مظاهرات في طهران تهتف «الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل» عقب وقف إطلاق النار    العراق يرحب بإعلان وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران    طقس اليوم الأربعاء.. تحذيرات من عودة الأمطار الرعدية والرياح الترابية    راي ستيفنز الحائز على جائزة جرامي يتعافى بعد كسر رقبته ونقله للمستشفى    وكالة فارس: خطة التفاوض تضمنت التزام إيران بعدم امتلاك سلاح نووى ومرور سفت عبر «هرمز»    مصر ترحب بإعلان ترامب تعليق العمليات العسكرية في المنطقة وتدعو لاغتنام الفرصة    خبراء ودبلوماسيون يؤكدون دور مصر في استقرار الشرق الأوسط    سي إن إن عن مسؤولين أمريكيين: ويتكوف وكوشنر وفانس ضمن فريق واشنطن في محادثات إيران    أحمد هاشم يكتب: أفاعي «‬الإخوان» ‬ ‬‮«6»|‬‬محمد ‬بديع..‬ ‬مرشد ‬الدم    أسعار الذهب تقفز بسرعة الصاروخ بعد إعلان إيقاف الحرب بالمنطقة    خيانة في بيت العيلة، عم يعتدى جنسيا على طفلتي شقيقه بالمنوفية    حريق في منشأة حبشان لمعالجة الغاز بالإمارات    الدولار يتراجع بعد إعلان وقف إطلاق النار بالشرق الأوسط    هبوط أسعار النفط بعد إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران    ماذا بعد تمديد مهلة ترامب لإيران... أبرز السيناريوهات المتوقعة    إصابة والد الفنان حمادة هلال بالشلل النصفي.. اعرف التفاصيل    الحكم التركي يقدم دليلا قاطعا على استحقاق الأهلي لركلة جزاء أمام سيراميكا كليوباترا    نجل أبو زهرة يكشف كواليس نقل والده وقراره رفض الجراحة    كومباني: خضنا معركة أمام ريال مدريد.. وسنحاول الفوز بمواجهة الإياب    بطريرك الكنيسة الشرقية القديمة يدعو إلى الصلاة من أجل سلام العالم وشفاء جراح الحروب    حريق يلتهم محلًا بسبب خلافات مالية بالدقهلية.. وضبط المتهمين    مأساة في الإسماعيلية.. مصرع فتاة وإصابة والدها وشقيقها في حريق مروع ب"أبوصوير"    ضبط 700 كيلو دواجن نافقة في حملة تفتيشية للطب البيطري ببني سويف    مصرع عاطل بطلق ناري خلال مشاجرة في بولاق الدكرور    اجتماعات مكثفة ب«التعليم» لوضع جدول الثانوية العامة تمهيدًا لإعلانه نهاية الشهر بعد مناقشته مع اتحاد الطلاب    استجابة لشكاوى المواطنين.. بدء أعمال إحلال وتجديد محطة صرف "أرض الجمعيات" بالإسماعيلية    فرص شغل بجد.. بني سويف الأهلية تنظم الملتقى الأول للتوظيف والابتكار وريادة الأعمال    يوسف شامل يفوز بذهبية بطولة العالم للناشئين والشباب للسلاح بالبرازيل    الدولار يقود فوضى الأسواق .. تراجع الجنيه يتسارع والنظام يجد في الحرب مبرراً جديداً للأزمة ؟!    بحضور إبراهيم السمان.. جنازة وعزاء والد السيناريست محمود حمان في مسقط رأسه بالبحيرة    أبخل خلق الله .. الصهاينة يستغلون صفارات الإنذار للهروب من المطاعم وعدم دفع"الحساب "    الكشف الطبي على 1240 مواطنًا بالقافلة الطبية بقرية أبوصوير البلد بالإسماعيلية    أربيلوا: لا أفهم القرارات التحكيمية.. وسنفوز على بايرن ميونيخ في ملعبه    عبد الحفيظ: اتحاد الكرة يعاندنا.. وسنطالب بالتحقيق في تجاوزات الحكم ضد لاعبي الأهلي    علاء عبد العال يعلن قائمة فريق غزل المحلة لمواجهة الجونة    أخبار × 24 