ارتفاع سعر الجنيه الذهب بالصاغة بختام تعاملات اليوم (تحديث لحظي)    نيويورك تايمز: نتنياهو يبدى انزعاجه من احتمال وقف ترامب للحرب على إيران    مودرن سبورت وكهرباء الإسماعيلية يتعادلان 1-1 في الدوري المصري    فرحة فى كل مكان.. احتفالات على كورنيش المنيا بعيد الفطر.. فيديو    إياد نصار يكشف كواليس "صحاب الأرض": مأساة غزة كما لم تُر من قبل    أول تعليق من مصطفى كامل بعد حذف أغنيته الجديدة    مشروبات طبيعية لعلاج احتباس السوائل بالجسم بعد تناول الفسيخ فى العيد    كان يضعها تحت وسادته.. أسرة عبدالحليم حافظ تكشف عن أدعية بخط يده    التعادل السلبي يحسم الشوط الأول من مباراة كهرباء الإسماعيلية ومودرن    فينيسيوس يقود ريال مدريد ضد أتلتيكو فى ديربي مدريد بالدورى الإسبانى    أول تعليق من أحمد الفيشاوي على أزمة سحب فيلم "سفاح التجمع" من السينما    نهضة بركان يقصى الهلال بهدف قاتل ويتأهل لنصف نهائى دورى الأبطال.. فيديو    استهداف مستشفى الدعين بطائرة مسيّرة يوقع عشرات القتلى والجرحى بالسودان    إزالة عقار يمثل خطرا داهما على حياة المواطنين في حي المنتزه أول بالإسكندرية    الضفة.. مستوطنون إسرائيليون يحرقون مركبات فلسطينية    زيارات مفاجئة لوحدات الرعاية الأساسية بصحة أسيوط فى ثالث أيام العيد    تعدٍ وطلب أموال دون وجه حق.. كشف ملابسات فيديو بالإسماعيلية    شاب يقتل مسنا ويطعن شقيقه بمنطقة منشأة ناصر    وزير الخزانة الأمريكية: واشنطن تمتلك تمويلا كافيًا لحرب إيران وتطلب دعمًا من الكونجرس    «الشرق الأوسط القديم».. لن يعود من جديد..!    في ثالث أيام العيد.. جولة موسعة لمحافظ الإسكندرية لإعادة الانضباط إلى الشارع    محافظ كفر الشيخ يتابع انتظام عمل المواقف خلال إجازة العيد    مباشر الكونفدرالية - الزمالك (2)-(0) أوتوهو.. تبديلان للأبيض    التحالف الوطني يوزع ملابس العيد على الأسر الأولى بالرعاية    استمرار تقديم خدمات المبادرات الرئاسية المجانية للمواطنين بسيناء    عدى الدباغ يسجل الهدف الثانى للزمالك أمام اوتوهو فى الكونفدرالية    مصر تقود نمو استثمارات الكوميسا إلى 65 مليار دولار في 2024 رغم التوترات العالمية    محافظ شمال سيناء يتفقد انتظام دخول المساعدات الإنسانية عند معبر رفح البري    في ثالث أيام العيد.. «الزراعة» تتفقد التجارب والبرامج البحثية بمحطة بحوث شندويل    صدارة واضحة ل "برشامة".. وإيرادات متباينة لأفلام عيد الفطر 2026    إياد نصار يكشف كواليس «صحاب الأرض» في «واحد من الناس»    «الصحة» تحذر من الإفراط في تناول الفسيخ والرنجة خلال عيد الفطر    الصحة: توافر تطعيمات التيتانوس مجانا بالوحدات الصحية وفق أحدث المعايير الطبية    وزير الري يتابع حالة السيول بجنوب سيناء    وزير الكهرباء يجتمع برئيس هيئة المحطات النووية لمتابعة مشروع الضبعة    المطران شيو يشيد بكلمات البطريرك المسكوني خلال جنازة البطريرك إيليا الثاني في تبليسي    السيطرة على حريق داخل مخزن خردة فى منشأة ناصر.. صور    الخارجية تؤكد استقرار أوضاع الجاليات بالخليج واستمرار الدعم القنصلي    وزير الكهرباء يجتمع برئيس هيئة المحطات النووية لمتابعة تنفيذ مشروع المحطة النووية بالضبعة    خطة مكثفة لخط نجدة الطفل خلال الأعياد.. واستجابة فورية على مدار الساعة    تفاصيل جديدة فى جريمة كرموز.. العثور على أم و5 أطفال مقتولين بطريقة صادمة    جابرييل: أستمتع بمواجهة هالاند.. وهذا سيكون عملي بعد كرة القدم    الجيش الإيرانى: استهدفنا مقاتلة من طراز F15 قرب جزيرة هرمز    بند في عقد علي ماهر مع سيراميكا يفتح طريق توليه تدريب الأهلي    يعادل سنة كاملة.. أفضل وقت لصيام الست من شوال    رمضان عبدالمعز: حب آل البيت فريضة.. ومحبة المصريين لهم هدي قرآني    كجوك: إضافة تيسيرات جديدة ل «الحزمة الثانية للتسهيلات الضريبية»    التعليم تشدد على الالتزام بالكتاب المدرسي في امتحانات نهاية العام وتمنع الأسئلة السياسية    يسرا اللوزي تكشف كواليس مؤثرة لمسلسل «كان ياما كان»    الانتهاء من ترميم إيوان أقطاي وساقية الناصر محمد بن قلاوون ومسجد محمد باشا بمنطقة القلعة الأثرية    جريزمان: أجلت رحيلي عن أتلتيكو للصيف.. ولا أفكر في الديربي    ندوات توعوية لتعزيز الوعي المجتمعي بدور المرأة بالشرقية    الأقصر.. تكريم أئمة وقراء القرآن في احتفالية عقب انتهاء شهر رمضان في إسنا    ضبط 420 كجم أسماك مملحة وغير صالحة للاستهلاك الآدمي بالمنوفية    الزمالك يواجه أوتوهو لحسم بطاقة التأهل إلى نصف نهائى الكونفدرالية    أسعار اللحوم الحمراء بالأسواق في ثالث أيام عيد الفطر المبارك    المتحدث الرسمي للأوقاف للفجر: حبُّنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآلِ بيته الأطهار دينٌ صادق وتاريخٌ مشهود    العثور على رضيعة داخل صندوق قمامة بطامية ونقلها للمستشفى لكشف ملابسات الواقعة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ياسر رزق يكتب من بودابست: تناغم «الدانوب الأزرق» و«النهر الخالد»
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 05 - 06 - 2015

