عراقجي: نرحب بدعم موسكو للجهود الدبلوماسية والأزمة الأخيرة أظهرت عمق الشراكة الاستراتيجية بين روسيا وإيران    ترامب يسعى لتغيير اسم وكالة الهجرة والجمارك المثير للجدل من آيس إلى نايس    طقس اليوم: حار نهارا مائل للبرودة ليلا.. والعظمى بالقاهرة 29    إيران تقدم عرضا يشمل فتح مضيق هرمز وتأجيل المحادثات النووية مع واشنطن    الجيش الأمريكي يعلن اعتراض ناقلة نفط متجهة إلى موانئ إيران    مدرب بيراميدز: كنا الأحق بالفوز أمام الزمالك.. ولا مجال لإهدار النقاط في سباق اللقب    لاعب الزمالك السابق: صراع الدوري مشتعل حتى النهاية.. والحسم في الجولة الأخيرة    "CNN": غموض حول الجهة المخولة باتخاذ القرار النهائي داخل إيران    خيري بشارة يسلم تكريم منى ربيع وحسن جاد بافتتاح الإسكندرية للفيلم القصير    انقطاع المياه عن بعض المناطق في أسيوط لمدة 3 أيام    صناعة السيارات في مصر.. سباق المكون المحلي بين فخ استيراد «المطاط والبطاريات» وأمل خفض الأسعار    30 دقيقة تأخر في حركة القطارات على خط «القاهرة- الإسكندرية».. الثلاثاء 28 آبريل    أنا بتعلم منك.. ياسر علي ماهر يكشف تفاصيل مكالمة من عادل إمام بعد فيلم «كابتن مصر»    ارحل يا توروب.. جماهير الأهلي تطالب برحيل المدرب فوراً    الأرصاد الجوية تُحذر من شبورة مائية.. وتكشف حالة طقس اليوم الثلاثاء    حقيقة فيديو شرطي سيناء المسرب وقرار عاجل من الداخلية بإنهاء خدمته    أول تعليق من توروب عقب الخسارة من بيراميدز    بعد الفوز على الأهلي.. تعرف على فرصة بيراميدز للتتويج بلقب الدوري    الأمين العام للآثار يتابع مشروعات التطوير في الفيوم والغربية والدقهلية    فتحية و7 ملوك من الجان.. حكاية ضحية علم الأرواح    في خطوات بسيطة، طريقة عمل اليخني اللحم بالخضار    جلال برجس يطلق منصة للتحرير الأدبي    زياد بهاء الدين: بلوغ التضخم قرابة 100% في 3 سنوات متتالية طفرة كبيرة تحتاج لإعادة نظر    وول ستريت جورنال: واشنطن ستقدم ردًا ومقترحات مضادة للعرض الإيراني قريبًا    3 نتائج مذهلة، الكشف عن تمرين بسيط لهذه العضلة يساعد في ضبط سكر الدم لساعات    البيت الأبيض: ترامب بحث مقترحا إيرانيا جديدا مع فريقه للأمن القومي    تهديدات الحرس الثورى تدفع أوروبا لخيارات دفاعية استثنائية.. ضفادع بشرية للتعامل مع الألغام.. تنسيق فرنسي بريطاني لتأمين الملاحة فى هرمز.. ألمانيا تستعد لنشر وحدات بحرية في المتوسط تمهيداً لمهمة محتملة    كاريك: برونو كان يستطيع صناعة أهداف أكثر والتسجيل    قداسة البابا يختتم زيارته لتركيا ضمن جولة رعوية أوروبية موسعة    مواقيت الصلاة اليوم الثلاثاء 28 أبريل في القاهرة والمحافظات    البابا تواضروس الثاني يصل النمسا في ثاني محطات جولته الخارجية    الصور الأولى لزوجين بالشرقية قُتلا طعنًا داخل منزلهما    إصابة 3 سيدات في تصادم "توكتوك" بدراجة نارية في الدقهلية    تحرير 42 مخالفة للمخابز في حملة تموينية بالفيوم    مصرع شاب في تصادم موتوسيكل وتروسيكل بجرجا في سوهاج    مدرب بيراميدز: الزمالك يلعب بروح أكبر من لاعبي الأهلي    في غياب أكرم توفيق.. الشمال يخسر لقب الدوري بعد الهزيمة من السد    طالب من 3 دول يشاركون في مسابقة الغواصات البحرية MATE ROV Egypt 2026    Livingyards تعين عبدالله لطفي عضوًا منتدبًا لدعم التوسع بمحفظة 30 مليار جنيه    الأسهم الأمريكية تسجل مستويات قياسية جديدة على الإطلاق مع ارتفاع أسعار النفط    غرفة المنشآت الفندقية: لا يجوز منع المرأة من الإقامة بمفردها.. والحكم بحبس مدير فندق رادع لكل الفنادق    جمال عريف ل صاحبة السعادة: أكبر مصنع صلصة بالصعيد ونصدر ل23 دولة    زفة على أنغام "يا واد يا تقيل" احتفالا بزيارة حسين فهمي لكشري أبوطارق.. صور    زياد بهاء الدين: نحن في مصيدة ديون لمدة ليست بالقليلة    مصرع 3 طلاب إثر حادث موتوسيكلات على طريق "دكرنس - شربين" بالدقهلية    أمين الفتوى يكشف حكم إخراج الأضحية من زكاة المال(فيديو)    مصر أولاً    محمد ممدوح وحسام داغر في افتتاح مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    وزير الصحة يشارك في اجتماع إفريقي رفيع المستوى لتعزيز دور القارة في إصلاح النظام الصحي العالمي    هل يجب إخبار الخاطب أو المخطوبة بالعيوب قبل الزواج؟ أمينة الفتوى توضح الضوابط الشرعية (فيديو)    الفرق بين المشروبات المهدئة والمنشطة ومتى نستخدمهما ؟    تسليم مساعدات مالية ل30 عروسة من الأيتام وتكريم حفظة القرآن ببني سويف    قبل ما تفسخ الخطوبة.. اعرف هتخسر إيه فى مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين    اعتماد رسمي لقيادات "الناصري"، محمد أبو العلا رئيسًا للحزب لدورة جديدة    17 مايو.. أولى جلسات دعوى لإنشاء المجلس القومي للرجل    من مسجد المشير طنطاوي.. "إكسترا نيوز" تنقل تفاصيل جنازة والد رئيس الوزراء بحضور السيسي    «العدل» تقر إنشاء فرعين للتوثيق والشهر العقاري بمحافظتي الدقهلية وسوهاج    بدلًا من ربع مليون بالخاص.. تدخل جراحي دقيق بمجمع الشفاء الطبي بالمجان لطفل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لا تعارض بين الإسلام والعلمانية

يسعي الدكتور أحمد سالم أستاذ مساعد الفلسفة بكلية الأداب جامعة طنطا وأحد المفكرين المصريين الواعدين في كتاباته الاكاديمية والثقافية إلي الإعلاء من قيمة‏(‏ جوهر الدين‏)‏.
