الاستعلام عن نتيجة التظلمات وترتيب قوائم الانتظار ل 330 مهندسًا بوزارة الري    وزارة «التخطيط» تطلق برنامجًا تدريبيًا مُكثفًا حول منهجية «البرامج والأداء»    اتفاق ثلاثي لإستيراد دواجن مجمدة وطرحها بالمنافذ قبل شهر رمضان    وزير الزراعة: مصر الأولى عالميًا في إنتاج التمور بإنتاج سنوى يصل إلى 2 مليون طن    النائب حازم الجندي يتقدم باقتراح برغبة لإنشاء صندوق معاش للمصريين بالخارج    بمشاركة 35 شركة ومصنعا.. انطلاق الملتقى التوظيفي لشباب الخريجين في قنا    "الصحفيين الفلسطينيين": انتهاكات إسرائيل مستمرة بغزة رغم تعهد "ترامب" بعدم إطلاق رصاصة واحدة    مصر تسيطر على جوائز الاتحاد الدولي للخماسي الحديث وتحصد 6 جوائز عالمية في 2025    معتمد جمال يعلن تشكيل الزمالك لمواجهة زيسكو    حافلة الزمالك تصل ستاد ليفي مواناواسا استعدادًا لزيسكو    ضبط تشكيل عصابي شديد الخطورة بحوزته 3 أطنان مخدرات بقيمة 230 مليون جنيه    إحالة سائق أتوبيس للمحاكمة الجنائية بتهمة القتل الخطأ في البدرشين    الأرصاد تحذر: سحب عالية ورياح مثيرة للأتربة تخفّض الرؤية في القاهرة اليوم    السيطرة على حريق محدود داخل كرفان بمطار القاهرة دون خسائر أو إصابات    فرقة الفنون الشعبية التونسية وكازينا من كازاخستان تقدمان عروضهما بمهرجان أسوان الدولي للثقافة والفنون    مفتي الجمهورية يفتتح دورة التعريف بالقضية الفلسطينية ويؤكد: ليست ملفًا سياسيًّا بل قضية حق    جائزة نيلسون مانديلا لتعزيز الصحة: تكريم عالمي للإنجازات الاستثنائية في الصحة العامة    رياضة الوادى الجديد: بدء فعاليات اختبارات الموسم الرابع من برنامج كابيتانو مصر    تدوير المخلفات الإلكترونية.. حملة توعوية بتجارة عين شمس    الثالث منذ الصباح.. شهيد برصاص الاحتلال شرق دير البلح    أوكرانيا تفرض عقوبات على موردين أجانب لمكونات صواريخ روسية    مدير تعليم الإسكندرية يشيد بانتظام الطلاب في بداية الفصل الدراسي الثاني    رئيس زراعة الشيوخ: القطاع الزراعي يساهم في الناتج المحلي ب15% بقيمة قدرها 105 مليارات جنيه    النائب أمير الجزار يتقدم بطلب إحاطة بشأن ضعف شبكات الهاتف المحمول وخدمات الإنترنت في القرى والريف    الأوقاف: المصريون ينفقون أكثر من 10 مليارات جنيه سنويا على الدجل والشعوذة    محاضرة فنية أخيرة للاعبي الزمالك قبل التوجه إلى ملعب مباراة زيسكو    هيئة الدواء تحذر: حقن التخسيس أدوية وصفية لا يجوز استخدامها إلا بعد استشارة طبية متخصصة    محمود فوزي: الحكومة حريصة على التعاون مع النواب لمنع الاصطياد بالمياه العكرة    وزير «النقل» يتفقد الخط الأول من شبكة القطار الكهربائي السريع    تأجيل استئناف المتهم بقتل مالك مقهى أسوان بالكوربة على حكم إعدامه ل17 فبراير    التحقيق في واقعة إحراق طفلة بالمرج بعد تكبيلها على يد والدها وزوجته الثانية    النيابة تأمر بعرض السيدة المعتدي عليها من ابنتها بالشرقية على الطب الشرعي    انطلاق الانتخابات البرلمانية في تايلاند وسط رهانات على الإقبال الشعبي    ليوناردو ومارتا عواصف تضرب أوروبا.. إعلان طوارئ وإجلاء الآلاف..