احتفال كنسي مميز بدير الأنبا أنطونيوس بالبحر الأحمر    58 مليون جنيه حصيلة مزاد سيارات وبضائع الجمارك بالإسكندرية ومطروح اليوم    جريمة حرب بحق الشعب الفلسطيني، الرئاسة الفلسطينية وحماس تدينان قانون إعدام الأسرى    ملف اللاجئين يتصدر محادثات برلين، اتفاق سوري ألماني على مسارات العودة وإعادة الإعمار    ثقة المونديال.. تصريحات تريزيجيه قبل لقاء منتخب مصر وإسبانيا    معتمد جمال يكافئ لاعبي الزمالك بعد الفوز بخماسية على الشرقية للدخان    تحذير عاجل لسكان هذه المناطق، رياح مثيرة للرمال غدا الثلاثاء    إخلاء سبيل 12 متهما في قضايا نشر أخبار كاذبة    مصرع 2 وإصابة 3 في انقلاب سيارة ملاكي على طريق الجيش شرق المنيا    فرص عمل للأطباء ووظائف قيادية في الأزهر والتعليم عبر بوابة الوظائف الحكومية    روبيو: مستعدون لفشل المفاوضات مع إيران.. ولن نسمح بالتحكم في مضيق هرمز    البطاقة الثانية.. الاتحاد السكندري يفوز على الزمالك ويلحق بالأهلي في نهائي دوري كرة السلة    سماح أنور ضيفة "كلمة أخيرة" مع أحمد سالم غدًا    بحضور وزيرة الثقافة.. تفاصيل اجتماع "إعلام النواب" لمناقشة خطة عمل الوزارة    45 عاماً على رحيله صلاح عبد الصبور.. مأساة الكلمة    فض 4 سرادقات بالشرقية .. و33 محضراً لمحال مخالفة بالجيزة    جامعة المنصورة تستقبل لجنة طبية من منطقة تجنيد المنصورة    كفانا مهاترات    بروتوكول تعاون بين جامعة بنها والمركز القومي للبحوث    إصابة 7 أشخاص في حادث تصادم سيارة وميني باص بالعبور    الساحرة الشريرة تثير الجدل بالفيوم.. الداخلية تكشف ملابسات الواقعة    مصرع تلميذ صدمه جرار زراعي في قنا    بعد حريق أمس.. إعادة فتح دار مناسبات محافظة الغربية    رئيس جامعة أسيوط يستقبل وفد محكمة الاستئناف لتعزيز التعاون المشترك    بعد اهتزاز النتائج.. 4 أسماء بارزة لخلافة رينارد في تدريب السعودية    بيراميدز يهزم ليفلز 9 - 0 وديًا استعداد لمرحلة حسم بطولتى الدورى وكأس مصر    نضال الشافعي: زوجتي تنبأت بوفاتها وطلبت شراء مدفن وهي شهيدة عند الله    محافظ قنا يبحث 263 شكوى وطلب للأهالي    الصحة: لا تفشيات للالتهاب السحائي.. ومصر تستعد للحصول على شهادة الصحة العالمية بإنجازاتها في هذا المجال    وزير الصحة يناقش مع هيئة الشراء الموحد خطط دعم سلاسل الإمداد والتوريد    ريهام عبد الغفور: أتمنى تقديم عمل كوميدي يجمعني ب حمزة العيلي    الرئيس السيسى: الحروب لها تأثيرات سلبية ونحتاج لمزيد من العمل لمواجهة الأزمة    نقيب الأطباء عن تدريب الأطقم الطبية: الطب بدون تدريب خطر على المواطن    شظايا صاروخ تصيب خزان وقود بمصفاة حيفا وتثير حالة طوارئ    استهداف حاجز للجيش اللبنانى بمدينة صور جنوب البلاد    الحرب على إيران ترفع معدل التضخم في ألمانيا إلى أعلى مستوى له منذ يناير 2024    موعد التوقيت الصيفي في مصر 2026.. تقديم الساعة رسميًا    