ساعة.. التموين: إنتاج 525 ألف طن سكر محلى من القصب حتى الآن    قطر تطبق إجازة فى جميع مراحل التعليم حتى نهاية الأسبوع الجاري    فخري لاكاي يتوج بجائزة رجل مباراة سيراميكا والأهلي بعد هدفه الصاروخي    القافلة الطبية المجانية بأبوصوير بالإسماعيلية تقدم خدماتها ل1240 مواطنا    كان خارج من عزاء أخته.. السجن 15 عامًا لمتهمين اثنين و3 سنوات لثالث قتلوا مسنا في المنوفية    نرمين الفقي تفجّر مفاجأة عن سر شبابها الدائم: لا فيلر ولا بوتوكس    دياب: مكافأة التتويج بالدوري ستكون ضخمة خلال الموسم المقبل    شركة VRE Developments تطلق "Town Center 2" بمدينة الشروق باستثمارات ضخمة وتقدم نموذجًا جديدًا للمشروعات القائمة على التشغيل الفعلي    محافظ الإسماعيلية يكرم الأمهات المثاليات لعام 2026    وزير الصحة يبحث مع شركة سانوفي تعزيز التعاون في توطين صناعة اللقاحات ودعم الأمن الصحي    التحالف الوطنى فى اليوم العالمى للصحة: الحق فى الصحة أحد ركائز التنمية المستدامة    إنقاذ رضيع ابتلع 6 قطع مغناطيس دون جراحة بمستشفى الأطفال بالمنصورة    مصر تتحرك لمواجهة الفقر المائي، سويلم يكشف محاور الجيل الثاني لإدارة منظومة المياه 2.0، والإحصاءات تكشف أرقاما صادمة عن نصيب الفرد    وفد "التنسيقية" يشارك بمناقشات إعداد قانون ضوابط استخدام الأطفال لتطبيقات التواصل الاجتماعي    نظافة المدارس وانتظام حضور الطلاب.. توجيهات جديدة لمدارس الجيزة    وفد رسمي من رئاسة أوزبكستان يزور الجامع الأزهر للإشادة بدوره العلمي (صور)    البيت الأبيض ينفي دراسة توجيه ضربات نووية لإيران    خالد الجندي يحذر: التنكر للزوجة ونسيان العشرة سبب رئيسي لتفكك الأسرة    أمين البحوث الإسلامية يحذر: العلم الذي يزيد المرء كبرًا وبال على صاحبه    وفاة والد المؤلف محمود حمدان.. وهذا هو موعد ومكان العزاء    رئيس الوزراء يتابع جهود منظومة الشكاوى الحكومية خلال مارس الماضي.. أولوية قصوى للتعامل العاجل والفعال مع شكاوى واستغاثات وطلبات المواطنين المرتبطة بقطاع الصحة    دمياط تحتضن التصفيات الأولية للنسخة ال33 من المسابقة العالمية للقرآن الكريم    أيقونة العفة وسيدة نساء العالمين، ملتقى المرأة بالجامع الأزهر يستعرض سيرة السيدة "مريم"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خمسة رسائل وجهها شيخ الأزهر إلى الأمة من جاكرتا

وجه الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر خمسة رسائل خلال كلمته التي وجهها إلى الأمه الإسلامية اليوم خلال زيارته الحالية إلى العاصمة الإندونسية جاكرتا.
كانت الرسالة الأولى حول أن الربط بين الإسلام والإرهاب ظلم فادح، وتطرق في رسالته الثانية إلى استحالة الصمت على الانتهاكات التي تمارس ضد المستضعفين من المسلمين في ميانمار، ودارت الرسالة الثالثة حول محاولات تهويد القدس، وركزت الرسالة الرابعة حول تجديد المناهج ، وقال أن التجديد يكون انطلاقًا من القرآن والسُّنَّة الصحيحة، وما أجمع عليه المسلمون، والبعد كل البعد عن موضع الخلافيات في الفروع ، وكانت الرسالة الخامسة حول التعصب للخلافيات والفتاوى الغريبة ، وقال أنها أسهمت كثيرًا فيما وصلت إليه الأُمَّة الآن من انقسام وتنازع.