فيديو    رابطة الأندية: لا للذكاء الاصطناعى فى قرعة الدورى وستكون علنية وبحضور الأندية    طفل يتيم يتحول إلى بطل حلبة.. أحمد العوضي يغير جلده فى «علي كلاي» برمضان 2026    تفاصيل رحلة شتوية 48 ساعة قضتها تيفانى ترامب وزوجها بين معابد الأقصر.. صور    قصائد تروي سيرة الحنين فى مهرجان الشارقة للشعر النبطي    أكرم القصاص: مصر ترفض التهجير وتتمسك بحل الدولتين وتكلفة إعادة إعمار غزة باهظة    صدامات مع الشرطة وغاز مسيل للدموع فى احتجاجات ميلانو بسبب الأولمبياد.. فيديو    نظر الطعن بتنفيذ حكم الإدارية العليا بشأن العلاوات الخاصة لأصحاب المعاشات| 5 مارس    الصحة: التبرع بالجلد بعد الوفاة لا يسبب تشوهات.. وإصابات الحروق بين الأطفال بمصر مرتفعة    تحذير علمي: الجدري القاتل قد يشعل جائحة جديدة عبر فيروسات مشابهة    رئيس الحسين إربد: عرض بيراميدز أقل بقليل من الأهلي لضم فاخوري    الوفد لن يكون ديكورًا سياسيًا.. وسنستعيده من أحضان «الشللية»    الصحة: الدولة لم تشهد أي حالة تبرع أو نقل عضو والإشكالية هي "القبول المجتمعي"    السويد تحظر أغنية مولدة آليًا.. رغم نجاحها    نيويورك تايمز: إيران تعيد بناء منشآتها الصاروخية بوتيرة متسارعة مقابل تعثر إصلاح المواقع النووية    الأوقاف: لا صحة لمنع إذاعة الفجر والمغرب والتراويح بمكبرات الصوت في رمضان 2026    نظر محاكمة 6 متهمين بخلية داعش المعادي.. اليوم    مصر تدين الهجمات على قوافل المساعدات الإنسانية والمنشآت الطبية والنازحين في السودان    أستاذ أمراض جلدية: صلاحية الأنسجة من 6 ل 12 ساعة.. ونقلها يتطلب هليكوبتر ومهابط بالمستشفيات    وفد أزهري يخطب الجمعة في ثلاثة مراكز بإيطاليا ويعقد لقاءات علمية مع الجاليات العربية في ميلانو    بمشاركة مصطفى محمد.. نانت يواصل نزيف النقاط بهزيمة أمام ليون في الدوري الفرنسي    هل يجوز تأخير الدورة الشهرية بالأدوية لصيام رمضان كاملًا؟.. أمينة الفتوى تجيب    أزمة الأخلاق وخطر التدين الشكلى!    بعد مقترح برلماني.. عالم أزهري يضع 7 ضوابط شرعية للتبرع بالجلد بعد الوفاة    أول تحرك برلماني بشأن ضوابط استخدام مكبرات الصوت بالمساجد في شهر رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مع السيسى.. على شط القنال!
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 05 - 08 - 2014


سامحك الله يا سيادة الرئيس!
لقد آثرت ذكريات دفينة، وحررت دموعاً حبيسة، وأيقظت أحلاماً وئيدة، حان الوقت لتتحقق على يديك.
.. أقف على شاطئ القنال، فى نادى هيئة قناة السويس بمدينتى الإسماعيلية، منتظرا وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي، إلى قاعة الاحتفال ليعلن إطلاق مشروع محور قناة السويس.
إلى يمينى موقع استشهاد سيد شهداء الجيش المصرى الفريق عبدالمنعم رياض، وإلى يسارى موقع المعدية رقم (6) التى عبر بها رجال الفرقة الثانية المشاة إلى الشاطئ الشرقى على هدير المدافع.
ثمة نسمة، تلطف الوجوه، فى هذا الصباح الصيفى الحار، معبأة برائحة ياسمين آتية من حدائق حى النخيل القريب، تنعش الفؤاد، ويستدعى ذكرى أيام بعيدة، حين كان القلب أخضر، وكانت الأحلام مجنحة عصية على الاصطياد!
