مهنئا عمال مصر بعيدهم، أمين البحوث الإسلامية: بجهودكم يتعزز الاستقرار ومسيرة البناء    بنك القاهرة يشارك في فعاليات اليوم العربي للشمول المالي    وزير «التموين» يُصدر حركة تنقلات وتعيينات موسعة في 13 محافظة    محافظ القليوبية يفتتح أعمال تطوير المركز التكنولوجي بقرية "ميت حلفا" بقليوب    بحث إنشاء مركز مصري روسي للدراسات البحرية    رئيس هيئة الأركان الأمريكى: يجب أن يكون جيشنا مستعداً للردع    مسئول لبنانى: إسرائيل تستهدف الجيش اللبنانى أثناء إنقاذه مواطنين على الحدود    رئيس وزراء فلسطين يبحث مع شبكة المنظمات الأهلية الأوضاع في غزة    توروب يفضل محمد الشناوي على شوبير في مباراة القمة    الحلقة السادسة|فيفا في مرمى السياسة.. من يحدد مصير مشاركة المنتخبات في زمن الأزمات؟    مصرع شخصين وإصابة ثالث فى مشاجرة بجرجا سوهاج    مصرع وإصابة 4 أشخاص في اصطدام ميكروباص بعمود إنارة بالفيوم    تأجيل محاكمة المتهم بقتل مهندس كرموز في الإسكندرية ل24 مايو لفحص تقرير اللجنة الثلاثية    تحرك فوري لدرء خطورة مئذنة مسجد جوهر المعيني بالقاهرة    وزير الأوقاف يهنئ عمال مصر: «العمران ثلث الدين»    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : عم (على) " حكاية "!?    محافظ الدقهلية ومحافظ الشرقية يفتتحان مؤتمر الشرقية لأمراض الكلى بنادي جزيرة الورد بالمنصورة    عبدالرحيم علي: الاقتصاد الإيراني يخضع لحصار بحري مضاعف منذ تصعيد 2025    سعر الذهب اليوم الخميس 30-4-2026.. تحديث لحظة بلحظة    16 صورة ترصد حفل عيد العمال وتكريم السيسي للقيادات النقابية    كامل الوزير: 1.7 مليار يورو تكلفة المرحلة الأولى ل مترو الإسكندرية    الإسكندرية الدولى للفيلم القصير من فعالية فنية إلى ظاهرة ثقافية    طريقة عمل كبدة الفراخ لغداء سريع التحضير واقتصادي آخر الشهر    القبض على عاملين بتهمة التعدى على ربة منزل ووالدتها بكفر الشيخ    مصطفى الشهدي يجري جراحة الرباط الصليبي الاثنين المقبل    فتح باب التقديم لمسابقة التعاقد مع 8000 معلم بالأزهر    مايو المقبل.. انطلاق مهرجان «البريكس السينمائي الدولي لأفلام الطلبة» بالقاهرة    سعر الجنيه السوداني مقابل الدولار في بنك الخرطوم المركزي اليوم الخميس    وزير التعليم العالي: تحقيق إنجاز علمي بنشر نتائج أضخم دراسة بحثية للتسلسل الجيني    فيلم إذما يطرح إعلانه الرسمي    رياضة مطروح تبحث تطوير الأنشطة وتنمية الموارد    الطقس غدا.. ارتفاع جديد فى الحرارة وشبورة صباحا والعظمى بالقاهرة 31 درجة    خالد الجندى: اختيار الأفضل فى الطاعات واجب شرعى    بتهمة التزوير.. تأجيل محاكمة موظفى الشهر العقارى بالبحيرة لجلسة 23 يونيو    «صناع الحاضر وبناة المستقبل».. السيسي يشاهد فيلم تسجيلي في حفل عيد العمال    محافظ الشرقية يشهد فعاليات القافلة الطبية المجانية بمركز شباب بردين    «الأعلى للإعلام»: اعتماد قرارات إدارة «صدى البلد» بشأن إحدى فقرات «أنا وهو وهي»    ليفربول يطلق تصويتًا لاختيار أفضل 10 أهداف في مسيرة محمد صلاح قبل وداعه المرتقب    غذاء وأدوية.. الهلال الأحمر المصري يطلق