وفيما يلي نص الكلمة:
الحمدُ للهِ وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
................... .............
السَّادة الحضور!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد/
فأبدأ كلمتي بحمد الله وشكره والثناء عليه بما هو أهله، أن هيأ لي وللوفد المرافق من الأزهر الشريف ومن مجلس حكماء المسلمين -زيارة جمهورية إندونيسيا، والالتقاء بشعبها الطيب العريق بكل طوائفه، وبخاصة أشقاءنا في الإسلام وإخوتنا في الدين، هذا الشعب الذي يحظى باحترام مصر وشعبها لما يمثله من ثقل في ميزان الأمة، وعلامة بارزة في تاريخ الإسلام والمسلمين، وإخلاصٍ في التمسُّك بالإسلام: عقيدةً وسلوكًا وتطبيقًا لشريعته الغرَّاء..
ولَعَلِّي لا أُبالغ في مدحكم والثَّناء عليكُم -أيُّهَا الشَّعب الإندونيسي الأصيل!- لو قلتُ: إنَّ إندونيسيا قد حباهَا الله قدرة خاصة على تقديم الإسلام للعالم كله في صورة الدين الذي يدعو إلى سعادة الدنيا والآخرة، وتمتزج تحت ظلاله أصالة القديم وروعة الجديد، وتتصالح في رحابه حاجات الفرد ومصالح المجتمع.
وقد استطاع هذا الشعب اكتشاف كنوز الإسلام الحنيف، وقيمه التشريعية والخلقية، واستخراج ما تختزنه من قيم: العدل والمساواة والانفتاح على الآخر، والتشجيع على امتلاك مصادر القوة وأسباب التقدم العلمي والتقني، والتوكل على الله والاعتماد عليه في امتلاك هذه الطاقات الروحية والمادية.
وقد مَكَّن هذا الامتزاج بين الإيمان والعلم والعمل دولة إندونيسيا لأن تقفز إلى صدارة الدول المتقدمة في المنطقة، وتصبح «نِمرًا» رابط البأس والجأش بين النمور الآسيوية، وأن تضرب أروع الأمثال على أن الإسلام هو دين الدنيا والآخرة، ودين الحياة ودين الإنسانية كلها. وأن تفند بالدليل العملي مفتريات أعداء الإسلام وتخرصاتهم بأنه دين الكسل والتواكل، والتخلف الاجتماعي، وأنَّه يعيق التنمية الاقتصادية والسياسية، بل أصبح النموذج الإندونيسي الآن مبعث فخر واعتزاز لدى المسلمين، نظرًا لتقدم اقتصادها تقدمًا هائلًا مرموقًا في جنوب شرق آسيا..
وقد احتضن أهلُ إندونيسيا رسالة الإسلام التي وصلت إليهم على أيدي التجار المسلمين()، ووافقت ما جُبل عليه أهل هذا الأرخبيل من الوداعة ولين القلب ونزعة الأمن والميل إلى السَّلام، مع ما تميَّزت به عقيدة الإسلام وشريعته من وضوح وعدالة وسماحة.
وكانت مناطق «نوسانتارا» أوَّل مستقبل للإسلام في ذلكم العهد، ثم انتشر منها بعد ذلك وتوسَّع وتجدَّد حتَّى أصبحت إندونيسيا أكبر دول الإسلام قاطبة وأعظمها عددًا، وأشدَّها حُبًّا لله تعالى ولرسوله ﷺ وللقرآن الكريم وشريعته وأحكامه..