أمد بصرى عبر القناة إلى رمال الشاطئ الآخر فى سيناء. هذه الرمال أعرفها وتعرفني. بعض منها عبأته فى زجاجة، حين عبرت على المعدية إلى سيناء، فى أول يوم عدت إلى مدينتى بعد دحر الهزيمة.
كان ذلك منذ 40 عاماً، أذكر جيداً التاريخ، يوم الثلاثين من يونيو عام 1974.
لكننى لا أذكر أين وضعت زجاجة الرمال. تاهت مع ما تاه منى فى زحام الأيام وتقلبات السنين. وددت للحظة لو بقيت معى لأهديها لابنى الأكبر. غير أننى أعرف أنه ليس بحاجة إليها. هو لا يحتاج ولا أبناء جيله إلى ذكرى من سيناء. فأرض سيناء أبداً لن تكون عندهم ذكري.
أخرج من ذكريات الحنين لأيام الصبا عند شاطئ القنال، على أصوات الموسيقات العسكرية تعلن قرب وصول الرئيس.
يدخل السيسى إلى قاعة الاحتفال المزدحمة بالحاضرين من مسئولين وأدباء وفنانين وإعلاميين ورياضيين وشباب وممثلين لكل فئات الشعب وأقاليم مصر.
نشاهد فيلما تسجيليا عن تاريخ قناة السويس، ثم يتحدث الفريق مهاب مميش رئيس هيئة القناة عن مشروعى تنمية المنطقة، وإنشاء قناة السويس الثانية.
نستمع إلى الفريق مميش يشرح كيف يحول مشروع محور قناة السويس المنطقة إلى مركز صناعى وتجارى ولوجيستى عالمي، يزيد الدخل القومى ويوفر مليون فرصة عمل من خلال إنشاء مصانع ومراكز تخزين للبضائع وواد للتكنولوجيا، بالاستفادة من وجود 5 موانئ فى الإقليم هى شرق وغرب بورسعيد والعريش، والادبية والسخنة، والمنطقة الصناعية شمال غرب خليج السويس، المشروع ستبدأ خطوات تنفيذه بعد إعلان نتيجة اختيار تحالف الشركات الفائز بوضع المخطط العام للمشروع، فى منتصف أغسطس الحالي.
ثم يتحدث الفريق مميش بالتفصيل عن مشروع »القناة الثانية«، هى قناة جديدة موازية للمجرى الملاحى الحالى بطول 72 كيلو متراً، منها 35 كيلو متراً سيتم شقها فى المنطقة بين تفريعة البلاح والدفرسوار، و37 كيلو متراً سيتم اقامتها كمجرى ملاحى داخل البحيرات المرة الكبري. هدف هذا المشروع العملاق تقليل زمن رحلة السفينة العابرة للقناة من 18 ساعة إلى 10 ساعات، وبالتالى زيادة عدد السفن المارة يوميا من 49 سفينة إلى 97 سفينة، ومن ثم رفع إيرادات القناة بنسبة 259٪. تكلفة القناة الجديدة فى حدود 29 مليار جنيه، وسيستتبعها انشاء 6 أنفاق فى بورسعيد والاسماعيلية مناصفة، منها نفقان للسكك الحديدية و4 أنفاق للسيارات والتكلفة 28 مليار جنيه. التمويل سيتم بالاكتتاب الشعبى وأيضا عن طريق رجال الأعمال والمستثمرين المصريين والأجانب والبنوك المصرية والأجنبية ومساهمات الدول الشقيقة، بجانب التمويل الحكومي. وستتولى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة أعمال الحفر الجاف للقناة بالاستعانة بالشركات الوطنية.
أمام الرئيس يقول الفريق مهاب مميش: إن حفر القناة الثانية يستغرق فى العادة 5 سنوات لكن رجال هيئة القناة تعهدوا بتنفيذه فى غضون 3 سنوات.
يضحك الحاضرون لأنهم يعرفون الرئيس!
يقاطعه الرئيس قائلا: سنة واحدة.
ويرد مميش: تمام التنفيذ!