تحت قبة البرلمان.. الإغماء يقطع كلمة نائبة للمرة الثانية خلال شهر    «الرعاية الصحية» تعلن إجراء 865 ألف عملية جراحية بمنظومة «التأمين الشامل»    كيف أحبطت شرطة التموين تهريب 11 طن سكر وأرز قبل بيعها بأسعار تفوق السعر الرسمي    إيران: مطالب أمريكا بشأن المحادثات "مبالغ فيها"    ميناء دمياط يدشن خدمة ترانزيت جديدة للشحنات عبر خط "الرورو" إلى دول الخليج    محافظ المنوفية: الانتهاء من أعمال إحلال وتجديد ملعب مركز شباب شنوان    بالصور.. انهيار أبناء فاطمة كشري خلال تشييع جثمانها    السجن 3 سنوات لعامل لاتهامه بالإتجار فى المواد المخدرة بسوهاج    وزير الدفاع والإنتاج الحربي يلتقي عدداً من مقاتلي الجيشين الثانى والثالث الميدانيين.. صور    الزمالك يصرف دفعة من مستحقات اللاعبين المتأخرة    بنك نكست يختتم 2025 بنمو قياسي و أداء مالي قوي    الإفتاء تعلن طرق التواصل بعد تطبيق نظام العمل عن بُعد    الأوقاف عبر صحح فاهميك: التنمر مش هزار.. كلمة صغيرة أو نظرة استهزاء ممكن توجع أكتر من الضرب    فخ "الضربة الواحدة".. سوسيولوجيا المراهنات الإلكترونية ووهم الثراء السريع    الأزهر يواصل حملة «وعي».. الرد على شبهة الاكتفاء بالقرآن وإنكار حجية السنة    شعبة الخضروات: طرح كيلو الطماطم ب 21.5 جنيه في المجمعات الاستهلاكية    جامعة عين شمس تناقش مناقشة آليات تشغيل مركز النانو تكنولوجي    لحسم اللقب.. الأهلي يلتقي الزمالك في ختام الدور النهائي للدوري السوبر الممتاز لآنسات الطائرة    الأوقاف عن الإرهابى عبد الونيس: مفيش إرهاب نهايته نصر.. نهايته دايما ندم    الإفتاء: لا تقتلوا الحيوانات الضالة.. الحل في الرحمة لا القسوة    حزب الله يعلن قصف مستوطنة دوفيف وموقع الغجر وثكنة شوميرا شمالى إسرائيل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قطر.. الطريق إلي الفوضي »1 / 5«
الحلقة الأولي:توظيف القوي الناعمة
نشر في أخبار اليوم يوم 15 - 09 - 2017

صناعة الوهم حرفة، علم أصبح له منظروه، تعددت الأطروحات، والأبحاث والدراسات التي راحت تطرح سؤالاً وتجيب عليه، كيف يمكنك أن تصنع الوهم، وأن تروج له، مستغلا حالة انعدام الوعي، ليصبح هذا الوهم واقعاً، يخترق المجتمعات والعقول، ويمزق العناصر الاجتماعية والثقافية للشعوب المستهدفة. إنها الحروب الناعمة، أو ما أطلق عليه «حروب الجيل الرابع» حروب هدفها الإطاحة بالمعتقدات والمفاهيم، والموروثات الراسخة في الأذهان، حروب تستهدف صناعة عالم جديد يهدف إلي عزل الشعوب عن ماضيها وإرثها الحضاري، ويضع منظومة قيم بديلة لصنع ثقافات جديدة، وخرائط جديدة، تهدف إلي تفتيت كيان الدولة الوطنية، ليكون البديل كيانات طائفية ومذهبية وعرقية. لم تكن الفكرة جديدة، ولم تكن «إمارة قطر» هي التي وصفتها وأسست لها، قطر لم تكن إلا أحد أبرز أدوات وآليات التنفيذ، غير أن الفكرة وضعت لبناتها منذ ثمانينيات القرن الماضي.