ولا يري تعارضا بينه وبين جوهر العلمانية‏,‏ بل يذهب إلي آخر الشوط ليقرر أن الإسلام دين علماني لا يتعارض مع قيم الحداثة وفي مقدمتها الديمقراطية‏,‏ وبالطبع سيرفض كثيرون طروحاته باعتبارها توفيقية جديدة عرفها الفكر العربي المعاصر بين الاسلام والاشتراكية والاسلام والليبرالية بل وعرفها الفكر الإسلامي قديما بين الشرع والعقل ولكن الحوار بين الاسلام والعلمانية أو الحداثة عموما أمر مشروع ويستحق المحاولة ومن الكتب التي قدمها سالم للمكتبة العربية كتاب صغير الحجم كبير الأهمية عن رائد من رواد التجديد في الفكر الاسلامي هو الشيخ أمين الخولي‏,‏ والذي سار علي نهجه كثيرون منهم محمد أحمد خلف الله ونصر حامد ابوزيد وكثيرون الكتاب جاء في طبعته الأولي بعنوان لافت دال علي رؤية المفكر الشاب‏,‏ فقد كان العنوان الجذور العلمانية في فكر أمين الخولي تتبع فيه الباحث رؤي الخولي وتفسيره للقرآن الكريم بآليات البلاغة الحديثة وايمان الخولي بنظرية التطور‏.‏
إلا أن الباحث عاد ليغير هذا العنوان الاسلام العقلاني‏:‏ تجديد الفكر الديني عند أمين الخولي‏.‏ أحمد سالم لا يري أن الدين أفيون الشعوب‏,‏ بل ملح حياتها‏,‏ بشرط ألا يتم إفساد هذا الملح بالتأويل المفرط الذي يهدم طبيعة الملح نفسه‏,‏ أو بالتقليد الجامد الذي يهدم أيضا ويحيل الملح الي فراغ ابيض متكلس في العيون والضمائر‏..‏ سالم بدأ مشواره بقراءة الفكر المعاصر لكنه تحت وطأة الترقية أجبر علي العودة للماضي ولكنه عندما عاد لم يتخل عن الاهتمام بالواقع‏,‏ ومعه كان هذا الحوار‏:‏
‏*‏ بدأت دراساتك العليا بقراءة الجابري وحسن حنفي للتراث فكيف تراها‏,‏ وهل توافق علي قراءة التراث وفق مقولات القطيعة بين المشرق والمغرب؟
‏**‏ عندما قررت أن أعد أطروحة الماجستير عن اشكالية التراث في الفكر العربي المعاصر دراسة نقدية مقارنة بين حسن حنفي وعابد الجابري‏,‏ وبدأت أطلع علي كل خريطة الفكر العربي المعاصر ابتداء من بواكير عصر التحديث في أواخر القرن الثامن عشر حتي نهاية القرن العشرين‏,‏ وعرفت مدي التطور الذي حدث للفكر العربي الحديث‏.‏
ركزت في الأطروحة علي التحول الذي عاشته الثقافة العربية بعد النكسة حتي الآن حيث أصبح الهاجس الرئيسي لمعظم أعلام الفكر العربي هو تحديد طبيعة العلاقة بين الذات العربية وتراثها وبين الذات العربية والآخر الغربي‏,‏ ووجدنا معظم أعلام الفكر العربي كزكي نجيب محمود وحسن حنفي والعروي والجابري وغيرهم يقدمون مشاريع لقراءة جديدة للتراث العربي متسلحين بالمنهجيات الحديثة للعلوم الإنسانية‏,‏ التي أنتجتها الحداثة الغربية وأستطاعوا أن يحركوا المياه الراكدة وأن يلقوا بالعديد من الأحجار في البحيرة الراكدة التي تسمي التراث‏,‏ وقد أثارت القراءات الحداثية جدلا واسعا‏,‏ لأن معظم هذه القراءات كانت موجهة وفقا لايديولوجيا المفكر‏,‏ فالماركسي يقدم قراءة ماركسية‏,‏ والبنيوي يقدم قراءة بنيوية‏,‏ والفينومينولوجي يقدم لنا قراءة ظاهراتية‏,‏ ولكن المشكلة الحقيقية أن معظم أصحاب القراءات الحداثية حملوا التراث القديم ميزات الحاضر وعيوبه معا‏,‏ ومن ثم بدا الخلف بالنسبة للسلف مجموعة من البشر العاجزين يسيرهم السلف من قبورهم‏,‏ وكانت الروح الغالبة علي دعاة الحداثة في قراءتهم التراث تحميله كل مسالب الواقع‏,‏ وأخذ المفكرون الحداثيون علي عاتقهم إعادة انتاج علاقة جديدة مع التراث‏,‏ ولكن معظم قراءاتهم كانت مؤدلجة‏,‏ فالجابري يتكلم علي أن الفكر الظلامي بتقييمه المعاصر هو نتاج المشرق علي يد أبن سينا‏,‏ وأن الشرق هو مصدر العرفان اللاعقلاني‏,‏ في حين أن الفكر الإسلامي في المغرب كان يقوم علي عقلانية ابن رشد وابن خلدون‏,‏ وهذه نزعة تعصبية انتقدها العديد من المفكرين العرب مشرقا ومغربا‏,‏ وليس لها ما يبررها لأن الثقافة العربية واحدة في اشكالاتها وموضوعاتها وقضاياها‏.‏