فى ميدان «كوشوت» زعيم ثوار المجر ضد حكم «آل هابسبورغ» النمساويين فى منتصف القرن التاسع عشر، جرت مراسم استقبال للرئيس عبدالفتاح السيسى قلما تحدث لرئيس دولة يزور المجر، وسط حضور لافت خلف الحواجز من جانب مجريين وسياح ومصريين مقيمين فى المجر، تجمعوا أمام قصر «أورساك هاز»، التحفة التاريخية التى أنشئت منذ 140 عاما، وتعد أحد أبرز معالم العاصمة «بودابست».
عزفت الموسيقات العسكرية المجرية مارش «راكوتى» وهو زعيم آخر قاد انتفاضة ضد «آل هابسبورغ» فى مطلع القرن الثامن عشر، ترحيبا بوصول الرئيس السيسى إلى ساحة القصر.
وبين تمثالى «كوشوت» و «راكوتى»، اصطف حرس الشرف مصحوبا بالخيالة، واستعرض السيسى ومضيفه رئيس الوزراء المجرى فيكتور أوربان الحرس، بينما عزفت الموسيقات العسكرية جزءا من مقطوعة «الدانوب الأزرق» التى أبدعها الموسيقار النمساوى يوهان شتراوس منذ 150 عاما مضت، تخليدا لنهر الدانوب أطول أنهار أوربا الذى يخترق فيينا وبودابست ومدناً أخرى فى عشر دول أوربية.
نهر الدانوب الذى يطل عليه قصر «أورساك هاز» وهو مقر الحكومة والبرلمان، يفصل شطرى العاصمة بودابست، فتقع «بودا» وهى المدينة الأقدم والأغنى على ضفته الغربية، بينما تقع «بست» وتنطق (بشت) على ضفته الشرقية وهى المدينة الأحدث، وبها يوجد قصر «أورساك» ، وظلت «بودا» و «بست» مدينتين منفصلتين، حتى توحدتا عام 1873 بعد خمس سنوات من تأسيس الإمبراطورية النمساوية المجرية، وأصبحت المدينة الموحدة تجمع اسمى شطريها «بودابست».