ثم يسأل الرئيس عن رئيس الهيئة الهندسية ورئيس أركانها. ويخاطب اللواء كامل الوزير رئيس أركان الهيئة مؤكداً على مواصلة العمل ليل نهار ليتم افتتاح القناة الجديدة بعد 12 شهراً من الآن أو قبل ذلك.
يتحدث الرئيس للحاضرين وللشعب عبر كاميرات التليفزيون. يركز على مسألة طرح أسهم وسندات مشروع القناة الجديدة للمواطنين ولطلاب الجامعات.
يقول: «لقد احتفظنا بالقناة من عام 1956، وما حدش قدر ياخدها، وما حدش - بإذن الله - هيقدر».
مجدداً.. يؤكد الرئيس تمسكه بأن تصل حصيلة صندوق تحيا مصر إلى مائة مليار جنيه، ويقول: «حب الوطن مش كلام، وحتدفعوا.. حتدفعوا»، ويضيف قائلا: «أنا صريح معكم مصر لن تقوم إلا بأبنائها».
يبدد الرئيس مخاوف البعض أو قلقهم من مجريات الأمور فى المنطقة ومن حولنا، ويقول: «لن نسمح لأحد بهدم مصر واحنا موجودين»، ثم يضيف: «لازم نكون منتبهين، لكن متقلقوش بشرط نكون على قلب رجل واحد». ويشير إلى ممارسات جماعة الإخوان قائلا: «حنقبل وجود مجموعة تختلف معانا.. حنقبل تعيش وسطنا لكن من غير ما تؤذينا وتؤذى بلدنا».
ينتهى العرض فى القاعة.. يخرج الرئيس مبتسماً، الكل يلتف حوله، فى طريقه إلى مرسى نادى الشاطئ، ليستقل لنشاً إلى شرق الفردان، حيث يقام احتفال تدشين مشروع القناة الثانية.
يسبق الحاضرون الرئيس إلى قاطرات هيئة القناة، وتسير قافلة القطع البحرية على دوى الصفارات التى اطلقتها السفن العابرة للقناة، فى مظاهرة بحرية. وتحلق فوق رؤوسنا أسراب المقاتلات متعددة المهام (إف - 16) المصرية، بينما يؤدى فريق الألعاب الجوية عرضاً رائعاً فى سماء القناة.
حاولت حبس دموعى، لكننى رأيت من حولى دموعاً على وجوه تبتسم، وتداعت إلى ذهنى مشاهد من الطفولة فى سنوات الاستنزاف، وأتذكر صفارات الإنذار تنعق، بشؤم غارات العدو، وأستعيد صيحات: «طفو النور». وأصوات عواء طائرات العدو فى السماء تتلوها أصداء انفجارات تتردد، بينما أنا وأسرتى والجيران نهرول إلى المخابئ.
أنظر إلي السماء، وبجوارى اللواء طارق قائد المنطقة الجوية الشرقية يقف على سطح القاطرة يخاطب طياريه بجهاز اللاسلكي، وأشعر بفخر يبدد ذكريات طفولة ما قبل نصر أكتوبر.
أرنو إلى الشاطئ الشرقى للقناة، الرمال مفروشة بأعلام مصر، وعلى التلال يقف الرجال أسوداً تزأر بغير صوت.
أطل إلى مياه القناة بلونها الفيروزى الداكن. ها هنا مات 120 ألف مصرى منذ أكثر من 150 عاماً أثناء حفر القناة، فامتلأت بدمائهم، قبل أن تلتقى فيها مياه البحرين الأبيض والاحمر. ها هنا استشهد أبطال فى حروب مصر، آخرها فى معركة العبور الأولى عام 1973.
لن يكون هناك مزيد من الدماء، ففى العبور الثانى سيرتوى مشروع المحور والقناة الثانية بالعرق، والعرق وحده.
نصل إلى موقع الفردان.. المكان يعج بآلات ولوادر وبولدوزرات تستعد للعمل، يلتئم الحضور فى خيمة واسعة، يستمعون ومعهم الرئيس إلى شرح من رئيس أركان الهيئة الهندسية عن موقع القناة الثانية والأعمال المنتظرة لشقها، ويقول: «إن شاء الله السنة القادمة ستكون القناة محفورة، والسفن تبحر فيها».
