغة ‬والقارئ ‬لما ‬بين ‬السطور ‬من ‬الروابط ‬الخفية ‬بين ‬أصوات ‬عدة ‬ومشايخ ‬مختلفة ‬فى ‬الوطن ‬العربي، ‬يربط ‬بين ‬الخفى ‬لدى ‬توفيق ‬الحكيم ‬ونجيب ‬محفوظ ‬وبين ‬الظاهر ‬عند ‬الدكتور ‬داهش، ‬يربط ‬بين ‬بعض ‬الحركات ‬الدينية ‬والجماعات ‬أو ‬التنظيمات ‬وبين ‬هذه ‬الدعوى ‬الروحية، ‬سارد ‬يتمتع ‬بقدرة ‬كبيرة ‬على ‬الشك، ‬أو ‬هو ‬بالأحرى ‬متربص ‬بطبعه، ‬وإن ‬سمة ‬التربص ‬البحثى ‬والعلمى ‬لدى ‬السارد ‬لهى ‬واحدة ‬من ‬أهم ‬السمات ‬التى ‬يجب ‬أن ‬نركز ‬عليها ‬فى ‬بحثها ‬عن ‬خصائص ‬ومميزات ‬الخطابات ‬الروائية ‬والسردية، ‬ويمكن ‬تقييم ‬الروايات ‬على ‬أساسها، ‬ذلك ‬لأن ‬كثيرا ‬من ‬رواياتنا ‬هى ‬بالأساس ‬دالة ‬على ‬سمات ‬العقل ‬الجمعى ‬العربى ‬فى ‬آفاته ‬أو ‬أبرز ‬عيوبه، ‬وكثير ‬من ‬الروايات ‬يكون ‬السارد ‬الرئيس ‬أو ‬الراوى ‬فيها ‬مشبعا ‬بكم ‬هائل ‬من ‬اليقين ‬مما ‬ينعكس ‬على ‬الرواية ‬ويطبعها ‬بالجمود ‬أو ‬الاستاتيكية ‬المميتة. ‬
إن ‬مسألة ‬المعجزات ‬أو ‬الظواهر ‬الخارقة ‬لها ‬كيفيات ‬بحثها ‬سواء ‬على ‬مستوى ‬الإدراك ‬الحسى ‬والخديعة ‬أو ‬علم ‬النفس ‬والتشويش ‬على ‬الحواس ‬أو ‬فكرة ‬الإقناع ‬المسبق، ‬كما ‬لها ‬كذلك ‬علاقتها ‬بالإبداع ‬الأدبى ‬وقوة ‬الخطاب ‬وقدرة ‬الكلمة ‬على ‬السيطرة ‬على ‬البشر، ‬وقد ‬كان ‬الدكتور ‬داهش ‬بطل ‬الرواية ‬أديبا ‬سباقا ‬حتى ‬من ‬منظور ‬الأدباء ‬والشعراء ‬مثل ‬غازى ‬براكس ‬أو ‬يوسف ‬الحاج ‬أو ‬الفنان ‬الكبير ‬يوسف ‬وهبي، ‬فهم ‬أرباب ‬الكلمة ‬والأدب ‬والإبداع ‬ويشهدون ‬له ‬وهو ‬ما ‬يعنى ‬أن ‬الرجل ‬كان ‬ذا ‬قدرات ‬أدبية ‬خاصة، ‬وبالتالى ‬يمكن ‬النظر ‬فى ‬القدرات ‬الخارقة ‬للإبداع ‬الأدبى ‬وقدرته ‬على ‬السحر ‬والتأثير، ‬وهذا ‬أيضا ‬جانب ‬مهم ‬كان ‬حاضرا ‬لدى ‬داهش ‬كما ‬هو ‬حاضر ‬لدى ‬كافة ‬الأنبياء، ‬ومن ‬الحديث ‬المأثور ‬عن ‬النبى ‬محمد (‬ص) ‬قوله: ‬إن ‬من ‬البيان ‬لسحرا. ‬وهكذا ‬ففى ‬تصورنا ‬إن ‬رواية ‬رابطة ‬كارهى ‬سليم ‬العشى ‬لتجدد ‬الأسئلة ‬المهمة ‬عن ‬عدد ‬من ‬القضايا ‬حول ‬الدين ‬والأدب ‬وفكرة ‬التعايش ‬والاختلاف ‬وقبول ‬الآخر، ‬بل ‬تعالج ‬عبر ‬التلميح ‬لا ‬التصريح ‬والهمس ‬لا ‬المباشرة ‬أسئلة ‬أكثر ‬حرجا ‬عن ‬فكرة ‬المعجزة ‬والنبوة ‬ووحدة ‬الأديان ‬ومشاكل ‬الشرق ‬وتمزقاته ‬القديمة ‬المتجددة ‬بفعل ‬الاختلافات ‬الدينية، ‬وتقاطعات ‬الدينى ‬مع ‬السياسى ‬مع ‬الاقتصادى ‬مع ‬الثقافى ‬وغيرها ‬من ‬القضايا ‬المهمة ‬والجوهرية ‬التى ‬مهما ‬كانت ‬قديمة ‬فإنها ‬مازالت ‬متجددة ‬وتلقى ‬بظلالها ‬وتفرض ‬نفسها ‬علينا ‬بقوة. ‬