استقبال السيسى الرسمى الحافل فى زيارته للمجر، وهى «زيارة دولة» تعد الأرفع شأنا فى زيارات رؤساء الدول، فسره أوربان رئيس وزراء المجر، فى المؤتمر الصحفى الذى عقده والسيسى عقب مباحثات القمة التى جمعت بينهما أمس، بأنه تعبير عن شعور المجر بالشرف العظيم لزيارة رئيس مميز لبلد مميز هو مصر، مهد الحضارة الإنسانية، التى نحترم تاريخها ونحترم حاضرها ونحترم قائدها.
فيكتور أوربان رئيس وزراء المجر، هو أبرز الشخصيات فى التاريخ السياسى المجرى المعاصر. حينما كان فى الخامسة والعشرين من عمره أسس هذا المحامى الشاب حزب «الديمقراطيين الشبان» بعد تفكك الكتلة الشرقية وانهيار الحكم الشيوعى عام 1990، وبعدها بثمانى سنوات فاز حزبه بالأغلبية وأصبح رئيسا لوزراء المجر وعمره لم يتعد الثالثة والثلاثين، وبعد 4 سنوات، خسر الانتخابات وظل زعيما للمعارضة ثمانى سنوات فى ظل حكم الحزب الاشتراكى، ثم اكتسح انتخابات البرلمان عام 2010، وتسلم البلاد وهى على شفا انهيار اقتصادى، وفى غضون 4 سنوات، حقق معجزة لبلاده التى أصبحت الأعلى فى معدلات النمو فى الاتحاد الأوربى، ورغم الحملات الأوربية ضد أوربان نتيجة سياسته فى التقارب مع روسيا، استطاع أوربان أن يفوز مرة أخرى فى الانتخابات العام الماضى وأن يحتفظ بمنصبه كرئيس للوزراء بفضل الانجازات الاقتصادية الكبرى التى حققها.

على البعد.. هناك تقدير شخصى يكنه السيسى لأوربان، الذى كان أول زعيم أوربى يعترف بثورة 30 يونيو وبيان 3 يوليو فى مصر، وهناك تقدير شخصى مماثل يكنه أوربان للسيسى، الذى أنقذ بلاده من مصير كان يتهددها وتحمل المسئولية واتخذ أصعب القرارات لتحقيق الاستقرار لبلاده.. وهذه كلمات أوربان التى ألقاها على مسامع رجال الأعمال المصريين والمجريين فى المنتدى الذى عقد عصر أمس بمشاركته والرئيس المصرى.
قال أوربان أيضا أمام المنتدى: فكروا ماذا كان سيحصل لو لم يأت السيسى من بعد مرسى؟!.. ماذا لو لم يكن هناك جيش فى مصر؟! ... ماذا لو لم يكن هناك رئيس شجاع؟!.. ماذا لو عمت الفوضى العالم العربى، وكيف سيصير حينئذ حال أوربا؟! .. وأضاف أوربان ان عبارة «ماذا لو» لانتعامل بها فى السياسة، لكن تلك الأسئلة تحتم علينا التفكير ثم تقييم ماجرى.