‏*‏ وما الذي أعادك للتراث القديم بعد أن بدأت قراءتك للفكر العربي المعاصر؟
‏**‏ أثناء اعداد أطروحة الماجستير والدكتوراه كنت أعود لقراءة التراث القديم بقدر ما تتطلب طبيعة البحث‏,‏ وكنت أنظر للتراث القديم علي أنه جثة هامدة‏,‏ وأن دعاة الحداثة بأدواتهم هم من استطاع أن يعيد الروح إليه بالمنهجيات الحداثية‏,‏ وأن يحاوروه ويسألوه وكنت أنظر إليه علي أنه غريب عني بلغته وموضوعاته‏,‏ وكنت فقط أهتم في الغالب الأعم بالصورة الحية التي أعيد انتاجها وفقا للمنهجيات الحداثية‏,‏ وكنت أهرب من التصدي جذريا للتراث‏,‏ والحفر فيه‏,‏ ومن ناحية أخري بدا قطاع كبير من الباحثين في الفلسفة الاسلامية في مصر أصحاب جهد متواضع في أبحاثهم‏,‏ لأن جهدهم يقتصر علي جمع المادة التراثية‏,‏ وتصنيفها تحت عناوين جديدة وفقا للموضوعات‏,‏ ونقلها من الورق الأصفر‏,‏ لكتب التراث إلي الورق الأبيض في أبحاثهم بلا رؤية‏,‏ أو موقف علمي من موضوعات دراساتهم‏,‏ لأن هاجس معظم الباحثين في مصر ليس الاضافة الحقيقية للتراكم العلمي بل البحث عن الترقية‏,‏ واستمر الحال بي هكذا أكتب وأنشر في مجال الفكر العربي والاسلامي حتي تقدمت للترقية في‏2005‏ وأخبرني أحد الزملاء صراحة انني سأرسب في امتحان الترقية وان اللجنة ستطلب مني كتابة بحثين في الفلسفة الاسلامية القديمة‏,‏ وكأنه كان يعرف شيئا وبالفعل ذهبت للامتحان الشفاهي‏,‏ وقال لي د‏.‏حسن حنفي‏:‏ لقد قمت قراءة جديدة لبعض الموضوعات في الفكر العربي‏,‏ وعليك ان تقدم قراءة جديدة لموضوعات الفلسفة الاسلامية القديمة وكان الأمر بالنسبة لي يمثل تحديا كبيرا واخترت أن أطبق المنهجية التاريخية الاجتماعية علي قراءة التراث العربي‏,‏ وذلك في بحثي المعنون‏(‏ نقد الفقهاء لعلم الكلام بين حراسة العقيدة وحركة التاريخ‏),‏ وأهديت الكتاب إلي روح الشيخ أمين الخولي الذي تأثرت كثيرا في أعمالي بمنهجيته‏,‏ ومنهجية المفكر الرائد محمود اسماعيل‏,‏ وبعد قراءتي للقديم ببنائه النظري القوي والبحث فيه‏.‏
‏*‏ أصدرت كتابا مهما بعنوانين مختلفين الأول كان‏(‏ الجذور العلمانية في الفكر التجديدي عند أمين الخولي‏),‏ ثم تغير العنوان إلي‏(‏ الاسلام العقلاني‏),‏ ما هي قصة الكتاب؟ ولماذا غيرت العنوان وما هي أهمية الخولي في قراءة التراث؟
‏**‏ تعرفت إلي فكر الشيخ أمين الخولي عندما كنت أعد رسالة الماجستير وكتبت عنه شيئا جزئيا في الرسالة موضحا أثر نظرية التطور علي الفكر التجديدي عنده‏,‏ وكان لتتلمذي غير المباشر علي يد حفيدته الدكتورة يمني طريف الخولي أثره البارز في اهتمامي به وبعد انتهائي من الحصول علي الدكتوراه‏,‏ جمعت مادة علمية كبيرة عن الشيخ‏,‏ وقررت أن أقدم قراءة جديدة عنه في نهاية‏2003,‏ وذلك من منطلق هم معرفي بسبب متابعة حالة الصراع بين النخب العلمانية والليبرالية من ناحية والنخب الاسلامية من ناحية أخري‏,‏ فكل طرف له عقيدة وتوجه مغلق‏,‏ وفي حالة شقاق وصراع دائم‏.‏
وكان السؤال الذي يلح علي ذهني‏:‏ هل يمكن بناء جسور بين الاسلام والعلمانية؟ هل يمكن رأب الصدع بينهما؟ هنا كانت قراءة الخولي فاعلة‏,‏ وبدا لي أنه يمكن معالجة هذه القضية من خلال فكره وصدر الكتاب في‏2004‏ بعنوان‏(‏ الجذور العلمانية في الفكر التجديدي عند أمين الخولي‏),‏ وفيه كشفت عن الأرضية المشتركة بين الاسلام والعلمانية‏,‏ وعن أثر نظرية التطور في الفكر التجديدي عند الخولي‏,‏ ومدي تركيزه في قراءة الكليات الإسلامية العامة في ضوء متغيرات العصر‏,‏ وأن علي الفكر الإسلامي المعاصر أن يراعي أثر البيئة والمكان والزمان وتطور المجتمع في تجديده للخطاب الديني‏,‏ ولذا ربط الخولي بين التجديد الديني والتطور‏,‏ وكان هناك أثر واضح لمدرسة شبلي شميل وسلامة موسي واسماعيل مظهر علي فكر الخولي‏,‏ كذلك أعطي أمين الخولي الأولوية للمتعين علي الغيبي‏,‏ وللعقل علي الشرع‏,‏ وكان حريصا علي أن