قافلة مساعدات جديدة إلى غزة    ضبط 8 أطنان دقيق في حملات مكثفة لمكافحة التلاعب بأسعار الخبز    عبدالعاطي يشدد على جهود دعم ثوابت السياسة الخارجية المصرية    موعد وقفة عرفات وعيد الأضحى 2026.. الحسابات الفلكية تكشف التفاصيل الكاملة    رئيس الوزراء يقرر منح الجنسية المصرية ل 48 شخصًا    أوبلاك يشيد بالحكم ولا يتخوف من مواجهة آرسنال في لندن    تحت رعاية وزارة الثقافة.. ليلة رقص معاصر تنطلق ب" كتاب الموتى" | صور    رجال طائرة الأهلي يواجه الفتح الرباطي المغربي في ربع نهائي بطولة إفريقيا    "لا يوجد مكان آمن".. تقرير أممي: أزمة النزوح في لبنان كارثية    الصحة: فحص 2.127 مليون طالب بالصف الأول الإعدادي للكشف المبكر عن فيروس سي    قرارات استراتيجية جديدة لمجلس إدارة هيئة الرعاية الصحية | تفاصيل    تزامنا مع عيد العمال.. الأوقاف: العمل والسعي طريق بناء الحضارات    انطلاق الجولة الثامنة من مجموعة الهبوط بالدوري الأحد.. وصراع مشتعل للهروب من القاع    أميرة النشوقاتي: النساء العاديات مصدر الإلهام الحقيقي في «المقادير»    المركز القومي للمسرح ينعى الموسيقار الراحل علي سعد    وزير «التخطيط» يبحث مع البنك الدولي تطورات إعداد استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر    جيش الاحتلال: توقيف 21 سفينة من أصل 58 في الأسطول المتجه إلى غزة    الأرصاد تحذر: شبورة كثيفة وطقس متقلب اليوم الخميس على أغلب الأنحاء    جدول امتحانات الصف الثالث الإعدادي 2026 محافظة الإسكندرية الترم الثاني    يسرا ودينا الشربيني في العرض الخاص لفيلم The Devil Wears Prada 2.. صور    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تحليلات سياسية
سيناريو برقة‏:‏ الكيانات المستقلة علي الحدود العربية‏-‏ الإفريقية
نشر في الأهرام المسائي يوم 09 - 03 - 2012

أثار إعلان زعماء ليبيين منطقة برقة شرقي ليبيا إقليما اتحاديا فيدراليا‏,‏ يتمتع بحكم ذاتي‏,‏ مخاوف من أن ثمة قابلية لظهور سيناريو الكيانات المستقلة علي خط الحدود العربية الإفريقية التي تعاني دولها من فجوات تنموية وسياسية واجتماعية بين الأقاليم‏.‏وبرغم أن الموقعين علي إعلان برقة أكدوا تمسكهم بوحدة الدولة‏,
‏ إلا أنهم اعتمدوا دستور الاستقلال الصادر في‏1951‏ عندما كانت ليبيا مملكة اتحادية تتألف من ثلاث ولايات هي طرابلس وبرقة وفزان ويتمتع كل منها بالحكم الذاتي‏,‏ وهو ما اعتبره البعض يطرح احتمالات لتحقق سيناريو التقسيم في ليبيا بعد الإطاحة بالقذافي‏.‏
علي أن إعلان برقة‏,‏ لن تقتصر تفاعلاته علي الداخل الليبي الذي أعلن رئيس المجلس الوطني الانتقالي رفضه لهذا الإعلان واعتبره محاولة لتفتيت الدولة‏,‏ وإنما ستمتد اثار الإعلان إلي الجوار العربي الأفريقي‏,‏ لاسيما في ضوء معطيات جديدة‏,‏ أبرزها إسقاط الأنظمة الديكتاتورية لمصر‏,‏ تونس‏,‏ ليبيا‏,‏ اليمن‏),‏ وتقوية نفوذ التكوينات الإثنية والقبلية‏(‏ الطوارق‏,‏ الأمازيغ‏)‏ في مواجهة دولها‏,‏ وزيادة قوة التنظيمات الدينية العابرة للحدود‏(‏ القاعدة‏),‏ وتغير طبيعة التدخل الدولي في إفريقيا‏,‏ خاصة في الحالة الليبية‏,‏ فضلا عن تفكك السودان إلي دولتين في استفتاء يناير‏2011‏ الذي سبق ربيع الثورات العربية‏.‏