«الكيمياء» أعملت تفاعلاتها، بين السيسى وأوربان منذ اللحظة الأولى للقائهما فى الساعة العاشرة من صباح أمس، والذى امتد فى جلسة مباحثات ثنائية، ثم جلسة موسعة بحضور أعضاء الوفدين المصرى والمجرى، ثم على مأدبة غداء تواصل خلالها الحوار والمناقشات بين الزعيمين، ثم خلال حضورهما جلسة افتتاح منتدى الأعمال المصرى المجرى، ليستغرق اللقاء قرابة ست ساعات كاملة.
لايبدو أوربان مجاملا وينظرون إليه فى المجر كزعيم قوى صريح، وفى أوربا كزعيم مثير للجدل، ومع ذلك كال المديح للرئيس السيسى وقيادته لمصر إلى درجة أخجلت الرئيس، فقال له: «المرة القادمة أرجو أن أسبقك فى الحديث».
بدا السيسى أيضا معجبا بشخصية أوربان، ووصفها بأنها رائعة وساحرة، والرئيس كما تعلمون يقول ما يعنى ويشعر.
واضح أن الصراحة سمة تجمع السيسى وأوربان فما قالاه لبعضهما البعض فى جلسة المباحثات الثنائية والموسعة، أعلناه أمام الصحفيين فى المؤتمر الصحفى، وفى منتدى الأعمال.

لخص أوربان نظرة بلاده لمصر فى عبارة موجزة: «لا استقرار فى العالم العربى بدون مصر، ولا استقرار فى أوربا بدون مصر مستقرة»،
وقال: «إن المجر ستسهم فى عملية إعادة بناء الاقتصاد المصرى التى يقودها السيسى ونتمنى لمصر أن تنجح فى ثقافتها كبلد من العالم الاسلامى، ونحن فى المجر اصدقاء للإسلام الدين الذى نعتبره انجازا كبيرا للبشرية، ونتمنى أن تنجح فى معركتها لتحقيق التنمية،ولقد فتحنا اليوم ابوابا جديدة لتعاون فى علاقات اقتصادية عريقة، ونسعى لتعاون عسكرى نضع آلياته، وتعاون علمى وتعليمى وسوف نقدم مائة منحة للطلاب المصريين للدراسة فى المجر».
أما السيسى فقد عرض أوجه التعاون بين البلدين فى مجالات مختلفة منها السكك الحديدية ومعالجة وإدارة المياه، قائلاً إن تقارب الشخصيتين المصرية والمجرية يهيئ فرصاً واسعة للتعاون، موضحاً ماجرى فى مصر من إجراءات وتشريعات لتيسير الاستثمار . وقال السيسى لرجال الأعمال المجريين إننى مواطن مصرى أمد يدى لكل من يريد ان يساعد بلدى، ومكتبى مفتوح لكم.
الرئيس شرح رؤيته للعمل الجارى فى اعادة بناء الاقتصاد واقامة المشروعات الكبرى، قائلاً: اننا نريد الاتفاق بأقل تكلفة مادية، وفى أقصر زمن، فليس عندنا وقت نضيعه. إن أمامنا فترة من 3 إلى 4 سنوات لإضاءة أمل حقيقى لن يتحقق إلا بحجم ضخم من الاستثمارات.
وأضاف: «إن لدينا إرادة حقيقية لكى تقوم بلادنا وتنهض، وتأخذ مكانها الذى تستحق، وإن شاء الله ستنهض وسوف ترون».

على صعيد الوضع الدولى والتطورات بالشرق الأوسط.. كانت رؤية الزعيمين متفقة بل - على حد قول السيسى- متطابقة فى غالبية القضايا.
أوربان حرص - كما قال - على أن يستمع إلى تقييم الرئيس السيسى للوضع فى الشرق الأوسط. وبنص كلماته: تحدثنا عن مستقبل العالم العربى.. عن داعش.. عما تفعله أوربا.. هل هى جزء من الحل أم سبب المشكلة؟!.. هل كان الطريق إلى جهنم محفوفاً بنوايا حسنة أم لا؟!
السيسى شرح بالتفصيل رؤيته لمجريات الأمور فى سوريا وليبيا والعراق، وحرب مصر ضد الارهاب. وأكد له أوربان دعم المجر لمصر فى سعيها للسلام والاستقرار، واستمرار دعمها لها داخل الاتحاد الأوربى.