يقدم قراءة اجتماعية للإسلام‏,‏ وتناول بعض الكتاب عملي بالنقد والتعرض له في الصحف‏,‏ وكان أهم الاتهامات التي تعرض لها العمل أنه قراءة ايديولوجية وموجهة‏,‏ ولم يستحسن البعض مصطلح الجذور العلمانية‏,‏ ولذا فحين قمت باعادة نشر الكتاب كان صاحب دار النشر يريد أن ينشر الكتاب بعنوان‏(‏ الإسلام العلماني‏),‏ ولكنني فضلت أن أسميه‏(‏ الإسلام العقلاني‏)‏ باعتبار أن العلمانية تعني في أحد وجوهها العقلانية‏,‏ لأن مصطلح العلمانية تم تشويهه كثيرا من قبل أصحاب التوجهات الدينية‏,‏ وكانت أهمية أمين الخولي بالنسبة لي أنه وأستاذه محمد عبده يمثلان امتدادا للمعتزلة مدرسة العقل في الإسلام‏.‏
‏*‏ ماذا تقصد بتشويه العلمانية؟
‏**‏ إن التشويه الذي حدث لمصطلح العلمانية حدث من خلال التناول المغلوط له لدي أصحاب التيارات الإسلامية‏,‏ حيث وسموا العلمانية بالكفر والإلحاد‏,‏ وأنها تعني فصل الدين عن السياسة‏,‏ وامتد الأمر إلي النظر لدعاة النخب الليبرالية والعلمانية علي أنهم امتداد للغرب وعملاء له‏,‏ وأصبح الفصيل الإسلامي يشوه جميع النخب الليبرالية والعلمانية بدعوي أنهم ضد الإسلام‏,‏ متجاهلين أن هؤلاء النخب مغايرون للنخب العلمانية الغربية‏,‏ وهنا ينبغي أن نقف أمام كتاب الدكتور عبدالوهاب المسيري‏(‏ العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة‏)‏ يؤكد المسيري أهمية دور الدين في البناء الروحي للانسان‏,‏ ولكنه يقبل من العلمانية أهمية فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية‏,‏ وانا اؤكد ان النخب العلمانية والليبرالية في العالم الإسلامي مختلفة في علمانيتها عن النخب الغربية‏,‏ وأنها تعي جيدا أهمية دور الدين في تشكيل العقل الجمعي‏,‏ وفي صياغة مجمل الممارسات الاجتماعية لمجموع المجتمع ككل‏.‏
‏*‏ هل يمكن وصف الإسلام كما يحلو للبعض بالدين العلماني استنادا إلي أنه دين يصالح الدنيا وليست له سلطة دينية علي السياسة؟
‏**‏ ليس للعلمانية في القاموس السياسي الغربي تعريف محدد‏,‏ فالعلمانية تعني الدنيوية أي العناية بشئون الدنيا‏,‏ وتعني العقلانية‏,‏ وتعني النسبية في المعرفة وفي النظرة للعالم ككل‏,‏ وتعني بأهمية الزمن في إدراك الأشياء‏,‏ وتعني العناية بالرجل‏(‏ العادي‏)‏ رجل الشارع‏,‏ والعلمانية تعلي من أهمية العالم في تنظيم شئون الحياة‏,‏ كما تعني فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية‏,‏ تلك هي التعريفات المتعددة والمختلفة للعلمانية‏,‏ وإذا جئنا للإسلام نجد أنه دين أخذ علي عاتقه العناية بشئون الدنيا‏,‏ فالحديث النبوي يقول‏:‏ إذا قامت القيامة وفي يد احدكم فسيلة ان استطاع أن يغرسها فليغرسها‏,‏ كما ان الإسلام اكثر الأديان اعلاء لمقام العقل والعلم‏,‏ كما انه الدين الذي يركز علي المادي والكوني والطبيعي حتي يصل إلي آفاق الغيبي واللامادي‏,‏ وقد راعي الإسلام أهمية الزمن والبيئة وتغير ظروف المجتمع في كل شيء‏,‏ كما ان الإسلام لم يلغ كل ما قبله حيث أبقي علي العديد من العادات الموجودة قبل الإسلام‏,‏ وكان هناك تدرج في التشريع‏,‏ فنزل حكم تحريم الخمر علي أكثر من مرحلة‏,‏ كما أن اجتهادات الفقهاء عبر التاريخ الإسلامي اختلفت باختلاف الزمن والبيئة والمجتمع‏,‏ ففقه الشافعي في مصر اختلف عن فقهه في العراق‏,‏ كما أن الليث بن سعد اهتم في فقهه بالعادات والتقاليد والأعراف في عملية التشريع‏,‏ والإسلام ليس فيه سلطة كهنوتية لرجال الدين‏,‏ فالإسلام لا يتعارض مع جوهر تعريفات العلمانية‏,‏ ويحق لنا أن نقول إنه دين علماني‏,‏ ودين عقلاني‏.‏