يوقع الرئيس السيسى أمر الحفر باسم الله والشعب، ويسلمه لرئيس هيئة القناة، ثم يصطحب عدداً من الشباب والأطفال ليضغط على الزر ونسمع أصوات تسعة انفجارات تعلن بدء شق القناة، ويذهب الرئيس ومعه شباب وأطفال يحملون المعاول فى إشارة واضحة المغزي.
تبدو السعادة فى عينى الرئيس، تكاد تقفز من نظراته، والبهجة تملأ قلوب المجتمع.
وأشاهد المهندس حسام المساح الأمين العام لمجلس ذوى الإعاقة يبكى وهو يقول: «لقد أصر الرئيس على استدعائى لأشاركه الضغط على الزر لبدء شق القناة.. رئيس الجمهورية لم ينس ذوى الإعاقة فى هذه اللحظة، الآن فقط أقول إن مصر قد تغيرت».
وأجد بجانبى المهندس عبدالحكيم عبدالناصر نجل الزعيم الخالد جمال، نتعانق، وأجده يقول: لا أذكر يوماً عظيماً كهذا، منذ يوم تحويل مجرى النيل لإنشاء السد العالي.
يختتم الرئيس السيسى الاحتفالية الرائعة بكلمة قصيرة ينهيها قائلا: «حنشيل بلدنا على أكتافنا، ومش حنسيبها، ومش حنضيعها، ولا حنخلى حد يقدر يضيعها».
والله يا سيادة الرئيس لن نضيعها ولن نخذلك
سامحك الله يا سيادة الرئيس!
لقد آثرت ذكريات دفينة، وحررت دموعاً حبيسة، وأيقظت أحلاماً وئيدة، حان الوقت لتتحقق على يديك.
.. أقف على شاطئ القنال، فى نادى هيئة قناة السويس بمدينتى الإسماعيلية، منتظرا وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي، إلى قاعة الاحتفال ليعلن إطلاق مشروع محور قناة السويس.
إلى يمينى موقع استشهاد سيد شهداء الجيش المصرى الفريق عبدالمنعم رياض، وإلى يسارى موقع المعدية رقم (6) التى عبر بها رجال الفرقة الثانية المشاة إلى الشاطئ الشرقى على هدير المدافع.
ثمة نسمة، تلطف الوجوه، فى هذا الصباح الصيفى الحار، معبأة برائحة ياسمين آتية من حدائق حى النخيل القريب، تنعش الفؤاد، ويستدعى ذكرى أيام بعيدة، حين كان القلب أخضر، وكانت الأحلام مجنحة عصية على الاصطياد!
أمد بصرى عبر القناة إلى رمال الشاطئ الآخر فى سيناء. هذه الرمال أعرفها وتعرفني. بعض منها عبأته فى زجاجة، حين عبرت على المعدية إلى سيناء، فى أول يوم عدت إلى مدينتى بعد دحر الهزيمة.
كان ذلك منذ 40 عاماً، أذكر جيداً التاريخ، يوم الثلاثين من يونيو عام 1974.
لكننى لا أذكر أين وضعت زجاجة الرمال. تاهت مع ما تاه منى فى زحام الأيام وتقلبات السنين. وددت للحظة لو بقيت معى لأهديها لابنى الأكبر. غير أننى أعرف أنه ليس بحاجة إليها. هو لا يحتاج ولا أبناء جيله إلى ذكرى من سيناء. فأرض سيناء أبداً لن تكون عندهم ذكري.
أخرج من ذكريات الحنين لأيام الصبا عند شاطئ القنال، على أصوات الموسيقات العسكرية تعلن قرب وصول الرئيس.
يدخل السيسى إلى قاعة الاحتفال المزدحمة بالحاضرين من مسئولين وأدباء وفنانين وإعلاميين ورياضيين وشباب وممثلين لكل فئات الشعب وأقاليم مصر.
نشاهد فيلما تسجيليا عن تاريخ قناة السويس، ثم يتحدث الفريق مهاب مميش رئيس هيئة القناة عن مشروعى تنمية المنطقة، وإنشاء قناة السويس الثانية.