إن مآلات تلك المعطيات قد تصب لصالح سيناريو الدويلة أو الكيانات المستقلة‏,‏ أو حتي جماعات مسلحة متنفذة تسيطر علي منطقة ما‏.‏ فالتفكيك قد يتخذ أشكالا ودرجات مختلفة‏,‏ مستغلا حالة الهشاشة في دول المنطقة التي فشلت في صناعة دولة قومية في مرحلة ما بعد الاستقلال قابلة للبقاء‏,‏ موحدة علي أسس ديمقراطية‏.‏
وما يجعل سيناريو الكيانات المستقلة‏,‏ بدرجاته المختلفة‏,‏ محتملا أن الثورات العربية عمقت معادلة سياسية جديدة في الخط العربي‏-‏ الإفريقي‏,‏ قوامها مجتمعات أكثر قوة‏,‏ وربما شراسة في فعلها السياسي من أنظمتها ودولها‏.‏ إذ إن سقوط أعتي الأنظمة السياسية التي اعتمدت الأداة الأمنية لتكريس استقرارها‏,‏ كمصر وتونس‏,‏ جاء علي يد مجتمعات دأب المحللون في المنطقة علي وصفها بأنها رخوة وسائلة وتكيفت مع آليات التسلط‏,‏ فإذا بهم يفاجأون أن المجتمعات تملك فائضا من الفعل السياسي‏,‏ قد لا تتحمله دولها جراء عمليات القهر‏.‏ ومن هنا‏,‏ فإن تلك المعادلة يمكن أن تتسرب بفعل العدوي إلي الجوار الإفريقي الذي يملك بيئة مهيأة أكثر لجهتي تنامي قوة المجتمع‏,‏ وتراجع الدولة‏,‏ بل واحتمال تفككها‏.‏
ولا يعني السيناريو المحتمل ل الدويلة أو الكيانات المستقلة بالضرورة اليقين بتحقق النظرية الشهيرة حول تقسيم العالم العربي‏,‏ والتي طرحها برنارد لويس‏,‏ علي اعتبار أن الدول أقل تجانسا‏,‏ وأنه يمكن تفتيتها إلي كيانات مجتمعية طائفية ودينية‏,‏ إنما هنالك دائما شروط وقابلية مجتمعية إن تحققتا‏,‏ تحول السيناريو من الكمون إلي الظهور والنضج‏,‏ حتي لو استغرق ذلك عقودا‏,‏ كالحال في جنوب السودان الذي تمرد علي الحكومة المركزية منذ عام‏1955,‏ واستقل في عام‏.2011‏ أي أن الانفصال استغرق أكثر من خمسة عقود تفاعلت فيه عوامل عدة لتحققه‏,‏ تراوحت ما بين السياسات الحكومية المركزية الخاطئة التي أسهمت في تهميش الجنوبيين تنمويا وسياسيا‏,‏ وعوامل دولية وإقليمية ساندت الحق في تقرير مصير الجنوبيين ودفعهم نحو تفكيك السودان إلي دولتين‏,‏ وربما في وقت لاحق إلي ثلاث‏,‏ إذا ما حذت دارفور حذو الجنوب‏.‏
إن السطور القادمة تنطوي علي محاولة لفهم معطيات بدأت تلوح علي الخط العربي‏-‏ الإفريقي‏,‏ إثر الثورات العربية‏,‏ وما إذا كانت يمكن أن تصب في سيناريو الدويلة أو الكيانات المستقلة أو الجماعات التي تسيطر علي مناطق جغرافية‏,‏ دون إيلاء أي اعتبار للدولة المركزية‏.‏
أولا‏-‏ معطيات عربية إفريقية جديدة‏:‏
لا يمكن عزل الجوار الإفريقي عن تأثيرات الثورات العربية‏,‏ لاسيما أن الحالة الليبية التي تمثل أحد أبرز خطوط التماس في العلاقات العربية‏-‏ الإفريقية شهدت تناميا للعامل الخارجي‏,‏ عبر تدخل الناتو والولايات المتحدة لدعم الثوار عسكريا في مواجهة القذافي‏,‏ مما سيخلف تأثيرات ستتجاوز الحدود الليبية‏,‏ سواء باتجاه شمال إفريقيا أو إلي وسط القارة‏,‏ وذلك علي عكس حالتي مصر وتونس اللتين تقزم فيهما العامل الخارجي‏,‏ وإن كانت النظم التي ستنتجها الثورات في البلدين ستلعب دورا في التأثير في الجوار الإفريقي‏.‏كما أن الثورة في اليمن‏,‏ تتماس مع الصومال وإريتريا‏,‏ وستكون لها تداعيات علي منطقة البحر الأحمر‏.‏ ولعل أبرز المعطيات التي خلفتها الثورات العربية علي الجوار الإفريقي‏,‏ هي‏:‏