أمَّا أمرُ العلاقة بين شعبي: مصر وإندونيسيا فإنه يرجع –فيما يقول بعض المؤرخين-إلى عهد مُوغل في القِدَمِ، ثم تطوَّرَت هذه العلاقةُ عبر القرون إلى تبادلٍ تجاري وعلمي وثقافي، وكان بعضُ الحجَّاج الإندونيسيين يمكثون بعد الحج بِمَكَّة المُكَرَّمة والمَدينة المنوَّرة، ليدرسوا العِلْم على أيدي أساتذة الأزهر وعلمائه، ويُسجِّل المؤرخون الأوربيون أنَّ خمسينات القرن التاسع عشر شهدت استقرار أوَّل جالية إندونيسيَّة بمصر، جاءت لتدرس العِلْم في الأزهر الشريف على أيدي علمائه وشيوخه، وقد سكن طُلَّابها في رواق من أروقة الأزهر سُمِّي باسمهم وهو: الرواق الجاوي، وكانت مطابع القاهرة تطبع مؤلَّفات عُلَمَاء الدِّين بإندونيسيا، كما تأثَّر الإندونيسيون عبر أبنائهم المقيمين بالأزهر بحركات تجديد الفكر الإسلامي في مصر التي اضطلع بها الإمام محمد عبده وتلاميذه من بعده، والحركات الوطنية بزعامة مصطفى كامل وزعماء التيَّار الوطني في ذلكم الحين..
والآن يدرس بالأزهر الشريف أكثر من خمسمائة وثلاثة آلاف طالب إندونيسي، يدرس منهم على نفقة الأزهر اثنان وستون ومائتا طالب وطالبة، ويُقدِّم الأزهر في كل عام لدولة إندونيسيا عشرين منحة دراسية، كما بلغ عد المبعوثين للتعليم الأزهري في إندونيسيا واحدًا وثلاثين مُعَلِّمًا..
.. .. .. الجَمْعُ الكَريم!
لَعلَّ من نافلة القَول أن عالَمنا المُعاصِر الذي نعيش فيه الآن تستبد به أزمات عديدة خانقة: سياسيَّةٌ واقتصاديَّةٌ وبيئيَّة، ولعل أسوأها وأقساها على دول العالَم الثالث وشعوبه أزمة الأمن على النفس والعرض والمال، والأرض والوطن، وافتقادُ السَّلام وشيوعُ الفوضى والاضطراب، وسيطرةُ القوَّة، واستِباحةُ حُرمات المُستضعفين. والأقسى من كل ذلك والأمرّ أنْ تُرتكب الجرائم الوحشيَّةُ الآن، من قتل وإراقة للدماء باسم الدين، وتحديدًا دين «الإسلام» وحده من بين سائر الأديان، حتَّى أصبح «الإرهاب» علمًا على هذا الدِّين ووصفًا قاصِرًا عليه لا يُوصف به دين آخر من الأديان السماوية الثلاثة، وهذا ظلم في الحُكم، وتدليس يزدري العقول والأفهام ويستخف بالواقع والتاريخ، فمن البيِّن بذاته أن بعض أتباع الديانات الأخرى مارسوا باسم أديانهم، وتحت لافتاتها، وبإقرار من خواصهم وعوامهم، أساليب من العنف والوحشية تقشعر منها الأبدان، وتشيب لها الولدان، وإلَّا فحدثوني عن الحروب الصليبيَّة في الشرق الإسلامي، والحروب الدينية في أوروبا، ومحاكم التفتيش ضد اليهود والمسلمين، ألم تكن هذه الحروب «إرهابًا» ووحشيَّة، ووصمة عار في جبين الإنسانية على مر التاريخ!! وقد يقال إن هذه التجاوزات أصبحت في ذمَّة التاريخ، ولم يَعُد لها تأثير تنعكس آثاره المُدمِّرة على عالم اليوم.. وإذن فحدثوني عمَّا يُسَمَّى الآن بالحرب الصليبيَّة الثانية، وهذه العبارة لم يجر بها لساني بسبب من وحي الصراع الذي نعيشه في العالمين: العربي والإسلامي، وإنَّمَا هي عنوان لكتاب صدر لباحث أمريكي مشهور هو: جون فيفر، عنوانه: «الحرب الصليبية الثانية: حرب الغرب المستعرة مجددًا ضد الإسلام» ولا يتسع الوقت بطبيعة الحال لعرض ما جاء في هذا الكتاب أو تلخيصه، ومثله عشرات الكتب في هذا الموضوع، ولكنِّي أردت أن أُبيِّن أن الانحراف الذي حدا بقلة قليلة من المنتسبين إلى الإسلام لارتكاب هذه الفظائع، التي أنكرها عُلَمَاء المسلمين ومفكروهم وعقلاؤهم وعامتهم وخاصتهم أشد الإنكار، هذا الانحراف حدث مثله بل أضعاف أضعافه في الأديان والمِلَل الأخرى، وشجع عليه رجال الأديان وباركوه ووعدوا مرتكبيه بالخلود في الجنان.