كانت الفكرة تقول إن إحداث التغيير في المفاهيم والقناعات وهدم الثوابت لا يمكن أن يتم بالأساليب التقليدية عن طريق استخدام الجيوش والآليات العسكرية، وإنما باستخدام بدائل أخري، جيوش لا ترتدي الزي العسكري ولا تستخدم الأسلحة المختلفة.
إنها الجيوش التي ترتدي الملابس المدنية، وتستخدم وتوظف كل آليات القوي الناعمة من إعلام وصحافة والسوشيال ميديا، ومنظمات المجتمع المدني، وغيرها من أدوات هذه القوي، التي أصبحت تخوض حرباً علي الذاكرة العقلية للشعوب، بقصد إحداث انقلاب في القناعات، لتدفع بها بعد ذلك إلي حافة الفوضي.
هي حرب تهدف إلي قلب الحقائق، وتزييف الواقع، والتشكيك في الثوابت، واغتيال الرموز الوطنية ورجال الدولة، وتهيئة العقول لتقبل المفاهيم الجديدة وإحياء النعرات الطائفية والعرقية، والدفع بمجموعات الشباب والمواطنين المحبطين من جراء المشاكل المجتمعية المختلفة إلي الانخراط في جيوش هذه الحرب، وتبني مفاهيمها عن غير وعي بحقائق الأمور وطبيعة الأهداف فيتحولون إلي أدوات للهدم والحرق وإسقاط مؤسسات الدولة الواحدة تلو الأخري.
كانت البداية هي ما سمي بالإعلام الجديد أو الإعلام البديل، وكانت قناة «الجزيرة» في مقدمة هذه الأدوات قناة تقوم علي الإبهار، والتكنولوجيا العالية، والحرفية والمهنية الراقية، خصصت لها مبالغ مالية ضخمة منذ الإنشاء في عام 1996، رفعت شعار «الرأي والرأي الآخر»، وراحت تنفتح علي الجميع، وتنقل الوقائع والحقائق عبر مراسليها الذين انتشروا في أنحاء العالم، لينقلوا الأحداث من مواقعها، فتميزوا عن الآخرين، وشدوا إليهم أنظار الرأي العام، وبات الجميع يسعي إلي القناة، ليستقي منها الوقائع التي ربما لا يجدها في قنوات أخري.
كانت ثقافة الحرية في تناول جميع الموضوعات، هي المفتاح السحري للمقموعين والمكبوتين، والذين يعانون الظلم والقهر السياسي والاجتماعي في بلادهم، في التوجه نحو هذه القناة ومتابعة كل ما تبثه من مواد إخبارية وبرامجية.
ورويداً، رويداً، بدأت قناة «الجزيرة» تكشف عن أهدافها الحقيقية، بعد أن ظلت تدس السم في العسل وتهيئ المسرح والعقول لسنوات طوال.
بدأت تنفيذ خطة التفتيت في جسد الدولة الوطنية في العالم العربي، بهدف إحداث حالة من الانقسام بين الفئات الشعبية من جانب، وبين مؤسسات الدولة المختلفة من جانب آخر، وذلك لإشعال الحروب الداخلية والتي سرعان ما تتطور إلي حروب أهلية، لإحداث الانهيار والتفتيت، وتدمير الدولة بين أبنائها.
كانت الخطة قد أعدت قبيل الحرب علي العراق، وقدمها «برنارد لويس»، ووافق عليها الكونجرس الأمريكي في عام 1982، غير أنها ظلت حبيسة الأدراج، إلي أن تم البدء في تنفيذها عمليا في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً مع إطلاق بث قناة الجزيرة.
وابتداء من هذا الأسبوع تنشر أخبار اليوم للكاتب الصحفي مصطفي بكري وعلي مدي خمس حلقات، تفاصيل الدور القطري في إحداث ما سمي ب «الربيع العربي» وكيف سعت قطر من خلال آليات الإعلام والمال والحماية إلي نشر الفوضي في العالم العربي بهدف إسقاط العديد من البلدان لحساب المخطط الصهيوني والدوائر المرتبطة به في المنطقة.