فعلي الإسلاميين الآن أن يطوروا خطابهم بما يسهم في تقديم هذا الوطن العظيم ليكون اسلامنا كاسلام الاتراك والماليزيين الذين نجحوا في الربط بين الدين والحداثة‏,‏ وليس إسلام طالبان‏,‏ وعلي المتطرفين من العلمانيين ان يعوا أنه من المستحيل تجاوز دور الدين في المجتمع‏,‏ ينبغي أن تكون هناك جذور مشتركة بين أبناء الوطن الواحد‏,‏ وعليهم ان يتذكروا جيدا ان الإسلام في المسألة السياسية جاء بكليات عامة مثل الشوري‏,‏ والعدالة‏,‏ والتكافل لكنه لم يتحدث عن آليات تطبيق هذه المبادئ‏,‏ ولم يحدد شكل الدولة أو صورتها‏,‏ ولا طريقة التعاقد بين الحاكم والمحكوم‏,‏ ولذلك فلا بديل عن توظيف الآليات التي جاءت في النظرية السياسية الحديثة في تطبيق قيم الإسلام‏,‏
‏*‏ هل تعني ان الشوري بحاجة إلي الديمقراطية لكي تتحقق؟
‏**‏ الشوري مبدأ عام غير ملزم للحاكم‏,‏ وكان عمر خلافة البيعة والشوري محدودا جدا إذا قيس بعمر خلافة القهر وفرض الأمر الواقع التي سادت في معظم فترات التاريخ الإسلامي‏,‏ ولكن الديمقراطية لها آليات للانتخاب وملزمة للمجتمع ككل‏,‏ فالكليات الإسلامية العامة في مسألة الحكم ترك لنا الوحي تنزيلها علي مسار الواقع وفقا لظروف كل مجتمع‏,‏ فالفرس هم من قاموا بتنزيل هذه المبادئ وفقا لتراثهم السابق علي الإسلام‏,‏ وهم من أرسوا دعائم الدواوين والوزارة في تاريخ الإسلام‏,‏ فلامناص لدينا من توظيف آليات الديمقراطية الغربية‏,‏ لأنه ليست لدينا الآن نظرية سياسية يمكن ان نحكم من خلالها‏.‏
‏*‏ ما تقول به يشي بعقلانية لها جذورها في التاريخ الإسلامي ما يجعلنا نعود إلي المعتزلة الذين قدموا رؤي انسانية كيف تراها في عصرها‏,‏ ولماذا فشل المعتزلة في فرض مشروعهم؟
‏**‏ المعتزلة هم من أسسوا مدرسة العقل في الإسلام‏,‏ والغريب أن معظم أقطاب هذه المدرسة من الموالي‏,‏ وهذا أمر ينبغي أن يدرس‏,‏ ويبحث في أسبابه ودواعيه‏,‏ وقد بدأت المعتزلة مدرسة فكرية خالصة في العهد الأموي الذي تمت فيه تصفية جميع طوائف القدرية والجبرية الأوائل الذين كانوا يخرجون علي بني أمية‏,‏ ولم يكن لأعلام المعتزلة في تلك الفترة أي صوت ضد الدولة‏,‏ ولكن بعد سقوط الأمويين بدأ اعلام المعتزلة يعلنون نقدهم للعهد الأموي‏,‏ وارتبط أعلام منهم بخلفاء الدولة العباسية مثل علاقة عمرو بن عبيد المعتزلي وأبي جعفر المنصور‏,‏ وتربية المأمون علي أيدي أعلام المعتزلة‏,‏ ثم ترسيم مذهب المعتزلة كمذهب رسمي للدولة في عهد المأمون والمعتصم والواثق‏,‏ حيث تم فرض المذهب بقوة السياسة‏,‏ وصار المعتزلة الذين بنوا مذهبهم علي حريةالانسان يفتشون في عقائد الناس‏,‏ ويمارسون القهر والاستبداد‏,‏ وكان ذلك هو السبب في نهايتهم بعد ذلك‏,‏ فمع عهد المتوكل قام الحنابلة بحرق كتبهم‏,‏ وللأسف الشديد فإن معظم كتب المعتزلة فقدت‏,‏ وما تم الحفاظ عليه كان علي ايدي الشيعة الذين تأثرت عقائدهم كثيرا بالمعتزلة‏.‏
‏*‏ وهل يمكن استعادة فكر او نهج المعتزلة العقلاني لا السلطوي الآن؟
‏**‏ أعتقد ان السؤال ينبغي ان يكون كالتالي‏:‏ هل يمكن احياء تيار العقل في حياتنا المعاصرة في ظل غلبة تيار النقل وسلطة النص‏,‏ واقول‏:‏ نعم يمكن احياء تيار العقل الذي حمل لواءه الامام محمد عبده والشيخ أمين الخولي‏,‏ وطه حسين‏,‏ ونصر أبوزيد‏,‏ لكن المشكلة أن ازدهار العقلانية مرهون بمناخ من الحرية والتسامح‏,‏ واللافت ان تيار العقل في ثقافتنا المعاصرة في فترة الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي كان أكبر بكثير من فترة ما بعد الاستعمار بسبب وجود الحرية والتسامح في مصر في تلك الفترة‏,‏ وينبغي ان نعي أن مغامرة العقل قد تصيب وقد تخطئ‏,‏ وفي جو الحرية والتسامح لن يتم تكفير أي عقل يفكر حتي لو أخطأ‏,‏ وبالمقابل ففي سيادة روح التعصب‏,‏ والعنف هناك خوف دائم من سيف التكفير والإقصاء لكل عقل يخرج عن منطق السائد‏,‏ وفي زمن المد السلفي والنصي سيكون هناك تراجع لتيار العقل في حياتنا‏.‏
‏*‏ ولكن نظرية الخولي في القراءة الأدبية للقرآن أدت في عصر الاستعمار‏(1947)‏ إلي ثورة عارمة مع تقدم تلميذه محمد أحمد خلف الله برسالته حول الفن القصصي في القرآن كيف تقرأ هذا الجدل‏,‏ ولماذا اشتعل مجددا مع تلميذ آخر هو نصر حامد أبوزيد؟