وأؤكد لكم أيُّهَا السَّادة أن النظر في تاريخ: «الإرهاب المقارن» إن صحَّت هذه التسمية، يثبت أن المسلمين كانوا في قمة الإنصاف والموضوعية، وهم يفرقون بين الأديان ومبادئها ورموزها، وبين انحرافات المنتسبين لهذه الأديان.. إن علماء المسلمين ومؤرخيهم كانوا يسمون هذه الحروب الإرهابية بحروب الفرنجة، ولم ينسبوها للأديان التي نشبت هذه الحروب باسمها، بل ما نسبوها حتى للصليب؛ وعيًا منهم بالفرق الشاسع بين الدين كهدي إلهي، وبين المتاجرين به في أسواق الأغراض والمصالح وسياسات التوسع والهيمنة، واحترمًا لمعتقدات الآخرين وما يدينون به، وذلك رغم ما تعرض له المسلمون قديمًا ولا يزالون يتعرضون له حديثًا في مناطق كثيرة معلومة للجميع، ولكن لا يمكن الصمت عما يحدث الآن للمستضعفين من المسلمين اليوم من قتل وإبادة جماعية وتهجير قسري في ميانمار، وسط صمت مخجل من المؤسسات الدولية المعنية، التي أناطت بها مواثيقها وقوانينها أمر الحفاظ على أمن الإنسان وحقه في الحياة، لا فرق في ذلك بين مسلم وغير مسلم.
وكذلك لا يمكن الصمت عما يعانيه المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من احتلال وتهويد وتغيير لمعالمه الإسلامية.
وإذا كانت بعض المؤسسات الدينية الغربية، قد سمحت لنفسها مناشدة العالم الآن لحل ما أسمته مشكلة اضطهاد المسيحيين في الشرق، وذلك رغم ما يؤكده الواقع من عيش مشترك وسلام متبادل بين المسلمين والمسيحيين الشرقيين، وأن ما يقع على بعض المسيحيين من اضطهاد وتشريد وتهجير في الآونة الأخيرة؛ يقع أضعاف أضعافه على مئات الآلاف من المسلمين الذين هلكوا هم ونساؤهم وأطفالهم في القفار والبحار، هربا من الجحيم الذي يلاقونه في بلادهم، أقول: إذا كانت بعض المؤسسات الدينية الكبرى في الغرب قد سمحت لنفسها أن تطلق هذا النداء، فإني - بدوري أناشد عقلاء العالم وحكماءه وأحراره لحل مشكلات اضطهاد غير المسلمين للمسلمين في الشرق وفي الغرب أيضا، حتى يتحقق الأمن ويَعُمَّ السلام، وتَنعمَ الإنسانيةُ شرقا وغربا.
.. .. .. الجَمْعُ الكَريم!