‏1-‏ التدخل العسكري الدولي في ليبيا‏,‏ حيث إن هذا التدخل‏,‏ بقرار أممي تحت عنوان حماية المدنيين من قصف كتائب القذافي‏,‏ حمل دلالة رئيسية تتمثل في أنه الاختبار الميداني الأول‏,‏ سواء للناتو أو ل قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا‏(‏ أفريكوم‏)‏ في منطقة عربية إفريقية‏,‏ مما ولد مخاوف لدي الجوار الإفريقي من أن ذلك قد يمهد للتدخل في أي شأن إفريقي مستقبلا‏,‏ تحت مسميات عدة لتحقيق المصالح الأوروبية والأمريكية في القارة‏,‏ خاصة ما يتعلق بخطوط النفط والغاز الإفريقي الممتدة من ليبيا إلي تشاد‏,‏ ثم الكاميرون ونيجيريا‏,‏ أو احتواء التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء‏.‏
الدلالة الأخري الأكثر أهمية أن التدخل العسكري الدولي قد يعمق من خطر تقسيم ليبيا إلي ثلاث دويلات في الغرب والجنوب والشرق‏,‏ لاسيما مع وجود رفض في بعض المناطق لهذا التدخل‏.‏كما أن سقوط نظام القذافي بفعل التدخل الدولي‏,‏ لا يعني أن وحدة ليبيا مضمونة‏,‏ حتي لو تحت راية عودة الملكية‏.‏ إذ ثمة فجوات تنموية وسياسية وقبلية بين الأقاليم الليبية قد تعرقل من قدرة أي حكومة علي لم شملها‏,‏ لاسيما أن الجنوب الليبي الذي تسيطر عليه قبائل‏(‏ التبو والطوارق والفزازنة‏)‏ شهد اشتباكات مع بعض القبائل العربية‏.‏ كما أن الفجوات بين برقة وطرابلس لاسيما أن الأخيرة حظيت بالنصيب الأكبر من عوائد النفط تسببت في علاقة صراعية حتي الثورة الليبية‏,‏ ولعل أحد أسباب انطلاق الثورة في بنغازي هو تهميشها لصالح الغرب‏.‏
‏2-‏ تقوية تنظيم القاعدة‏,‏ إذ إن الثورتين الليبية واليمنية قد تمثلان بيئة خصبة تتصاعد فيها قوة التنظيمات المسلحة المرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي أو في القرن الإفريقي‏,‏ وذلك الأمر يبدو من عدة مؤشرات يتصدرها فرار أعداد كبيرة من السلفيين الجهاديين من سجون في ليبيا وتونس‏,‏ فضلا عن تسرب أسلحة من ليبيا باتجاه النيجر ثم شمال مالي‏,‏ وهو ما يصب في تقوية الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل والصحراء‏.‏
وإلي جهة القرن الإفريقي‏,‏ فإن هناك تبادلا للدعم بين حركة شباب المجاهدين في الصومال وتنظيم القاعدة في اليمن الذي استفاد من إضعاف الثورة للنظام اليمني بسيطرته علي بعض المناطق كزنجبار وأبين‏,‏ علاوة علي وجود تقارير تتحدث عن نقل مقاتلين من الصومال إلي اليمن‏,‏ وهو ما يعني أن ثمة تلاقيا قاعديا في البحر الأحمر‏,‏ قد يهدد مصالح القوي الدولية نفسها‏,‏ فضلا عن المصالح العربية‏-‏ الإفريقية في هذه المنطقة الحيوية‏.‏
التلاقي الآخر قد يحدث بين تغلغل نفوذ القاعدة في الساحل والصحراء‏,‏ وحركة البوليساريو في المغرب‏,‏ واذا ما توثقت علاقة الطرفين عسكريا‏,‏ فإن ذلك ربما يقلب الموازين في الساحل والصحراء‏,‏ لاسيما أن الاتجاه الانفصالي للبوليساريو قد يغري القاعدة بمحاولة إيجاد منفذ إلي المحيط الأطلسي لتوسع أنشطته في خطف السفن واحتجاز الرهائن‏,‏ بالإضافة إلي تحكم أوسع في تهريب المخدرات‏.‏