رابطة ‬كارهى ‬سليم ‬العشى ‬رواية ‬تتبع ‬بنعومة ‬وسلاسة ‬خطوطا ‬متشعبة ‬ومتفرقة ‬أو ‬متشظية ‬ومتناثرة ‬فى ‬فضاء ‬جغرافى ‬شاسع ‬وواسع، ‬فى ‬آسيا ‬وأفريقيا ‬وأوروبا ‬وأمريكا ‬اللاتينية ‬وأمريكا ‬الشمالية، ‬وتتبعها ‬كلها ‬انطلاقا ‬مما ‬بينها ‬من ‬الروابط ‬الحقيقية ‬والبارزة ‬ودون ‬افتعال، ‬وبعضها ‬يأتى ‬فى ‬غاية ‬الإحكام ‬وبخاصة ‬ما ‬يتصل ‬بشقة ‬المبتديان ‬التى ‬يبيت ‬فيها ‬الراوى ‬فى ‬أول ‬الرواية ‬وقبل ‬شروعه، ‬ثم ‬اكتشافه ‬لحقيقتها، ‬يتتبع ‬ظواهر ‬حقيقية ‬أو ‬أخبارا ‬متواترة ‬عن ‬الحلول ‬الروحى ‬والوسيط ‬وعن ‬المقتنعين ‬بهذا ‬الفكر ‬تقريبا ‬فى ‬الوطن ‬العربى ‬كله ‬تصريحا ‬وتلميحا، ‬معرفة ‬كاملة ‬أو ‬بمعرفة ‬جزئية، ‬فى ‬مصر ‬من ‬علماء ‬الفيزياء ‬وأساتذة ‬الطب ‬وأساتذة ‬العلوم ‬الشرعية ‬وعلماء ‬الدين ‬الإسلامى ‬ومن ‬الكتاب ‬والصحفيين ‬ورؤساء ‬التحرير ‬والأدباء ‬البارزين، ‬من ‬أعلن ‬وصرّح ‬ومن ‬لم ‬يعلن ‬وانعكست ‬قناعته ‬فى ‬إنتاجه ‬بتورية ‬وإخفاء ‬مقصود. ‬وكل ‬هذا ‬التتبع ‬لم ‬يكن ‬مملا ‬ويفيد ‬من ‬جماليات ‬الكتابة ‬التاريخية ‬والسرد ‬فى ‬البحث ‬العلمى ‬أو ‬التتبع ‬المعلوماتى ‬والمعرفي، ‬ويصبح ‬مربوطا ‬بإحكام ‬بالقصة ‬الإطار ‬وهى ‬قصة ‬سامح ‬وفاطمة ‬التى ‬مازلت ‬مقتنعا ‬بأن ‬تحريرها ‬كان ‬سيفيد ‬أكثر، ‬لكن ‬الكاتب ‬يبدو ‬أنه ‬رغب ‬فى ‬أن ‬يعلن ‬معاداته ‬للتخييل ‬والتزامه ‬بكل ‬ما ‬هو ‬حقيقى ‬حتى ‬لا ‬تتأثر ‬وحداته ‬السردية ‬ببعضها، ‬أو ‬يصبح ‬الجزء ‬التاريخى ‬واقعا ‬تحت ‬تأثير ‬هذا ‬الجزء ‬التخييلى ‬فى ‬حال ‬لو ‬جعله ‬منفلتا ‬بشكل ‬تام.‬
تمثل ‬رابطة ‬كارهى ‬سليم ‬العشى ‬حالا ‬سردية ‬على ‬أعلى ‬درجة ‬من ‬التماسك ‬والترابط ‬والإحكام ‬برغم ‬انبنائها ‬وتأسسها ‬على ‬حال ‬من ‬العجائبية ‬والأسرار ‬الروحية ‬والمعجزات، ‬ذلك ‬لأن ‬هذه ‬الرابطة ‬على ‬مستوى ‬الشخصيات ‬متنوعة ‬وتتعدد ‬مرجعيات ‬الشخصيات ‬من ‬حيث ‬التكوين ‬والبناء ‬المعرفي، ‬فمنهم ‬الطبيب ‬أو ‬الفيزيائى ‬والشاعر ‬أو ‬غيرهما ‬ممن ‬لا ‬يؤمن ‬إلا ‬بالمادة ‬ومنهم ‬صاحب ‬المستوى ‬الثقافى ‬المتميز ‬الذى ‬لا ‬يمكن ‬خداعه ‬بسهولة ‬أو ‬جعله ‬واقعا ‬تحت ‬تأثير ‬معين، ‬كما ‬منهم ‬الغنى ‬أو ‬الطبقات ‬الارستقراطية ‬التى ‬ليست ‬فى ‬حاجة ‬لعطايا ‬أو ‬مال ‬أو ‬منصب، ‬وهكذا ‬فإن ‬قناعة ‬كل ‬هؤلاء ‬يصنع ‬رابطة ‬محكمة ‬بذاتها ‬أو ‬عبر ‬تكوينها ‬المتنوع، ‬فهم ‬ليسوا ‬فئة ‬معينة ‬من ‬الفقراء ‬أو ‬المشردين ‬أو ‬المظلومين. ‬