إنَّ الله، سبحانه وتعالى، لم يُنزل الأديان من لدنه لشقاء النَّاس ولا لتعريضهم للضرر والرهبة والخوف والرعب، وإنما أنزلها نورًا وهدًى ورحمة، والمسلمون على وجه الخصوص أبعد الخلق قاطبة عن الإرهاب، وما يتولد عنه من عنف، وقتل، وسفك للدم، وإزهاق للروح.. وأنا شخصيًّا لا أعلم دينًا ولا كتابًا سماويًّا توعَّد سفك الدماء بالعقوبة المغلظة في الدنيا والآخرة مثل الإسلام ومثل القرآن الكريم، فقد أوجب القرآن القصاص في القتل العمد في الدنيا، وتوعَّد قاتل العمد بجزاء شديد في الدار الآخرة: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ {النساء:93}. وكيف يُوصَف الإِسلام بالإرهَاب وهو الدِّين الذي أعلن رسوله ﷺ أن المسلم هو «مَنْ سَلِمَ النَّاس مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»()، وقال: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ»().. ولم يقتصر الإسلام على تحريم القتل وتحريم إسالة الدم فحسب، بل حرَّم ترويع الناس وتخويفهم حتى لو كان الترويع والتخويف على سبيل المزاح فقال ﷺ: «مَنْ أشارَ إلى أخيه بحديدةٍ، فإنَّ الملائكةَ تلعنُهُ حتَّى يَدَعهُ، وإنْ كَان أخاه لأبيهِ وأُمِّهِ»، وقال: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا»().. وكيف يُتَّهم هذا الدين بالإرهاب والعنف والقتل والهمجية وقد وصف الله النبي الذي حمل هذا الدين وبلَّغه للنَّاس بأنَّه: رَحْمَةٌ لِّلْعَالَمِينَ، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ {الأنبياء: 107}. وهو ﷺ وصف نفسه بقوله: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ»، أي أنا رحمة الله المهداةُ للعَالَمين، والمتأمل في الآية الكريمة والحديث الشريف لا بد له من أن ينتهي إلى حقيقتين لا مجال فيهما لريبة أو شك:
الأولى: أن «الرحمة» بمفهومها الأعم الواسع هي الحكمة العليا التي من أجلها بعث الله نبيه إلى الناس، وهذا ما يقتضيه أسلوب القصر البلاغي في الآية وفي الحديث، وبحيث تتطابق الآية مع الحديث تطابقًا تمامًا في الدلالة على أن نبي الإسلام هو –حصرًا- نبيُّ الرَّحمة، وبُعث من أجل الرحمة، وأن الرحمة بالخلق هي الغاية من مجيئه إلى هذا الوجود. والقرآن الكريم نفسه يثبت هذه الحقيقة من خلال رصد دوران كلمة «الرحمة»، وعدد مرَّات ورودها في آيات التنزيل، فمن بين سائر الفضائل التي ورد ذكرها في القرآن الكريم كالصدق والحلم والعدل والأمانة والعفو والكرم وغيرها، تنفرد صفة «الرحمة» بكثرة ورودها في القرآن كثرة لافتة للنظر، فقد وردت بمشتقاتها في خمسة عشر وثلاثمائة موضع، مقارنة بصفة «الصدق» التي وردت خمسًا وأربعين ومائة مرة، و «الصبر»: تسعين مرة، و «العفو» ثلاثًا وأربعين مرة، و«الكرم» اثنتين وأربعين مرة، و «الأمانة» أربعين مرة، و «الوفاء» تسعًا وعشرين مرة(). والحقيقة الثانية التي نستخلصها من التأمل في الآية والحديث هي عموم رحمته ﷺ بالعوالم كلها، بمعنى أنَّه رحمة الله إلى الخلق كافة وإلى الناس أجمعين، وأن رحمته ليست خاصة بالمسلمين فحسب، بل تتعداهم -بنص الآية – إلى غيرهم من سائر الأمم والشعوب، وهذا ما يؤخذ من كلمة: «العالمين»، والتي لا يتوقَّف مفهومها ومعناها عند حدود عالَم الإنس فقط، بل يشمل أيضًا كل العوالم التي أحصاها العلماء والحكماء والفلاسفة، وحصروها في عوالم الإنسان والحيوان والنبات والجماد. وأنتم لو ألقيتم نظرة سريعة على سيرته ﷺ فسوف يُدهشكم شمولُ رحمته لكل هذه العوالم، بدءًا من الجماد وانتهاءً بالإنسان؛ فقد كانت له مع الجماد صلاتُ مودةٍ وسلامٍ، عبَّر عنها في قوله الشريف: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»، وفي قوله: «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ»(). وأوضح من ذلك نهيه الصريح لجيوش المسلمين أن يهدموا في حروبهم بيوت الأعداء، أو يخربوا عمرانهم، أو يقطعوا شجرهم ويقلعوا نباتهم، ويعقروا نخيلهم، وقد ورد ذلك وغيره في أوامر حاسمة يقول فيها النبي ﷺ: «...لا تَغُلُّوا، وَلا تَغْدِرُوا وَلا تُمَثِّلُوا، وَلا تَقْتُلُوا وليدًا». وفي حديث آخر: «... وَلا تَقْطَعُنَّ شَجَرَةً، وَلا تَعْقِرُنَّ نَخْلًا، وَلا تَهْدِمُوا بَيْتًا»، ووصايا أخرى سار عليها أصحابه وخلفاؤه من بعده، ومنها وصية الصدِّيق رضي الله عنه لجيش أسامة وتحذيرهم من قتل الأطفال في بلاد العدو أو الشيخ الكبير أو المرأة أو الأجير أو الرهبان. أو ذبح الحيوان إلَّا لضرورة الأكل، وعلى قدرها، دون تجاوز أو زيادة.