‏**‏ التفسير الأدبي للقرآن الذي دعا اليه الشيخ أمين الخولي‏,‏ من أشد أنواع التفاسير إثارة للجدل‏,‏ لأنه يريد أن يتعامل مع القرآن كنص أدبي يخضع لمنهجيات دراسة النصوص وهو ما يعني اخضاع النقل للعقل‏,‏ ولما طبق الخولي منهجه لم يثر مشكلات كبري‏,‏ لأنه كان يقدم قراءة تاريخية للنص من ناحية‏,‏ ثم يعود ليقدم قراءة أخري لكليات الإسلام في ضوء مستجدات العصر‏,‏ وهذا ما بدأ واضحا في كتاباته مثل‏(‏ في أموالهم‏)‏ و‏(‏في رمضان‏)‏ و‏(‏القادة والرسل‏),‏ ولكن المشكلة مع تلاميذه أن منهجيته التحمت لديهم بالمنهجية الماركسية سواء عند خلف الله‏,‏ أو نصر حامد أبوزيد‏,‏ فذهب خلف الله إلي دراسة الفن القصصي في القرآن وفقا لمعايير البلاغة والتصوير الفني موضحا أثر ذلك علي نفسية المتلقي‏,‏ وذهب إلي أن الروايات التاريخية التي جاءت في القرآن ليس بالضرورة أن تكون صحيحة من الناحية التاريخية‏,‏ وهو ما قد يعني نزع القداسة عن القرآن‏,‏ وامتد الأمر مع أبي زيد ليتخذ من منهجية أمين الخولي الطريق إلي التركيز علي تاريخيه النص وهو ما يعني تثبيت النص القرآني عند مرحلة تاريخية ثابتة‏,‏ وهذا ما قد يترتب عليه انتفاء كون القرآن صالحا لكل زمان ومكان وفقا لأصحاب التوجهات الدينية‏,‏ وللأسف قد يبدو الهدف الأول لدي بعض دعاة الحداثة أحيانا نزع القداسة عن القرآن‏,‏ وهذا يبدو واضحا في أعمال محمد أركون وأعمال الجابري المتأخرة عن‏(‏ القرآن‏)‏ وغيرها من القراءات الحداثية عن القرآن‏.‏
‏*‏كيف تقرأ صعود التيارات السلفية بعد ما يسمي بالربيع العربي؟
‏**‏ يعود صعود التيارات الدينية بعد الربيع العربي إلي أسباب عديدة‏,‏ أولها‏:‏ العمق التاريخي لبعض هذه التيارات وخاصة الإخوان المسلمين‏(‏ الحركة الأم‏)‏ التي خرج من عباءتها معظم الحركات‏,‏ وتوحد الرابطة الدينية هذه الجماعات حيث لا مسافة بين الفكر والمعتقد‏.‏
ثانيا‏:‏ إخفاق المشاريع العلمانية والقومية في معظم أرجاء العالم العربي‏,‏ وأصبح لدينا قطاع عريض من الجماهير يتكلم بمنطق‏:‏ لقد جربنا كل شيء فلم لا نعطي الاسلاميين الفرصة‏.‏
ثالثا‏:‏ لم تعط النظم الاستبدادية في العالم العربي التي كانت تحكم بمنطق الحزب الواحد سواء كان هذا الحزب هو البعث في العراق وسوريا‏,‏ أو الحزب الوطني في مصر الفرصة لقيام مؤسسات قوية يمكن أن تسد الفراغ في حالة حدوث أي انهيار للنظام‏,‏ وحينما انهارت هذه النظم لم يكن هناك سوي الجماعات الدينية التي تملك القدرة علي الحشد والتجييش والتمويل‏,‏ ولكن هذه الجماعات أصابها التشويه مما تعرضت له من قبل النظام السابق من سجن وقهر‏,‏ وهذا سيجعل تصرفاتهم في الممارسة السياسية علي محك التقييم والكشف وربما الفضح‏.‏
رابعا‏:‏ تمتلك هذه الجماعات قدرة علي التواصل مع الفقراء والمهمشين والأميين في مصر وهؤلاء يمثلون أكثر من حوالي نصف الشعب وبالمقابل نجد العجز الواضح لأصحاب الأحزاب الليبرالية واليسارية في التواصل مع الشارع‏,‏ وكذلك فإن خطاب الجماعات الدينية لجموع الشعب من الكتلة المحايدة خطاب ديني عاطفي قد ينجح لفترة ولكنهم إذا امتلكوا السلطة وفشلوا لغياب البرنامج السياسي والاقتصادي فاعتقد أن البطون الجائعة والنفوس العاطلة ستسقطهم في حال اخفاقهم‏.‏
‏*‏ تقوم فكرة التيارات الدينية علي احتكار الحقيقة واقصاء الآخر كيف تري ظاهرة إقصاء الآخر وهل هي مشكلة جوهرية في ثقافتنا؟