نستمع إلى الفريق مميش يشرح كيف يحول مشروع محور قناة السويس المنطقة إلى مركز صناعى وتجارى ولوجيستى عالمي، يزيد الدخل القومى ويوفر مليون فرصة عمل من خلال إنشاء مصانع ومراكز تخزين للبضائع وواد للتكنولوجيا، بالاستفادة من وجود 5 موانئ فى الإقليم هى شرق وغرب بورسعيد والعريش، والادبية والسخنة، والمنطقة الصناعية شمال غرب خليج السويس، المشروع ستبدأ خطوات تنفيذه بعد إعلان نتيجة اختيار تحالف الشركات الفائز بوضع المخطط العام للمشروع، فى منتصف أغسطس الحالي.
ثم يتحدث الفريق مميش بالتفصيل عن مشروع »القناة الثانية«، هى قناة جديدة موازية للمجرى الملاحى الحالى بطول 72 كيلو متراً، منها 35 كيلو متراً سيتم شقها فى المنطقة بين تفريعة البلاح والدفرسوار، و37 كيلو متراً سيتم اقامتها كمجرى ملاحى داخل البحيرات المرة الكبري. هدف هذا المشروع العملاق تقليل زمن رحلة السفينة العابرة للقناة من 18 ساعة إلى 10 ساعات، وبالتالى زيادة عدد السفن المارة يوميا من 49 سفينة إلى 97 سفينة، ومن ثم رفع إيرادات القناة بنسبة 259٪. تكلفة القناة الجديدة فى حدود 29 مليار جنيه، وسيستتبعها انشاء 6 أنفاق فى بورسعيد والاسماعيلية مناصفة، منها نفقان للسكك الحديدية و4 أنفاق للسيارات والتكلفة 28 مليار جنيه. التمويل سيتم بالاكتتاب الشعبى وأيضا عن طريق رجال الأعمال والمستثمرين المصريين والأجانب والبنوك المصرية والأجنبية ومساهمات الدول الشقيقة، بجانب التمويل الحكومي. وستتولى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة أعمال الحفر الجاف للقناة بالاستعانة بالشركات الوطنية.
أمام الرئيس يقول الفريق مهاب مميش: إن حفر القناة الثانية يستغرق فى العادة 5 سنوات لكن رجال هيئة القناة تعهدوا بتنفيذه فى غضون 3 سنوات.
يضحك الحاضرون لأنهم يعرفون الرئيس!
يقاطعه الرئيس قائلا: سنة واحدة.
ويرد مميش: تمام التنفيذ!
ثم يسأل الرئيس عن رئيس الهيئة الهندسية ورئيس أركانها. ويخاطب اللواء كامل الوزير رئيس أركان الهيئة مؤكداً على مواصلة العمل ليل نهار ليتم افتتاح القناة الجديدة بعد 12 شهراً من الآن أو قبل ذلك.
يتحدث الرئيس للحاضرين وللشعب عبر كاميرات التليفزيون. يركز على مسألة طرح أسهم وسندات مشروع القناة الجديدة للمواطنين ولطلاب الجامعات.
يقول: «لقد احتفظنا بالقناة من عام 1956، وما حدش قدر ياخدها، وما حدش - بإذن الله - هيقدر».
مجدداً.. يؤكد الرئيس تمسكه بأن تصل حصيلة صندوق تحيا مصر إلى مائة مليار جنيه، ويقول: «حب الوطن مش كلام، وحتدفعوا.. حتدفعوا»، ويضيف قائلا: «أنا صريح معكم مصر لن تقوم إلا بأبنائها».
يبدد الرئيس مخاوف البعض أو قلقهم من مجريات الأمور فى المنطقة ومن حولنا، ويقول: «لن نسمح لأحد بهدم مصر واحنا موجودين»، ثم يضيف: «لازم نكون منتبهين، لكن متقلقوش بشرط نكون على قلب رجل واحد». ويشير إلى ممارسات جماعة الإخوان قائلا: «حنقبل وجود مجموعة تختلف معانا.. حنقبل تعيش وسطنا لكن من غير ما تؤذينا وتؤذى بلدنا».