• • •
لم يكن قرار إنشاء «قناة الجزيرة» صدفة، بل هو مرتبط بالأجندة التي وضعتها الولايات المتحدة وإسرائيل وحركة الصهيونية العالمية في هذه المرحلة، وجري الاتفاق علي استخدام جميع وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لتمهيد المسرح للتنفيذ، وكان في مقدمتها قناة الجزيرة.
لقد أدرك واضعو المخطط أن «الإعلام الذكي» كفيل بتدمير القناعات الراسخة لدي الشعوب، والتأثير في الرأي العام، بما يحقق انقلابا جذريا علي الثوابت القائمة.
كانت أجندة قناة الجزيرة التي وضعت بالاتفاق مع حكومة قطر منذ البداية تقوم علي ضرب المفهوم القومي والثوابت القومية علي الساحة العربية وفي مقابل ذلك يجري تذكية وتأجيج التناقضات الطائفية والمذهبية والعرقية، وتحويل شاشة القناة إلي منبر لإثارة هذه التناقضات.
وقد اختارت قناة الجزيرة مذيعها «فيصل القاسم» السوري الأصل والمنتمي مذهبيا إلي طائفة «الدروز» في سوريا لإثارة هذه التناقضات في برنامجه «الاتجاه المعاكس»، واستطاعت هذه القناة أن تحطم جميع الحواجز، وتبدد كل الموروثات المتعلقة بالصراع «العربي الإسرائيلي»، فراحت تستضيف المحللين الإسرائيليين، وصناع القرار في الكيان الصهيوني، بهدف نشر ثقافة التطبيع، واعتبار ما يجري علي الأرض الفلسطينية هو مجرد اختلاف في وجهات النظر بين فئتين تقيمان علي هذه الأرض الفلسطينيون واليهود.
لم يقتصر الأمر علي ذلك، وإنما كان الهدف الرئيسي هو فتح الطريق أمام التيار الديني المتشدد والتكفيري لتصدر الواجهة من خلال خطب أسامة بن لادن والظواهري ويوسف القرضاوي وانتهاء بقادة تنظيم النصرة الإرهابي وبعض المحسوبين علي تنظيم «داعش» الذي انتشر بفضل هذه السياسة في العديد من البلدان العربية.
وكان هناك جيش من المرتزقة الذين نجحت الجزيرة في استقطابهم، فتحولوا إلي أبواق تنظر للمرحلة الجديدة، وتفلسف منطلقاتها، وتؤكد سقوط الحقبة القومية العربية، وتصاعد الأصولية الإسلامية، بل الأخطر أنهم راحوا يؤكدون نهاية عهد «الدولة الوطنية» لتحل مكانها الدويلات الطائفية والمذهبية والعرقية.
لقد خلقت «الجزيرة» من المرتزقة وأنصاف المثقفين وبقايا اليسار الانتهازي «نجوما» علي شاشتها، وأطلقت عليهم صفة «المحللين الاستراتيجيين»، فعكس هؤلاء في أطروحاتهم الواقع المهزوم، وراحوا يشعلون الحرائق في كل مكان وبين كل الفئات الاجتماعية والدينية والمذهبية، حتي ضاعت الأهداف القومية الكبري، وانزلق الجميع إلي الحروب الهامشية والصغيرة والتي مهدت لما يمكن تسميته ب «الربيع العربي» وزادت من حدة الاحتقان فيما بعد.
ولقد سعت قناة الجزيرة في هذه الفترة وتحديداً منذ بداية الألفية الثالثة في إظهار وجهها الحقيقي، حتي وإن غلفته بالمهنية والحرفية، إلا أنها وبعد أن هيأت المسرح وزادت حدة الاحتقان بين المكام والمحكومين وبين الفئات الاجتماعية والسياسية في عالمنا العربي، راحت تمهد لإسقاط مؤسسات الدولة الوطنية.
وخلال الفترة التي تولي فيها «وضاح خنفر» مهمة رئاسة القناة، صدرت التعليمات بتغييب أصحاب التوجه القومي والرافضين للمخططات الجديدة، وبدأت التركيز علي الخطة الممنهجة والتي تهدف إلي التمهيد لإسقاط مؤسسات الدولة، وفي المقدمة منها «الأجهزة الأمنية».