قبيل المؤتمر الصحفى.. شهد السيسى وأوربان توقيع مذكرة تفاهم بين البلدين فى المجال الأمنى، واتفاقية لتوريد 700 عربة قطار إلى مصر بتمويل من بنك اكزام المجرى. ثم وقع الزعيمان على بيان مشترك يلخص نتائج المباحثات ويضع اطاراً اوسع للتشاور السياسى والتعاون الاقتصادى بين مصر والمجر.
وإسراعاً بفتح مجالات التعاون.. اتفق السيسى وأوربان على عقد اجتماع للجنة المشتركة بين البلدين فى بودابست الأسبوع المقبل لمناقشة تفاصيل اتفاقات اخرى للتعاون فى مجالات متعددة. واتفقا ايضا على التواصل وتبادل الزيارات.
نتائج المباحثات كانت ناجحة للغاية، وهو مابدا فى كلمات السيسى وأوربان، وماعبر عنه أعضاء الوفد الرسمى المرافق للرئيس الذى ضم سامح شكرى وزير الخارجية، د. محمد شاكر وزير الكهرباء، د. أشرف سالمان وزير الاستثمار، اللواء مصطفى شريف رئيس الديوان، اللواء عباس كامل مدير مكتب الرئيس، السفير علاء يوسف المتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية.
كانت النتائج تفوق المتوقع، وكانت الحفاوة بالغة، فقد نال السيسى الدكتوراة الفخرية من الجامعة الوطنية للخدمة العامة، وهى المرة الأولى التى تمنح فيها هذه الجامعة ذلك التكريم لرئيس دولة منذ تأسيسها قبل 103 سنوات مضت.

على أن أهم ماقاله أوربان، هو نصيحته، التى لم يشأ أن يعتبرها نصيحة، لأنها تأتى ممن هو أصغر سناً ومن هو أدنى درجة - على حد قوله - ومن دولة صغيرة بالقياس لمصر، لايتعدى سكانها نصف سكان القاهرة - على حد قوله أيضاً -.
قال أوربان: «لقد حصلنا على نصائح كثيرة من خارجنا ومن جهات مرموقة، ولو اتبعناها لما حدث نمو وماتحسن اقتصادنا.
ولو لم نبحث عن طريقنا بأنفسنا لما حققنا شيئاً. وإننى أثق أن مصر لها مستقبل باهر إذا مضت على طريقها الذى اختارته لنفسها، وأعدكم أنكم ستجدون فى المجريين شركاء حقيقيين.
.. يغادر الرئيس السيسى «بودابست» اليوم بعد زيارة النصب التذكارى لأبطال المجر التاريخيين، مختتماً جولة ناجحة، نجح فيها مع المستشارة الألمانية انجيلا ميركل التى كانت أكثر من لم يتفهما ثورة 30 يونيو، فى تدشين صفحة جديدة فى علاقة استراتيجية تحترم الخلاف فى الرأى، ونجح أيضاً مع الزعيم المجرى فيكتور أوربان أول من أدرك حقيقة الثورة واحترم ارادة الشعب المصرى، فى فتح أبواب جديدة لتعاون واسع بين بلدين صديقين.
فى ميدان «كوشوت» زعيم ثوار المجر ضد حكم «آل هابسبورغ» النمساويين فى منتصف القرن التاسع عشر، جرت مراسم استقبال للرئيس عبدالفتاح السيسى قلما تحدث لرئيس دولة يزور المجر، وسط حضور لافت خلف الحواجز من جانب مجريين وسياح ومصريين مقيمين فى المجر، تجمعوا أمام قصر «أورساك هاز»، التحفة التاريخية التى أنشئت منذ 140 عاما، وتعد أحد أبرز معالم العاصمة «بودابست».
عزفت الموسيقات العسكرية المجرية مارش «راكوتى» وهو زعيم آخر قاد انتفاضة ضد «آل هابسبورغ» فى مطلع القرن الثامن عشر، ترحيبا بوصول الرئيس السيسى إلى ساحة القصر.
وبين تمثالى «كوشوت» و «راكوتى»، اصطف حرس الشرف مصحوبا بالخيالة، واستعرض السيسى ومضيفه رئيس الوزراء المجرى فيكتور أوربان الحرس، بينما عزفت الموسيقات العسكرية جزءا من مقطوعة «الدانوب الأزرق» التى أبدعها الموسيقار النمساوى يوهان شتراوس منذ 150 عاما مضت، تخليدا لنهر الدانوب أطول أنهار أوربا الذى يخترق فيينا وبودابست ومدناً أخرى فى عشر دول أوربية.
نهر الدانوب الذى يطل عليه قصر «أورساك هاز» وهو مقر الحكومة والبرلمان، يفصل شطرى العاصمة بودابست، فتقع «بودا» وهى المدينة الأقدم والأغنى على ضفته الغربية، بينما تقع «بست» وتنطق (بشت) على ضفته الشرقية وهى المدينة الأحدث، وبها يوجد قصر «أورساك» ، وظلت «بودا» و «بست» مدينتين منفصلتين، حتى توحدتا عام 1873 بعد خمس سنوات من تأسيس الإمبراطورية النمساوية المجرية، وأصبحت المدينة الموحدة تجمع اسمى شطريها «بودابست».