ينتهى العرض فى القاعة.. يخرج الرئيس مبتسماً، الكل يلتف حوله، فى طريقه إلى مرسى نادى الشاطئ، ليستقل لنشاً إلى شرق الفردان، حيث يقام احتفال تدشين مشروع القناة الثانية.
يسبق الحاضرون الرئيس إلى قاطرات هيئة القناة، وتسير قافلة القطع البحرية على دوى الصفارات التى اطلقتها السفن العابرة للقناة، فى مظاهرة بحرية. وتحلق فوق رؤوسنا أسراب المقاتلات متعددة المهام (إف - 16) المصرية، بينما يؤدى فريق الألعاب الجوية عرضاً رائعاً فى سماء القناة.
حاولت حبس دموعى، لكننى رأيت من حولى دموعاً على وجوه تبتسم، وتداعت إلى ذهنى مشاهد من الطفولة فى سنوات الاستنزاف، وأتذكر صفارات الإنذار تنعق، بشؤم غارات العدو، وأستعيد صيحات: «طفو النور». وأصوات عواء طائرات العدو فى السماء تتلوها أصداء انفجارات تتردد، بينما أنا وأسرتى والجيران نهرول إلى المخابئ.
أنظر إلي السماء، وبجوارى اللواء طارق قائد المنطقة الجوية الشرقية يقف على سطح القاطرة يخاطب طياريه بجهاز اللاسلكي، وأشعر بفخر يبدد ذكريات طفولة ما قبل نصر أكتوبر.
أرنو إلى الشاطئ الشرقى للقناة، الرمال مفروشة بأعلام مصر، وعلى التلال يقف الرجال أسوداً تزأر بغير صوت.
أطل إلى مياه القناة بلونها الفيروزى الداكن. ها هنا مات 120 ألف مصرى منذ أكثر من 150 عاماً أثناء حفر القناة، فامتلأت بدمائهم، قبل أن تلتقى فيها مياه البحرين الأبيض والاحمر. ها هنا استشهد أبطال فى حروب مصر، آخرها فى معركة العبور الأولى عام 1973.
لن يكون هناك مزيد من الدماء، ففى العبور الثانى سيرتوى مشروع المحور والقناة الثانية بالعرق، والعرق وحده.
نصل إلى موقع الفردان.. المكان يعج بآلات ولوادر وبولدوزرات تستعد للعمل، يلتئم الحضور فى خيمة واسعة، يستمعون ومعهم الرئيس إلى شرح من رئيس أركان الهيئة الهندسية عن موقع القناة الثانية والأعمال المنتظرة لشقها، ويقول: «إن شاء الله السنة القادمة ستكون القناة محفورة، والسفن تبحر فيها».
يوقع الرئيس السيسى أمر الحفر باسم الله والشعب، ويسلمه لرئيس هيئة القناة، ثم يصطحب عدداً من الشباب والأطفال ليضغط على الزر ونسمع أصوات تسعة انفجارات تعلن بدء شق القناة، ويذهب الرئيس ومعه شباب وأطفال يحملون المعاول فى إشارة واضحة المغزي.
تبدو السعادة فى عينى الرئيس، تكاد تقفز من نظراته، والبهجة تملأ قلوب المجتمع.
وأشاهد المهندس حسام المساح الأمين العام لمجلس ذوى الإعاقة يبكى وهو يقول: «لقد أصر الرئيس على استدعائى لأشاركه الضغط على الزر لبدء شق القناة.. رئيس الجمهورية لم ينس ذوى الإعاقة فى هذه اللحظة، الآن فقط أقول إن مصر قد تغيرت».
وأجد بجانبى المهندس عبدالحكيم عبدالناصر نجل الزعيم الخالد جمال، نتعانق، وأجده يقول: لا أذكر يوماً عظيماً كهذا، منذ يوم تحويل مجرى النيل لإنشاء السد العالي.
يختتم الرئيس السيسى الاحتفالية الرائعة بكلمة قصيرة ينهيها قائلا: «حنشيل بلدنا على أكتافنا، ومش حنسيبها، ومش حنضيعها، ولا حنخلى حد يقدر يضيعها».
والله يا سيادة الرئيس لن نضيعها ولن نخذلك


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.