‏**‏والإقصاء هو الابعاد والتهميش‏,‏ وهو موجود في كل الثقافات والأديان‏,‏ وفي ثقافاتنا يوجد الإقصاء كممارسة دينية واجتماعية وسياسية‏,‏ ففي اللحظة التاريخية الراهنة نجد أصحاب التوجهات الدينية يريدون إقصاء العلمانيين وتهميش دورهم في المجتمع‏,‏ وحين كان العلمانيون يملكون أزمة الأمور كانوا يهمشون دور الإسلاميين‏,‏ ولكن المشكلة الكبري في إقصاء أصحاب التيارات الدينية للنخب الليبرالية والعلمانية يتم باسم الدين‏,‏ والإقصاء نتيجة صراع المذاهب والمعتقدات الدينية والفكرية المغلقة‏,‏ فاصحاب هذه المذاهب المغلقة يرون انهم علي حق مطلق والآخرون علي ضلال مطلق‏,‏ ولكن أشد أنواع الاقصاء هو الاقصاء ذو الصبغة الدينية حيث لا يقوم كل طرف بإقصاء المذهب الآخر المغاير فقط بل يقوم بتكفيره‏,‏ ما قد يعني اهدار دم أصحاب المذاهب‏,‏ وقد حدث ذلك بين أصحاب الأديان‏,‏ وداخل الدين الواحد بين أصحاب المذاهب‏.‏
‏*‏ هل تري أن الاقصاء الذي مارسته الأنظمة الاستبدادية كنظام مبارك علماني أم كان ذا صبغة دينية وعسكرية؟
‏**‏ أعتقد أن الاقصاء في عهد مبارك كان ذا صبغة عسكرية أولا حيث كرس النظام السابق ما يمكن تسميته عسكرة كل المؤسسات المدنية‏,‏ وإقصاء كل الكفاءات المدنية‏,‏ وكذلك كان الإقصاء دينيا فأنت حينما تحاصر الحركات الدينية‏,‏ وتسجنها وتعذبها‏,‏ إنما يعود ذلك من الخوف من قراءتها المختلفة للدين‏,‏ ولكن النظام كان يقصي الإخوان وحركات الجهاد‏,‏ ولكنه لم يتعرض كثيرا للسلفيين والمتصوفة‏,‏ حيث كان يري أنه لا خوف منهم‏,‏ وكانت هناك علاقة بين أعلامهم وبين الأجهزة الأمنية والرسمية في الدولة‏,‏ وعلي الرغم من الحصار الذي تعرضت له هذه الحركات فإنها الأقرب لامتلاك الشارع‏,‏ والقدرة علي توجيهه‏,‏ وقد سهل ذلك تراجع دور الأزهر‏,‏ وتردي التعليم الديني فيه‏.‏
‏*‏ ولماذا يخاف المتدينون الآن من الفلسفة؟
‏**‏ أعتقد أن ذلك نابع من سيطرة الفكر السلفي الذي يسيطر منذ فترة علي المشهد الثقافي العربي‏,‏ فحيث يسود هذا الفكر فلا يمكن أن يوجد فكر فلسفي‏,‏ لأن الفكر يقيد حدود العقل‏,‏ ويوسع دائرة النقل‏,‏ ولذلك فهذا الفكر يعمق دائرة الرواية وليس الدراية‏,‏ ولذلك لامكان للفلسفة في دول الخليج‏,‏ وتراجع دورها في مصر مع المد السلفي وأعتقد أن الخوف من الفلسفة لدي أصحاب السلطة السياسية أو السلطة الدينية يعود الي أن انتشار العقلانية ليس في صالح استمرار هذه النظم‏,‏ لأن العقل لا يقبل وصاية من أحد‏,‏ ويكفي أن نعي أن الشباب الذي حرك المياه الراكدة في الوطن العربي‏,‏ كانوا علي قدرة فائقة في استخدام الوسائط الإعلامية‏,‏ والاتصال الحديث‏,‏ لأنهم فتحوا عقولهم ليعيشوا حضارة العصر بلغته بلا سلطة من أحد‏.‏
‏*‏ هل تري أن هذا الخوف تمثيل للصراع التاريخي بين امتلاك اليقين وبين الشك أو بين التساؤل والأجابات الشاملة التي تروجها التيارات الدينية؟
‏**‏ أعتقد أن هذا صحيح لأن العقل ومدرسته لا يرضخ بسهولة للاجابات الشاملة المطلقة التي يقدمها رجال الدين‏,‏ فرجل الدين يأمر أتباعه بالطاعة‏,‏ ورجل السلطة يأمر المحكومين بالطاعة‏,‏ ولذا فإن رجال الدين يسهلون لرجال السياسة مهامهم‏,‏ وما يعجز عنه السياسي يستطيع أن يقوم به رجل الدين‏,‏ ولكن أصحاب التفكير العقلاني يضعون أوامر رجل الدين ورجل السياسة علي محك التقييم العقلاني النقدي ويحاكمونها بمنطق العقل ومن ثم فهم خطر علي السلطتين‏.‏
‏*‏ ما حدود علاقة المثقف بالسلطان؟
‏**‏ كانت علاقة المثقف بالسلطة في الحضارة العربية في الأغلب الأعم محصورة بين نمطين‏:‏ إما مثقف يسير في ركب السلطان‏,‏ ويحصل علي المكتسبات المادية والمعنوية‏,‏ وهناك قطاع عريض من المثقفين والفقهاء في تاريخ الحضارة الإسلامية ساروا في ركب السلطان‏,‏ ومنهم من وظف السلطة في ترسيم مذهبه العقائدي كمذهب رسمي في الدولة الإسلامية كما فعل المعتزلة ابتداء من عهد المأمون وانتهاء بعهد الواثق‏,‏ وبقدر ما يمنح القرب من السلطان ميزات‏,‏ فإن انقلاب السلطة علي المثقف‏,‏ قد يؤدي الي ضياع جهود المثقف كما حدث من حرق لتراث المعتزلة حينما تخلت السلطة عنهم‏,‏ وكذلك عاش ابن رشد طبيعة العلاقة المتوترة مع السلطان‏,‏ وهناك النمط الثاني الذي شهد سلطة للفقهاء علي العوام أكبر بكثير من سلطة السياسة‏,‏ ولذلك