وقبيل أحداث 25 يناير بقليل في مصر، أنتجت قناة الجزيرة فيلماً وثائقياً بعنوان «من وراء الشمس» أذاعته علي جزءين، واستهدف هذا الفيلم الذي أعدته «هويدا طه» المحررة بقناة الجزيرة، إشعال الاحتقان ضد الشرطة المصرية، من خلال تقديم نماذج، أغلبهم من عتاة المجرمين واللصوص وقطاع الطرق باعتبارهم ضحايا لتعذيب الشرطة المصرية، التي لفقت لهم القضايا، وانتهكت حقوقهم، وهو أمر كان له تأثيره الكبير في زيادة حدة الاحتقان بين الشعب المصري وشرطته في هذا الوقت.
وركزت القناة علي قضية المدعو «خالد سعيد» وراحت تعيد إنتاجها، وتتجاهل الكثير من الحقائق في هذه القضية وسعت إلي تصعيدها بشكل بات يشغل الجميع، كما حرضت المؤسسات الدولية علي إدانة سلوك الشرطة المصرية في هذه الفترة، مما كان له أبلغ الأثر في التمهيد لأحداث ثورة 25 يناير في هذا الوقت.
لم تكن أجندة الجزيرة بريئة، ولا هي صادقة في دفاعها عن حقوق الإنسان، بل هي سعت إلي تنفيذ برنامج كامل سعي خلال العقدين الأخرين إلي ضرب القناعات والايديولوجيات، وتسويق الأفكار وإعلاء الفردية والأنانية، وضرب منظومة القيم وإحداث الخلل الاجتماعي وتنمية الروح الإقليمية، ودغدغة أحلام الطبقات الفقيرة بأحلام التغيير المنتظر، وضرب الهوية الوطنية والعقائدية وفتح الطريق أمام ثقافة العولمة، وخلق أجيال جديدة ترفض كل الموروثات وتبحث عن البدائل الأخري حتي وصل الأمر إلي المطالبة بالحرية الجنسية وزواج المثليين.
وسعت الجزيرة أيضا إلي الفصل بين العروبة والإسلام، ثم فصل الإسلام عن الإسلام، ثم فصل الإسلام عن ماضيه وعن غده، وتكريس جميع أنواع العداء بين كل ما هو قومي، وكل ما هو إسلامي.
لقد نجحت الجزيرة في نشر ثقافة «الكذب والخداع» وحولتها إلي «عقيدة» ولو إلي حين، وأصبح لهذه العقيدة قدرات شيطانية في العبث بكل القناعات وضرب الثوابت وفتح الطريق أمام جيل جديد، لا هدف له سوي الخروج عن كل المألوف، وتحطيم المجتمعات، والسعي إلي نشر الفوضي والمطالبة بالتغيير دون هدف أو رؤية أو استراتيجية، وكان هذا هو عين المراد.
لقد أصبحنا بفضل هذه «الميديا» أمام قادة من نوع جديد، هم بقايا مرضي نفسيين ومرتزقة وسوابق وجواسيس وفاسدون وذيول لأنظمة سابقة تصدروا المشهد فجأة، وراحوا يصدرون الأحكام، ويوزعون صكوك الوطنية، ويعتدون علي كل المحرمات، ويهينون مؤسسات الدولة، ويضربون رجالاتها، ويغتالون جميع الرموز الوطنية، حتي يكفر الناس بكل شيء، فتفتح الساحات أمامهم، ويصبحون هم أصحاب القرار وصناعه، وهم في الحقيقة ليسوا سوي مجرد أداة تنفذ المخطط دون أي تفكير أو إحساس بالمسئولية.
وهل يمكن في هذا الشأن نسيان أو تجاهل تصريح علني، لأحد من كانوا يطلقون علي أنفسهم شباب الثورة في مصر، عندما خرج ليطالب بعزل كل من بلغ سن الخمسين عن أي عمل سياسي أو قيادي في مصر.
