استولي الداخل تماما علي تفكيرنا من كل جهة وصوب ، فما نلبث ان يداهمنا خطب إلا وينازعه خطب آخر أو حدث غيره ، وقبل أن نفيق من هذا يعقب ذاك، فاستغرقنا تماما في احوالنا وما عدنا ننظر لأبعد من مواطيء أقدامنا فما عاد يتبقي مساحة انشغال بهم جديد .. وهنا مكمن الخطر وما نبادر وننبه اليه ونلح، بل ونحذر مما قد نفاجأ به من احداث جسام ، ان كانت خارج حدودنا الا انها تستدعي منا كل استعداد لكافة الاحتمالات ... من الآخر : نحن بحاجة ملحة الي تشكيل مجلس للأمن القومي للبلاد ... ويكون قريبا من رئيس الدولة ليجتمع به في اوقات متقاربة، قد تكون كل صباح لو امكن كما يحدث في معظم الدول الكبري والمتقدمة .. مجلس من شخصيات يكون مشهودا لها بالخبرة الدولية والحنكة الاستراتيجية والخلفية العسكرية ، ويتولون طرح أهم الاحداث والمشاكل التي تنعكس بنحو او بآخر علي المنطقة و مناقشتها بالرأي والمشورة وللرئيس أن يأخذ بها او لا يأخذ علي مسئوليته ... فإن وجود مثل هذا المجلس قريبا من رئيس الدولة وعونا له في المرحلة القريبة المقبلة يكاد ان يكون ضرورة ملحة في هذه الآونة التي تبدو فيها المنطقة علي مفترق طرق والعواقب يصعب حسبانها ونحن علي شفي نقطة تحول من التاريخ . الآن بينما تدخل معركة الرئاسة الامريكية طورها الاخير، تشهد منطقة الخليج حركة نشاط للعسكرية الامريكية وتسليحا فوق المعتاد سواء في القواعد العسكرية الامريكية أو ما حولها .. ما عاد الوضع يقتصر علي حاملتي الطائرات العملاقتين ، بل زاد و ارتفع مستوي التسليح بأسلحة هجومية شتي ما بين جوية وبحرية بسبيل ان تجعل منطقة الخليج ربما أكثر بقاع العالم تسليحا .. وهذا غير برنامج المراقبة و التجسس من أعالي الاجواء بالطائرات بدون طيار، وغير نشاط فرق العمليات الخاصة التي تسمي بالمغطاة .. اما حالة التعبئة العسكرية فتدل علي استعداد شبه مؤكد لحرب ضد ايران موعدها غير بعيد، تتوقع لها دوائر غربية أن تندلع ربما هذاالشتاء او في الربيع.. فلا تراجع يبدو في المواقف و لا تنازلات وسط تلوح في الافق ولو من بعيد، ولذا المتوقع أن يبقي الحال علي ما هو عليه الي ما بعد الانتخابات الأمريكية، و ربما الانتخابات الاسرائيلية أيضا التي قرر نتنياهو ان يدعو اليها فجأة والمتوقع لها أن تكون اقرب الي استفتاء علي الحرب ضد ايران التي يتبناها وتكاد تنقسم حولها اسرائيل .. القوة علي ما يبدو هي التي ستحسم الموقف في نهاية المطاف ... انما الملاحظ عموما أن الصحف الامريكية الكبري كلها تقريبا تتحاشي القاء اضواء علي عملية التعبئة المتزايدة هذه في التواجد العسكري الامريكي في الخليج ، قد تفلت لمحة أو اشارة هنا أو هناك وما عليك الا ان تكون ملاحا وصيادا في آن واحد .. تبحث وتستقصي وتصطاد - الكترونيا - ثم عليك ان تعرف من أين وكيف تقتنص صيدا سليما وصحيا من معلومات وخاليا من الميكروبات ! من مجمل الابحار ستدرك ان معظم مشاكل هذه المنطقة، سواء ما امامها أو ما وراءها، من تحتها أو فوقها، في الماضي او الحاضر ، ليست غير البترول .. فتش عنه وراء كل أزمة وغزوة ومكيدة ومناورة، فهو العلة والبلاء وأس المصائب التي تنزل علي أم رأس المنطقة .. حتي امواله فماذا أدته في اضاءة عقول معتمة؟! لم يقلق أمريكا ولم تزل أكثر من فكر استخدام البترول سلعة استراتيجية كما حدث عام 1973 الذي زاوله لاول مرة - وآخر مرة ايضا - الملك فيصل رحمة الله عليه دعما لمصر في تحرير ارضها في سيناء .. من هنا دخل الاستراتيجية الامريكية منذ ذلك هدف الهيمنة علي الشرق الاوسط بدوله وبتروله واقتصادياته، حتي لا يتكرر مثل ذلك مرة أخري .. ومن هنا جاءت معادلة : شئونكم مقابل توفير الحماية لكم.. وقد كان ! ثم لا تنسوا ان البترول وأسعاره هما الشيء الوحيد الذي يمكن أن يهز الاقتصاد الأمريكي وينكبه أو .. :ينعشه ! والمعلومات في الغرب تدرك منذ مدة ان احتياطي البترول العالمي أخذ يشح بمعني ان الكثير من حقول البترول والغاز في انحاء متفرقة في الطريق الي النضوب .. دليلهم ان بين الدول المنتجة من دخل احتياطيه طور الشح بعد ما بلغ ذروته ، مثل اندونيسيا والجابون وعمان وبريطانيا وفنزويلا والنرويج والولاياتالمتحدة ... هؤلاء جميعا هبط انتاجهم من البترول في السنوات القليلة الماضية بنحو مليار ومليون برميل يوميا ! و يتوقع أن تلحق بهم علي طريق الشح بروناي والصين والدنمارك وماليزيا والهند والمكسيك بهبوط قد يبلغ مليارا و 4 ملايين برميل يوميا ... و هذه أرقام صادرة عن مركز التحليل للمستهلك ODAC والمقر لندن . .. أما الحقول الجديدة التي تم اكتشافها فهي اما أقل حجما وكما وكيفا، بل و اكثر صعوبة في استخراجه حيث معظم الحقول الحديثة للطاقة تقع في أعماق سحيقة من المحيط الاطلنطي والبحار وتتطلب تكنولوجيا مكلفة سوف تنعكس بالتأكيد علي الاسعار ... من الكتب ما نشر قبل سنوات قليلة ويؤكد هذه الآراء وتوقعها مثل كتاب عنوانه " هبوط الطاقة أو POWER DOWN لريتشارد هاينبرج أكد فيه ان الحكومات في الدول الصناعية الكبري تدرك ذلك و تتوقع أزمة طاحنة في الطاقة تلم بالعالم وأول من ادرك هي الولاياتالمتحدة، و لذا دفعت بوزارة الطاقة في واشنطون تولي دراسة في هذا الشأن ، انتهت بتقرير تناول احتمالات ردود الفعل العالمية عندما تشح الطاقة عمليا بحيث يقل العرض عن الطلب ! دخول الصين لحلبة كبار مستوردي البترول له دور كبير لاشك في زيادة الطلب، كذلك دخول الهند الي الحلبة في الحقبة الاخيرة، غير ان الدول الصناعية الكبري في الغرب واليابان والولاياتالمتحدة بالخصوص التي لم تغير من نمط استهلاكها المغرق في الاسراف ... أتري يتحقق فعلا هذا النذير ؟ الاجابة عند المملكة السعودية التي لديها وحدها نحو 22 ٪ من احتياطي البترول العالمي كله .. فان كانت علي استعداد أن ترفع دوما من سقف انتاجها الذي يتعدي علي حد ما ذكر عالميا : عشرة ملايين ونصف المليون برميل يوميا، وتعد بما يتعدي 12 مليون برميل فهل يكفي هذا لطمأنة عالم يبلغ مجمل استهلاكه في اليوم الواحد نحو 84 مليون برميل؟! سيأتي يوم غير بعيد يتحسر فيه العالم علي أسعار هذه الأيام .. !