ولَكُم أيُّهَا السَّادة، بل للعالَم كله، أن يُقارن ويتأمَّل الفرق بين هذه الأخلاق الإنسانية العُليا التي حكمت سيوف المسلمين، في حروبهم وألجمتها عن تجاوز العدل حتى في مواجهة العدو، وبين همجية الحروب الحديثة، التي تبيد النساء والرجال، والأطفال، إبادة جماعية، وتهدِمُ البيوت على رؤوس أصحابها، وتُزيل قُرى كاملة من الوجود، كي يتبين للجميع أن الإسلام هو دين الرحمة وأن نبيه ﷺ هو نبي الرحمة..
أيُّهَا السَّادة يطول بِنا الوقت لو رُحنا نتتبَّع مظاهر تطبيق هذه الرحمة في عالم الإنسان والحيوان والنبات والجماد، ولكن قصدت من وراء هذه اللمحة السريعة أن أتساءل: كيف صُوِّر هذا الدين الذي يدور على مفهوم الرحمة ومعناها، وجودًا، وغايةً، وهدفًا، في صورة العُنف والقتل وإرهاب الآمنين، إنَّ هذا الدِّين الحنيف ما كان لِيوصَم بهذا الإفك المفترَي لولا ما ابتليت به هذه الأُمَّة في الآونة الأخيرة بنابتة سوء من أبنائها وشبابها، يقترفون جرائم القتل والحرق، والتمثيل بجثث المسلمين وغير المسلمين، ويظنون أنهم بجرائمهم هذه يجاهدون في سبيل الله ويُحيون دولة الإسلام، وقد كفَّروا مَن خالفهم مِنْ المسلمين ولم يعتنق أفكارهم الشَّاذَّة، ومذاهبهم المُنحَرِفة، الَّتي يرفضها الإسلام ويبرأ منها وينكرها أشدَّ الإنكار.. والأزهر الشريف وهو يتحمَّل مسؤوليَّة البلاغ والبَيان أمام الله تعالى يوم القيامة، لا يألو جهدًا في التنبيه المُسْتَمِر على انحراف هذه الأفكار، وأنها ليست من الإسلام والقرآن والشريعة، لا في قليل ولا كثير، وأن هؤلاء مضلَّلون في تنكّبهم هدي الله ورسوله وأنهم، من حيث يعلمون أو لا يعلمون، وأنهم أساؤوا إلى الإسلام بأكثر مِمَّا أساء إليه أعداؤه، وشوَّهوا صورته السَّمحة النَّقيَّة، وقدَّموا بعبثهم بالإسلام صورًا مغشوشة شائهة استغلَّها أعداء هذا الدين السمح في داخل العالَم الإسلامي وخارجه، وطعنوا بها على الإسلام وثوابته، وسخروا من رسوله ومن سُنَّته وشريعته، ولايزال الأزهر يُنادي هؤلاء الشباب ويطمع أن يُفيقوا من سكرتهم، وأن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يعلموا أن الغلو الذي أدَّى بهم - وبنا معهم - إلى هذه الفِتَن العمياء، قد حذَّرنا منه رسول الله ﷺ في قوله: «أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّما أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» ()، وفي قوله: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»، أي: المغالون والمتجاوزون في الأقوال والأفعال..