لقد انتشرت في هذا الوقت «ثقافة» غريبة علي مجتمعاتنا، لعبت في نشرها ما سمي بالقوي الناعمة والجزيرة في مقدمتها، وسادت البلاد في مصر والعالم العربي حالة من الاضطراب الفكري التي أعقبها تبدل في المفاهيم، وطالت الواقع الثقافي العربي، وظهرت أفكار تتوافق وتتناغم مع الواقع الجديد، فانهارت الثقافة الوطنية والقومية، وأصبحنا أمام فوضي في الخطاب الثقافي الذي استهدف النيل من الهوية وموروثات المجتمع مما انعكس بدوره علي الحالتين السياسية والاجتماعية في البلاد.
لقد انهارت الممانعة نتيجة هذه الحرب الموجهة والتي استخدمت فيها كل أنواع التكنولوجيا والاتصال والإعلام، وأصبح الأمن القومي للبلاد بأسرها معرضا للخطر.
لم تكن «الجزيرة» وغيرها من آليات القوي الناعمة ببعيدة عن الأهداف التي حددت خصيصا لحماية الحركة الصهيونية ومطامعها في المنطقة، وهنا يمكن التوقف أمام ما ذكره «وليم غاي كار» في كتابه «أحجار علي رقعة الشطرنج» الصادر عام 1958 والذي ختم كتابه بنبوءات عن الحرب العالمية الثالثة والتي قال فيها «إن إسرائيل ستعمل في الخفاء من أجل أن تندلع هذه الحرب، وأن تكون بدايتها من المشرق العربي».
كانت «الجزيرة» تدرك قبل الآخرين، أن «إسرائيل» هي التي تدير اللعبة بكل أبعادها، وهي المستفيد الأول من سقوط وتفتيت وتجزئة البلدان العربية، وأن قوي دولية وإقليمية عديدة تشارك في هذه المؤامرة، ومع ذلك ارتضت هي ومحرروها ومقدمو برامجها أن يكونوا طرفا في هذه اللعبة، بتعليمات مباشرة من حكومة قطر وأميرها، الذي اختار لها أحد أبناء عمومته وهو «الشيخ حمد بن تامر» ليتولي رئاسة مجلس إدارتها.
وقد لعبت «الجزيرة» باعتراف عدد من العاملين بها، والذين تركوها في اللحظات الأخيرة، دوراً معروفاً في التحريض ولكن الأخطر هو في عملية «الخداع البصري» وإعادة إنتاج الحدث والصورة.
لقد روجت لخدعة «المظاهرات المليونية» ونشرت الصور الخداعية، وعندما كانت تهدأ الأحوال كانت تفتعل الأحداث، وتأتي بمن يقوم بالتصوير من خلف الظهور ثم يأتي من كتب شعارات جديدة ويضعها أمام الشاشة لمشاهد سابقة، وتظل الكاميرا تنتقل من مكان إلي آخر، لإيهام المشاهدين بأن الثورة في انتشرت في أنحاء البلاد المختلفة.
كانت مهمة «الجزيرة» غسل عقول البشر تمهيدا للتحكم بهم، لأنها تدرك أن فعل المشاهد والكلمات أشد وقعا من فعل طلقات الرصاص، وكان الهدف هو إضعاف وحدتها الوطنية والانقضاض عليها لإنجاز المهمة الموكولة إليها في تفتيت مجتمعات الأمة وإسقاط كياناتها الوطنية الواحد تلو الآخر.
لم تكن «الجزيرة» قناة مهنية تحمل شعار الرأي والرأي الآخر كما كانت تدعي وإنما هي رأس الحربة في معركة المشروع الشرق أوسطي الجديد، حتي أن محرريها ومقدمي برامجها تحولوا إلي عناصر استخباراتية تقاتل مع الإرهابيين جنبا إلي جنب، بل وتفتح أمامهم الطرق وتهيئ لهم المسرح لأداء مهمتهم علي الوجه الأكمل، وتقديمهم للمجتمعات وكأنهم أبطال حقيقيون.
لقد كان هدف من أنشأوا هذه القناة في عام 1996 أن تكون جسراً للعبور إلي العقل العربي لتفكيك ثناياه وإعادة ترتيب أولوياته بما يخدم الأهداف الموكولة إليها.