فى ‬الرواية ‬جانب ‬أيضا ‬مهم ‬وهو ‬الخاص ‬بلغة ‬السرد ‬التى ‬تجاوبت ‬مع ‬نوازع ‬متنوعة، ‬وتفاوتت ‬لغة ‬السرد ‬لتمثل ‬وتجسد ‬حالات ‬متباينة ‬من ‬الحياة ‬العصرية ‬أو ‬حالات ‬على ‬قدر ‬من ‬السطحية ‬وأخرى ‬على ‬النقيض ‬حيث ‬التنقيب ‬فى ‬أسرار ‬الروح ‬وكتابات ‬آخرين ‬ممن ‬لهم ‬لغات ‬خاصة ‬وجموح ‬وطموح ‬مغاير ‬فى ‬التعبير ‬عن ‬ثقافات ‬ورغبات ‬عميقة ‬وروحانية، ‬كل ‬هذا ‬التنوع ‬فى ‬مستويات ‬اللغة ‬هيمن ‬عليه ‬خطاب ‬رواية ‬كارهى ‬سليم ‬العشى ‬وسيطر ‬عليه ‬بنعومة ‬وسلاسة ‬وتدفق ‬سردى ‬كبير ‬وبحالة ‬خاصة ‬من ‬الشعرية ‬السردية، ‬التى ‬قاربت ‬بين ‬هذه ‬الأصوات ‬المختلفة ‬وقاربت ‬بين ‬المعجزة ‬ونقيضها، ‬وبين ‬السؤال ‬ومحاولات ‬الإجابة ‬عنه، ‬وبين ‬مشاعر ‬متباينة ‬من ‬الخوف ‬والاستقرار ‬والطمأنينة ‬والقلق ‬والحزن ‬والثقة ‬والأمان ‬وغيرها ‬من ‬القيم ‬والنفسية ‬والإنسانية ‬التى ‬صهرها ‬الخطاب ‬بتدرج ‬ناعم ‬ومتناغم. ‬ينتقل ‬من ‬حال ‬الثبات ‬والرسوخ ‬النفسى ‬التى ‬لدى ‬داهش ‬إلى ‬حالات ‬القلق ‬والخوف ‬والأمل ‬فى ‬الحب ‬والرغبة ‬عند ‬سامح ‬أو ‬الراوى ‬الرئيس، ‬حالات ‬من ‬التبدل ‬فى ‬المصير ‬عند ‬المؤمنين ‬به ‬ومصيرهم ‬أو ‬مصير ‬أسرهم ‬عبر ‬الزمن، ‬وحالات ‬الوضوح ‬والاكتشاف ‬إلى ‬حالات ‬الاندهاش ‬والتساهل، ‬وهذه ‬النغمات ‬من ‬الوحدات ‬السردية ‬فى ‬رصها ‬وَصَفِّها ‬وفق ‬نسق ‬تركيبى ‬معين ‬جعل ‬الخطاب ‬الروائى ‬لا ‬يمضى ‬على ‬وتيرة ‬واحدة، ‬بل ‬أصبح ‬حافلا ‬بالتقاطعات ‬والتحولات ‬وحالات ‬من ‬الانتظار ‬والتكامل ‬والتشابك ‬الشجرى ‬بين ‬القصص ‬المختلفة، ‬وبعضها ‬فيها ‬إسقاطات ‬من ‬عالم ‬إلى ‬عالم ‬آخر ‬ومن ‬مرحلة ‬تاريخية ‬إلى ‬مرحلة ‬أخرى ‬لاحقة، ‬وهكذا ‬فى ‬حال ‬من ‬الديناميكية ‬المستمرة.‬
والحقيقة ‬إنها ‬رواية ‬ثرية ‬وفيها ‬عديد ‬الجوانب ‬التى ‬تستحق ‬النظر ‬والبحث ‬والتأمل ‬وجديرة ‬بقراءات ‬متعددة ‬المرجعيات ‬ووجهات ‬النظر، ‬بما ‬يعنى ‬أنها ‬محركة ‬ومحفزة ‬على ‬القراءة ‬والفكر ‬النقدى ‬وتعد ‬نموذجا ‬سرديا ‬خاصا ‬ومتميزا.‬


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.