وامتثالًا لقول الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ {الذاريات: 55} نُذكِّر هؤلاء الذين بغوا علينا، وأساؤوا إلى ديننا وأمتنا وتاريخنا أنَّ الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وأنه قد آن الأوان أن ليراجعوا أنفسهم، و يندموا على ما فرطوا في جنب دينهم وأمتهم، واللهُ عزَّ وجلّ-كما يعلمون - يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ {النساء: 48}، ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ {الأعراف: 56}.. ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾{الزمر: 53}.
.. .. ..
هذا وأُذَكِّر نفسي وأُذكِّر علماء الأُمَّة بواجبنا الذي سنسأل عنه جميعًا أمام الله تعالى يوم القيامة، وهو بذل المستطاع من الطاقة والقوة والجهد، والتناصح من أجل الحفاظ على وحدة الأمة وصيانة عقائدها من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. وعلينا أن ننتبه إلى ضرورة العمل على ترسيخ فقه التيسير ومقاومة فقه الغلو والتشدد والتطرف، مع مقاومة ثقافة التحلل والتغريب وتدمير هوية المسلمين وثوابتهم وتراثهم العريق جنبًا إلى جنب.
وأن نلتفت إلى خطر التعليم في ترسيخ فقه التيسير وثقافة التعايش، وتجديد المناهج انطلاقًا من القرآن والسُّنَّة الصحيحة، وما أجمع عليه المسلمون، والبعد كل البعد عن وضع الخلافيات في الفروع موضع القواطع والثوابت.
وَمِمَّا يَجب التنبُّه له شرعًا ضرورةُ، بل وجوب، طلب الفتوى من أهل العِلم، المُلتزمين بمذاهب أهل السُّنَّة أصولًا وفروعًا، ومِمَّن لهم خبرة وبصر بمستجدات الواقع ونوازله، ويدركون خطر الآراء الخارجة عما أجمعت عليه الأمة، أو وقع عليه اختيار الجمهور من العُلَمَاء والفُقَهاء على مدَى أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزَّمان، وأنْ نعلم أن التعصب لهذه الخلافيات والفتاوى الغريبة قد أسهم كثيرًا فيما وصلت إليه الأُمَّة الآن من انقسام وتنازع وفشل، وفتح الباب على مِصراعيه للتدخلات الخارجية، بمخطَّطاتها الماكرة لتعبث ما شاء لها العبث بأمور المسلمين، وكانت النتيجة الكريهة لهذا الوضع أنْ صار بأسُنا بيننا شَديدًا. وليس أمامنا –مَرَّة أُخرى أيها السادة الأفاضل- إلَّا الاعتصام بحبل الله، والتمسُّك بما أمر به في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ {آل عمران: 103}، وذلك حتَّى لا يتحَقَّق فينا الوَعيد الإلهيّ في قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ {الأنفال: 46}، وأيضًا الوعيدُ النبوي في قوله ﷺ: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، تُنْتَزَعُ الْمَهَابَةُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ. قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» .
وعَلينا –يَا عُلَمَاء الأُمَّة بكل مذاهبها ومشاربها- أن نتأمَّل جَيّدًا التشبيه النبوي المعجز في هذا الحديث الشريف، والذي يصور قصعة فيها طعام شهي، وحولها جائعون متلهفون، يدعو بعضهم بعضًا لالتهامها وابتلاعها، على مرأى ومسمع من أصحاب القصعة وحُرَّاسها، المتشاغلين بما بينهم من توافِه الأمور وغرائب الأحوال، ولو أنَّنا استعرنا هذا التصور النبوي، وطبقناه على حال العرب والمسلمين اليوم، وما أفاء الله عليهم من ثروات ظاهرة وباطنة لا يحصرها العد، وتربُّصِ الأُمَمِ بهذه الثروات – لأدركنا إذن أين نقف اليوم من هذا الحديث الشريف الذي يكاد يستشرف واقعنا الآن من وراء خمسة عشر قرنًا من الزمان. فَهَلْ مِن مُّدَّكِر.
شكرًا والسَّلام عَليْكُم ورَحمةُ الله وبَركَاته؛؛؛


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.