استقبال السيسى الرسمى الحافل فى زيارته للمجر، وهى «زيارة دولة» تعد الأرفع شأنا فى زيارات رؤساء الدول، فسره أوربان رئيس وزراء المجر، فى المؤتمر الصحفى الذى عقده والسيسى عقب مباحثات القمة التى جمعت بينهما أمس، بأنه تعبير عن شعور المجر بالشرف العظيم لزيارة رئيس مميز لبلد مميز هو مصر، مهد الحضارة الإنسانية، التى نحترم تاريخها ونحترم حاضرها ونحترم قائدها.
فيكتور أوربان رئيس وزراء المجر، هو أبرز الشخصيات فى التاريخ السياسى المجرى المعاصر. حينما كان فى الخامسة والعشرين من عمره أسس هذا المحامى الشاب حزب «الديمقراطيين الشبان» بعد تفكك الكتلة الشرقية وانهيار الحكم الشيوعى عام 1990، وبعدها بثمانى سنوات فاز حزبه بالأغلبية وأصبح رئيسا لوزراء المجر وعمره لم يتعد الثالثة والثلاثين، وبعد 4 سنوات، خسر الانتخابات وظل زعيما للمعارضة ثمانى سنوات فى ظل حكم الحزب الاشتراكى، ثم اكتسح انتخابات البرلمان عام 2010، وتسلم البلاد وهى على شفا انهيار اقتصادى، وفى غضون 4 سنوات، حقق معجزة لبلاده التى أصبحت الأعلى فى معدلات النمو فى الاتحاد الأوربى، ورغم الحملات الأوربية ضد أوربان نتيجة سياسته فى التقارب مع روسيا، استطاع أوربان أن يفوز مرة أخرى فى الانتخابات العام الماضى وأن يحتفظ بمنصبه كرئيس للوزراء بفضل الانجازات الاقتصادية الكبرى التى حققها.

على البعد.. هناك تقدير شخصى يكنه السيسى لأوربان، الذى كان أول زعيم أوربى يعترف بثورة 30 يونيو وبيان 3 يوليو فى مصر، وهناك تقدير شخصى مماثل يكنه أوربان للسيسى، الذى أنقذ بلاده من مصير كان يتهددها وتحمل المسئولية واتخذ أصعب القرارات لتحقيق الاستقرار لبلاده.. وهذه كلمات أوربان التى ألقاها على مسامع رجال الأعمال المصريين والمجريين فى المنتدى الذى عقد عصر أمس بمشاركته والرئيس المصرى.
قال أوربان أيضا أمام المنتدى: فكروا ماذا كان سيحصل لو لم يأت السيسى من بعد مرسى؟!.. ماذا لو لم يكن هناك جيش فى مصر؟! ... ماذا لو لم يكن هناك رئيس شجاع؟!.. ماذا لو عمت الفوضى العالم العربى، وكيف سيصير حينئذ حال أوربا؟! .. وأضاف أوربان ان عبارة «ماذا لو» لانتعامل بها فى السياسة، لكن تلك الأسئلة تحتم علينا التفكير ثم تقييم ماجرى.