واتخذت «الجزيرة» من يوسف القرضاوي أبا روحيا لها، يشرع للقتل ويصدر الفتاوي التي تخدم المخطط وأهدافه، وهو نفسه الذي استباح وأفتي بقتل العقيد معمر القذافي وكانت قطر وأميرها السابق هم من خططوا لعملية القتل.
لقد استطاعت علي مدي فترة طويلة خداع المشاهد العربي من خلال الحرفية والإبهار اللذين تميزت بهما في ظل تراجع أداء الإعلام العربي، وفي غمرة هذا الانبهار غابت عن المشاهد العربي حقيقة الأهداف والمرامي ولم ينتبه للسم الذي كانت تدسه القناة في العسل خلال أخطر المراحل التي مرت بها الأمة العربية.
وهل هناك أخطر من هذا التقديم الاحتفائي الذي حظي به أحد العناصر الإرهابية الشهيرة «عبدالله عزام» في إحدي الوثائقيات التي أنتجتها القناة، حتي بدا وكأنه واحد من الأبطال المخلصين والمحررين للشعوب من عبودية الأنظمة.
لم يسأل أحد نفسه عن «الحصرية» التي حصلت عليها «الجزيرة» في إذاعة بيانات أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وغيرهما من زعماء وأمراء تنظيم القاعدة الإرهابي، ولم ينتبه أحد إلي الوجوه الصهيونية القبيحة التي كانت تطل بشكل دائم ومستمر من علي شاشة قناة الجزيرة التي وصلت بها الجرأة إلي استضافة قادة الإرهاب الصهيوني من عينة «آرييل شارون وبنيامين نتنياهو وشيمون بيريز وتسيبي ليفني.. وغيرهم».
كان المخطط ولايزال يسعي إلي تمزيق الأمة وتدمير حضارتها ودفع أبناء الشعب الواحد إلي مقاتلة بعضهم البعض ونقل الصراع من صراع مع أعداء الأمة إلي صراع بين أبنائها، إنه الواقع المرير الذي يذكر بالمقولة التي أطلقها لورانس العرب في بدايات القرن الماضي عندما قال «كان هدفنا إرغام العرب علي مقاتلة بعضهم بعضا من أجل مصالحنا».
وهكذا لم يكن مخطط التقسيم الذي عهد إلي قطر بالمشاركة فيه وتنفيذه في المنطقة العربية ببعيد عن التوصية التي طرحها هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأشهر أمام الاجتماع السري في باريس عام 1974 والذي ضم سفراء أمريكا في العالم مع كبار مسئولي ال «سي.أي.إيه» والتي اعتبر فيها كيسنجر أن الرد الاستراتيجي علي خطوة العرب باستخدام سلاح النفط في حرب أكتوبر 1973 هو في تفعيل وإحياء جميع المخططات الغربية حيال الشرق.
لقد قدم كيسنجر في هذا الاجتماع مشروعه لتفتيت المنطقة واستخدم عبارته الشهيرة بالعمل علي إدخال العالم العربي والإسلامي في حرب «سُنية شيعية» حتي ولو امتدت لمائة عام.
ومن بعده جاء «برنارد لويس» المفكر الأمريكي من أصل بريطاني ليضع نظريته التي استهدفت تقسيم خرائط العالم العربي والإسلامي، وقام بتقديمها إلي الكونجرس والذي اعتمدها بدوره في عام 1982.
كانت الخطة قد اكتملت، ولم يبق عليها إلا التنفيذ، وكانت البداية مع انطلاق هذه القناة، التي راحت تمارس لعبة الخداع المهني، ولكن قبيل أحداث ما سمي ب «الربيع العربي» كشفت القناة عن وجهها القبيح وبدأت في ممارسة دورها المفضوح دون خجل أو حياء لأنها لم تكن إلا مجرد أداة وإحدي آليات تنفيذ المخطط.
الحلقة القادمة
قطر ودورها في إنشاء أكاديمية التغيير


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.