تعرض الفقهاء من النمط‏,‏ ويملكون الاستقلال عن السلطان للعديد من المحن‏,‏ وعرض أبوالعرب التميمي لمحن العلماء في كتابه‏(‏ المحن‏),‏ وهي محن لعلماء وفقهاء قالوا‏(‏ لا‏)‏ للسلطة‏,‏ ولكن الغالب في التاريخ الإسلامي هو وجود فقهاء للسلطان يبررون له ممارساته حتي لو كانت شديدة الاستبداد‏,‏ وما الآداب السلطانية إلا نمط من خدمة الفقيه للسلطان ليظهره كظل الله علي الأرض‏,‏ وأنه الوسيط بين الله والرعية‏,‏ وأن السلطان هو الذي يغير حركة التاريخ‏,‏ وأن الرعية مجرد وعاء يمارس فيها سلطته‏,‏ وتتحرك كما يحرك الراعي الأغنام‏,‏ ويعلم هؤلاء السلطان كيف يزرع الخوف في قلوب الرعية‏,‏ وكيف يستبد برعيته‏,‏ وكيف يرسخ الطاعة في قلوبهم إن فقهاء السلطان هم من كرسوا الاستبداد في ثقافتنا قديما وحديثا وأوهموا الحاكم أنه لا يخطئ لأنه ظل الله علي الأرض‏,‏ وكشفت ذلك في كتابي الأخير‏(‏ دولة السلطان‏:‏ جذور التسلط والاستبداد في التجربة الاسلامية وعلي أصحاب التوجهات الاسلامية الذين يتكلمون عن الحكم الاسلامي الآن استنادا الي التاريخ أن يقرأوا التاريخ الإسلامي جيدا‏,‏ لأن الممارسة السياسية الإسلامية أمتلأت بالعنف والدماء والاستبداد‏,‏ فقد قتل ثلاثة من الخلفاء الراشدين‏,‏ وكانت فتراتهم أشد فترات الإسلام قوة‏,‏ دع عنك ما مارسه الخلفاء بعد الخلافة الراشدة من عنف‏.‏
‏*‏ وما هو دور الدين في المجتمع هل هو أفيون الشعوب كما رأي ماركس أم ملح الحياة كما يري الإسلاميون؟
‏**‏ الدين في الشرق ركن أساسي لأي نهضة‏,‏ والواقع أن بعث الأنبياء في الشرق له رمزية ودلالة كبري‏,‏ وقد تجذر الدين في نسيج المجتمع بحيث لا يمكن تجاوز الدين في أحداث أي نهضة‏,‏ فالدين في ذاته باعث علي النهضة والتقدم اذ يحمل منظومة من القيم الأخلاقية الايجابية عن الحرية والعدالة‏,‏ والحث علي العمل‏,‏ واعمار الحياة‏,‏ فالدين هو الركن الرئيسي في البناء الروحي للإنسان‏,‏ ولكن الدين مجموعة من النصوص يوجهها الفقهاء بتفسيراتهم المختلفة‏,‏ فالفقهاء يتوسطون بين النص والممارسة الواقعية‏,‏ وقد يوجهون النص الي الاستبداد والجمود ويطلبون طاعة الحاكم بمنطق طاعة الله والرسول وأولي الأمر‏,‏ ويكرسون لطاعة الحاكم حتي لو كان ظالما‏,‏ حاكم غشوم ولافتنة تدوم‏,‏ والعيش في ظل حاكم ظالم ألف عام أفضل من العيش بلا حاكم يوما واحدا‏,‏ هنا يتحول الدين عبر الفكر الذي ينتجه الفقهاء الي إدارة لتسكين الشعوب‏,‏ وللاستبداد‏,‏ ولكن الدين نفسه قد يتحول‏,‏ الي طريق للنهضة عبر الفكر المستنير‏,‏ الذي يركز علي أهمية العمل‏,‏ واحترام الإنسان‏,‏ وعلي المقاصد العامة للشريعة‏,‏ فعلي سبيل المثال لماذا كان الإسلام أحد عوامل النهضة‏,‏ والتقدم في ماليزيا وتركيا؟‏,‏ وللأسف فإن معظم التيارات الإسلامية في العالم العربي تعاني حالة فصام واضحة‏,‏ فأصحاب التوجه السلفي هم أصحاب فكر عدم الخروج علي الحاكم ولو جلد ظهرك‏,‏ وهم أصحاب تكفير الديمقراطية باعتبارها سلعة غربية‏,‏ وهم أنفسهم الذين اكتسبوا واقعا جديدا بسبب شهداء الثورة‏,‏ وبسبب الديمقراطية الكافرة أي منطق هذا؟ وفي النهاية فإن واقع الخطاب الديني في مصر والعالم العربي مزر‏,‏ لأن هذا الخطاب مازال يتبع الجانب المشوه من تراثنا وثقافة الأسلاف‏,‏ فمتي ندرك أننا نعيش واقعا تاريخيا مغايرا‏,‏ وعلي الفقهاء أن ينتجوا لنا خطابا دينيا مستنيرا ينهض بالأمة وليس خطابا رجعيا‏,‏ ينشر عبر الفضائيات في اتجار بالدين وتحويله الي أداة الثروة وتحصيل المال‏,‏ وأصبح الدعاة الجدد عبر الإعلام نجوما يشاركون في تزييف وعي الشعب‏,‏ وللأسف تراجع الدور التاريخي للفقهاء الحقيقيين بتراجع دور الأزهر‏.‏


إضافة تعليق

البيانات مطلوبة

اسمك
*


بريد الالكترونى *
البريد الالكتروني غير صحيح

عنوان التعليق *


تعليق
*


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.