«الكيمياء» أعملت تفاعلاتها، بين السيسى وأوربان منذ اللحظة الأولى للقائهما فى الساعة العاشرة من صباح أمس، والذى امتد فى جلسة مباحثات ثنائية، ثم جلسة موسعة بحضور أعضاء الوفدين المصرى والمجرى، ثم على مأدبة غداء تواصل خلالها الحوار والمناقشات بين الزعيمين، ثم خلال حضورهما جلسة افتتاح منتدى الأعمال المصرى المجرى، ليستغرق اللقاء قرابة ست ساعات كاملة.
لايبدو أوربان مجاملا وينظرون إليه فى المجر كزعيم قوى صريح، وفى أوربا كزعيم مثير للجدل، ومع ذلك كال المديح للرئيس السيسى وقيادته لمصر إلى درجة أخجلت الرئيس، فقال له: «المرة القادمة أرجو أن أسبقك فى الحديث».
بدا السيسى أيضا معجبا بشخصية أوربان، ووصفها بأنها رائعة وساحرة، والرئيس كما تعلمون يقول ما يعنى ويشعر.
واضح أن الصراحة سمة تجمع السيسى وأوربان فما قالاه لبعضهما البعض فى جلسة المباحثات الثنائية والموسعة، أعلناه أمام الصحفيين فى المؤتمر الصحفى، وفى منتدى الأعمال.

لخص أوربان نظرة بلاده لمصر فى عبارة موجزة: «لا استقرار فى العالم العربى بدون مصر، ولا استقرار فى أوربا بدون مصر مستقرة»،
وقال: «إن المجر ستسهم فى عملية إعادة بناء الاقتصاد المصرى التى يقودها السيسى ونتمنى لمصر أن تنجح فى ثقافتها كبلد من العالم الاسلامى، ونحن فى المجر اصدقاء للإسلام الدين الذى نعتبره انجازا كبيرا للبشرية، ونتمنى أن تنجح فى معركتها لتحقيق التنمية،ولقد فتحنا اليوم ابوابا جديدة لتعاون فى علاقات اقتصادية عريقة، ونسعى لتعاون عسكرى نضع آلياته، وتعاون علمى وتعليمى وسوف نقدم مائة منحة للطلاب المصريين للدراسة فى المجر».
أما السيسى فقد عرض أوجه التعاون بين البلدين فى مجالات مختلفة منها السكك الحديدية ومعالجة وإدارة المياه، قائلاً إن تقارب الشخصيتين المصرية والمجرية يهيئ فرصاً واسعة للتعاون، موضحاً ماجرى فى مصر من إجراءات وتشريعات لتيسير الاستثمار . وقال السيسى لرجال الأعمال المجريين إننى مواطن مصرى أمد يدى لكل من يريد ان يساعد بلدى، ومكتبى مفتوح لكم.
الرئيس شرح رؤيته للعمل الجارى فى اعادة بناء الاقتصاد واقامة المشروعات الكبرى، قائلاً: اننا نريد الاتفاق بأقل تكلفة مادية، وفى أقصر زمن، فليس عندنا وقت نضيعه. إن أمامنا فترة من 3 إلى 4 سنوات لإضاءة أمل حقيقى لن يتحقق إلا بحجم ضخم من الاستثمارات.
وأضاف: «إن لدينا إرادة حقيقية لكى تقوم بلادنا وتنهض، وتأخذ مكانها الذى تستحق، وإن شاء الله ستنهض وسوف ترون».