هذا المشهد التشابكي للقاعدة المترافق مع إضعاف الثورات للأنظمة في آن واحد في شمال إفريقيا يغذي من طموحاتها في أن تكون كيانا مستقلا يسيطر علي منطقة شاسعة في شمال مالي والنيجر والجزائر وموريتانيا‏.‏ ولعل إرهاصات هذا المشهد دفعت وزراء خارجية مالي والنيجر وموريتانيا والجزائر إلي الاتفاق في‏20‏ مايو‏2011‏ علي تشكيل قوة مشتركة‏,‏ يصل قوامها إلي‏75‏ ألف جندي‏,‏ لمحاربة تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي‏,‏ وتأمين منطقة الساحل والصحراء‏.‏
‏3-‏ المرتزقة الأفارقة والطوارق‏,‏ إذ إن مصطلح المرتزقة الأفارقة برز بقوة في الحالة الليبية‏,‏ حيث اتهم الثوار نظام القذافي بالاعتماد علي جنود مرتزقة يحاربون في صفوف كتائبه الأمنية‏.‏ بيد أن الأمر لا يتعلق فقط بمرتزقة تكرر دورهم في مناطق الصراعات في إفريقيا‏,‏ لكن اللافت للانتباه أن القسم الأكبر من المرتزقة في ليبيا من قبائل الطوارق الرحل وهم منتشرون بين ليبيا والجزائر ومالي والنيجر وتشاد وبوركينافاسو‏.‏علي أنها ليست المرة الأولي التي يعتمد فيها القذافي علي الطوارق‏,‏ حيث كون قوة عسكرية في السبعينيات والثمانينيات من الأفارقة المتدفقين علي ليبيا‏,‏ تدعي الفيلق الإسلامي لمساعدته في أهدافه في القارة‏,‏ وساعد هذا الفيلق من قبل قوات تشارلز تايلور في ليبيريا‏,‏ وحركة العدل والمساواة في دارفور‏.‏
ومن أبرز تداعيات الثورة الليبية علي الجوار الأفريقي‏,‏ عودة المقاتلين الطوارق إلي شمال مالي‏,‏ الأمر الذي ساهم في تأجيج الصراع المسلح بين الحكومة والحركة الوطنية لتحرير أزواد والتي ارتفع سقف مطالبها من حكم ذاتي إلي انفصال عن دولة مالي‏,‏ بل إن ثمة فرصة للطوارق في ظل أوضاع هشاشة الدول في شمال إفريقيا للتعبير عن أنفسهم ككيان مستقل علي بقعة حدودية بين شمال وغرب إفريقيا‏.‏ولعل التاريخ الصراعي بينهم وبين الأنظمة العربية والإفريقية يجعل هنالك احتمالا لإحياء مشروع ذلك الكيان‏,‏ لاسيما مع وجود مرارات لقمع ثوراتهم‏,‏ خاصة من قبل مالي‏,‏ وتأييد العرب لذلك‏.‏ ولعل القذافي نفسه أقر قبل عدة سنوات بحق الطوارق المنتشرين في شمال مالي بإقامة دولة خاصة بهم‏,‏ وهو ما أثار أزمة كبيرة آنذاك‏.‏
‏4-‏ تفكك السودان‏,‏ إذ إن انفصال جنوب السودان وتشكيل دولة مستقلة‏,‏ وفقا لاستفتاء تقرير المصير في يناير‏2011,‏ كرس لسابقة أولي من نوعها في خطوط التماس العربية‏-‏ الإفريقية‏,‏ قد تسمح لكيانات أخري قد لا تتوافر فيها مواصفات الدولة لاقتفاء الطريق ذاتها عن طريق صناديق الاقتراع‏,‏ أو علي الأقل المضي قدما في درجات الانفصال‏.‏
إن الجوار الإفريقي يحوي كيانات يمكن أن تلوح بالانفصال‏,‏ كما في شمال أوغندا‏,‏ والأوجادين التي تشعل صراعا تاريخيا بين إثيوبيا والصومال‏,‏ فضلا عن إقليم كازامنس بين السنغال وموريتانيا‏,‏ وإقليم دارفور‏,‏ فضلا عن تشجيع كيانات مستقلة كالأمازيغ في شمال إفريقيا علي إحياء مشروعهم‏,‏ خاصة أنهم ينتشرون في مساحة تمتد من مصر شرقا‏,‏ حتي المحيط الأطلسي غربا‏,‏ وعلي امتداد الصحراء الكبري والساحل الإفريقي حتي مالي والنيجر جنوبا‏.‏
