هذه المرة تجاوزت أمريكا مرحلة الخوف من عودة أشباح الماضي، والحديث هنا عن ارهاصات حرب أهلية بين السود والبيض، لأنها ظهرت بالفعل في قلب مدينة دالاس، فعلي هامش تجمع حاشد لمتظاهرين غاضبين من مقتل شابين أسودين في العقد الثالث من العمر، استهدف شخص يُدعي ميكا جونسون، 11 شرطياً فقتل 5 وأصاب 6 بينما أصيب مدني واحد، وتحدث دافيد بروان، رئيس شرطة دالاس، عن هجوم وقع علي رجال الشرطة من خلال « كمين مسلح»، وأن الفاعل كان يستهدف «قتل أكبر عدد ممكن منهم». البحث عن القناص كن مدعوماً من وحدات القوات الخاصة SWAT، ويشمل المطاعم والفنادق والمحلات بل واقتحام الشقق، وتم توقيف 4 من المشتبه بهم، مع إطلاق طائرات هليكوبتر في سماء المدينة علي مدار الساعة، وتم تعليق جميع رحلات الطيران من وإلي دالاس، وسُمح لرجال الشرطة باستخدام رشاشات من طراز الميترليوز الذي تستخدمه الجيوش. المظاهرات في دالاس كانت جزءا من مظاهرات أخري عمت امريكا احتجاجاَ علي قتل شابين أسودين علي يد البوليس الأسبوع الماضي، ورغم أن مقتلهما كان في ولايتين مختلفتين (مقاطعة سان بول بولاية مينيسوتا ومقاطعة العصا الحمراء بولاية لويزيان) إلا أن السيناريو هو نفسه الذي يقع دوما مع أصحاب البشرة السمراء: توقيف للاشتباه من قبل رجال الشرطة ثم إطلاق نار للقتل العمدي، بعدها يكتشف أن الضحية لم يكن يشكل أي خطر علي الأمن العام. باراك أوباما علق علي الحادث: « هذه ليست حوادث فردية، بل هي أعراض لتحديات أوسع علي نطاق نظامنا القضائي، وكذلك التمييز العنصري الذي يزداد عاماً بعد آخر، وانعدام الثقة بين قوات الأمن وقطاعات كبيرة في المجتمع»، وتأتي هذه الأحداث بعد عام واحد علي مقتل الصبي الأسمر مايكل براون (18 عاماً) بمدينة فيرجسون (ولاية ميسوري) علي يد رجل شرطة وكذلك قتل الشاب فريدي جراي في وضح النهار بمدينة بالتيمور (ولاية ميريلاند)، فضلاً عن أحداث مشابهة في ولايات نيويورك وكارولينا الشمالية وكليفلاند وشيكاجو. وكان أوباما قد أكد آنذاك أن «فرص الشباب الأسمر في دخول السجن أكبر من دخول الجامعة أو من الحصول علي وظيفة جيدة.. »، ويري الشباب من ذوي الأصول الأفريقية واللاتينية أن تلك الفرص ستتضاعف في ظل مؤشرات قوية تقول أن اليميني الأنجلو ساكسوني المتعصب دونالد ترامب قد يكون رئيس أمريكا القادم. لافيش رينولدز صديقة الشاب فيلاندو كاستيل وأم طفلته، الذي قُتل يوم الأربعاء الماضي في إشارة مرور بعدما استوقفه الشرطي بحجة كسر في المصباح الأمامي لسيارته، صورت المشهد بأكمله بكاميرا هاتفها، التي يبدو أنها الوسيلة الوحيدة الآن لفضح جرائم الشرطة الأمريكية وبعض القضاة المتعصبون ضد الأفروأمريكيين، ويوضح الفيديو الذي حقق أكثر من 4ملايين مشاهدة علي الفيس بوك، فيلاندو مضرجاً في دمائه بعدما تلقي عدة طلقات قاتلة وهو جالس علي عجلة القيادة وطفلته البالغة من العمر 4 سنوات تجلس بجواره في حالة فزع، بينما ضابط شرطة خارج السيارة يمسك بسلاحه، وفي الخلفية صوت من تصور وهي تعلق بصوت هادئ مهذب وهي تتحدث مع رجل الشرطة القاتل بما لا يتناسب مع طبيعة الموقف: « من فضلك سيدي الضابط لا تقل لي أنك فعلت ذلك.. لقد أطلقت عليه 4 رصاصات بينما هو كان يهم بإخراج رخصته وأوراق هويته»، كما صوت الطفلة واضحاً وهي تقول بنبرة من يريد أن يطمئن نفسه: « كل شيئ علي ما يُرام يا أمي.. أنا معك.. أليس كذلك؟». هذا المشهد الدرامي يأتي بعد 24 ساعة من مقتل ألتون سترلينج (37 عاماً) ولقي مصرعه علي يد ضابطي شرطة بالجراج العام لمقاطعة العصا الحمراء، علي إثر بلاغ من مجهول للشرطة يخبرهم فيه بأن سترلينج مسلح ويشكل خطراً علي الأمن العام، وبالصدفة أيضاً تم تصوير مشهد قتل سترلينج بائع السديهات المتجول والأب لخمسة أطفال، حيث طرحه الشرطيان أرضاً وأحدهما يصرخ «إنه مسلح» ثم أخرج الآخر سلاحه وأرداه قتيلاً بطلقات مباشرة في الصدر، قبل أن يسحب منه سلاحه بينما القتيل كان تحت سيطرتهما بالفعل!! وأخيراً فإن فيلاندو كاستيل هو القتيل الأسود رقم 123 في قائمة الشرطة الأمريكية لعام 2016، علماً بأن الإحصاءات الرسمية تؤكد أن البوليس الأمريكي يقتل يومياً من 2 إلي 4 مواطنين أفروأمريكيين.