على صعيد الوضع الدولى والتطورات بالشرق الأوسط.. كانت رؤية الزعيمين متفقة بل - على حد قول السيسى- متطابقة فى غالبية القضايا.
أوربان حرص - كما قال - على أن يستمع إلى تقييم الرئيس السيسى للوضع فى الشرق الأوسط. وبنص كلماته: تحدثنا عن مستقبل العالم العربى.. عن داعش.. عما تفعله أوربا.. هل هى جزء من الحل أم سبب المشكلة؟!.. هل كان الطريق إلى جهنم محفوفاً بنوايا حسنة أم لا؟!
السيسى شرح بالتفصيل رؤيته لمجريات الأمور فى سوريا وليبيا والعراق، وحرب مصر ضد الارهاب. وأكد له أوربان دعم المجر لمصر فى سعيها للسلام والاستقرار، واستمرار دعمها لها داخل الاتحاد الأوربى.

قبيل المؤتمر الصحفى.. شهد السيسى وأوربان توقيع مذكرة تفاهم بين البلدين فى المجال الأمنى، واتفاقية لتوريد 700 عربة قطار إلى مصر بتمويل من بنك اكزام المجرى. ثم وقع الزعيمان على بيان مشترك يلخص نتائج المباحثات ويضع اطاراً اوسع للتشاور السياسى والتعاون الاقتصادى بين مصر والمجر.
وإسراعاً بفتح مجالات التعاون.. اتفق السيسى وأوربان على عقد اجتماع للجنة المشتركة بين البلدين فى بودابست الأسبوع المقبل لمناقشة تفاصيل اتفاقات اخرى للتعاون فى مجالات متعددة. واتفقا ايضا على التواصل وتبادل الزيارات.
نتائج المباحثات كانت ناجحة للغاية، وهو مابدا فى كلمات السيسى وأوربان، وماعبر عنه أعضاء الوفد الرسمى المرافق للرئيس الذى ضم سامح شكرى وزير الخارجية، د. محمد شاكر وزير الكهرباء، د. أشرف سالمان وزير الاستثمار، اللواء مصطفى شريف رئيس الديوان، اللواء عباس كامل مدير مكتب الرئيس، السفير علاء يوسف المتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية.
كانت النتائج تفوق المتوقع، وكانت الحفاوة بالغة، فقد نال السيسى الدكتوراة الفخرية من الجامعة الوطنية للخدمة العامة، وهى المرة الأولى التى تمنح فيها هذه الجامعة ذلك التكريم لرئيس دولة منذ تأسيسها قبل 103 سنوات مضت.

على أن أهم ماقاله أوربان، هو نصيحته، التى لم يشأ أن يعتبرها نصيحة، لأنها تأتى ممن هو أصغر سناً ومن هو أدنى درجة - على حد قوله - ومن دولة صغيرة بالقياس لمصر، لايتعدى سكانها نصف سكان القاهرة - على حد قوله أيضاً -.
قال أوربان: «لقد حصلنا على نصائح كثيرة من خارجنا ومن جهات مرموقة، ولو اتبعناها لما حدث نمو وماتحسن اقتصادنا.
ولو لم نبحث عن طريقنا بأنفسنا لما حققنا شيئاً. وإننى أثق أن مصر لها مستقبل باهر إذا مضت على طريقها الذى اختارته لنفسها، وأعدكم أنكم ستجدون فى المجريين شركاء حقيقيين.
.. يغادر الرئيس السيسى «بودابست» اليوم بعد زيارة النصب التذكارى لأبطال المجر التاريخيين، مختتماً جولة ناجحة، نجح فيها مع المستشارة الألمانية انجيلا ميركل التى كانت أكثر من لم يتفهما ثورة 30 يونيو، فى تدشين صفحة جديدة فى علاقة استراتيجية تحترم الخلاف فى الرأى، ونجح أيضاً مع الزعيم المجرى فيكتور أوربان أول من أدرك حقيقة الثورة واحترم ارادة الشعب المصرى، فى فتح أبواب جديدة لتعاون واسع بين بلدين صديقين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.