بل إن مصر‏,‏ التي ينظر لها كدولة معصومة من التفكيك بسبب لحمتها الجغرافية والتاريخية‏,‏ حذر المجلس العسكري الحاكم فيها‏,‏ بعد ثورة‏25‏ يناير‏,‏ من أنها مستهدفة من قبل قوي خارجية بالتقسيم إلي ثلاث دويلات مسيحية ونوبية ومسلمة‏.‏ ورغم أن مثل هذا السيناريو يجابهه تراث الدولة المركزية‏,‏ فإن طرح ذلك من قبل الجهة الحاكمة لمصر يشير إلي أن ثمة استشعارا للخطر من تأثير نزعات الكيانات المستقلة في الحدود المصرية‏,‏ بعد تفكيك جنوب السودان‏,‏ والحديث المتصاعد عن إمكانية تقسيم ليبيا‏.‏
ولعل حركة تحرير كوش‏-‏ وهي تنظيم نوبي مسلح ينطلق من شمال السودان ويطالب بحق تقرير المصير للنوبة‏-‏ تمثل خطرا كامنا علي مصر من جهة الجنوب‏,‏ لاسيما أن تلك الحركة تري في الوجود المصري في النوبة استعمارا واضطهادا عرقيا‏.‏ بيد أنه يمكن القول إن مدي ديمقراطية النظام السياسي الذي ستنتجه الثورة المصرية‏,‏ ودور المؤسسة العسكرية التي تولي اهتماما بفكرة الدولة نفسها‏,‏ سيحددان قابلية المجتمع لتحقق مثل هذه التهديدات‏.‏
ثانيا‏-‏ ملامح الكيانات المستقلة‏:‏
تمثل المعطيات السابقة مدخلات لمشاريع الكيانات المستقلة عن دولها المركزية بدرجاتها المختلفة في خطوط التماس العربية‏-‏ الإفريقية‏,‏ لاسيما في ضوء توافر ثلاثة متغيرات كرستها الثورات العربية‏,‏ وتمثل في الوقت عينه‏,‏ مشروطيات تفاعلية لإحياء تلك المشاريع‏,‏ وهي‏:‏
‏1-‏ فشل دولة ما بعد الاستقلال‏,‏حيث إن الثورات العربية تحمل رسالة قوامها فشل الأنظمة السياسية في توفير الحريات والمعيشة الكريمة لشعوبها‏,‏ وهو ما يجعل المجتمعات‏,‏ أو الكيانات المجتمعية الأكثر تماسكا لجهة العرق أوالثقافة‏,‏ لا تريد فقط إسقاط الأنظمة‏,‏ كما هو الشعار السائد‏,‏ وإنما يدفعها للتساؤل عن مدي الجدوي في الانتماء للدولة ذاتها‏,‏ خاصة أن الأخيرة لم تنجح في وظائفها القومية بعد الاستقلال‏.‏ فالناظر إلي الكيانات الطامحة إلي الاستقلال يجد أنها إما أنها تعاني تدهورا في أوضاعها المعيشية كدارفور والطوارق‏,‏ أو تم قهر هويتها المحلية ثقافيا وسياسيا كحالة الأمازيغ‏.‏
‏2-‏ تشابك الهويات المحلية‏,‏فمنطقة العلاقات العربية‏-‏ الإفريقية تزخر بهويات محلية لم تستطع الدول دمجها‏,‏ وبالتالي فهي مرشحة للتشابك المصلحي علي قاعدة أنهم يعانون قهر تلك الدول‏,‏ وربما يدفعهم ذلك إلي التفاهم‏,‏ وصولا إلي إعادة خريطة المنطقة‏,‏ وإنهاء الشكل الحالي للدول‏.‏ فعرب المحاميد‏,‏ وهي قبائل منتشرة في ليبيا والسودان والنيجر‏,‏ قد يجدون ملاذا لهم لدي الطوارق الذين يرتبطون بدورهم مع الأمازيغ في المغرب والجزائر‏,‏ كما أن هؤلاء أيضا قد يتشابكون مع العرب الحسانيين الموريتانيين الذين يتصارعون علي الهوية مع قبائل إفريقية زنجية‏.‏ وليس بعيدا عن ذلك البوليساريو الذين سيجدون متنفسا كبيرا لقضيتهم‏,‏ إثر الهزة الكبري للدولة في شمال إفريقيا‏.‏
‏3-‏ التدخل الدولي وتشجيع الكيانات المستقلة‏,‏إذ إن ثمة علاقة تصاعدية بين التدخل الإنساني الدولي بأشكاله المختلفة‏,‏ وزيادة نزعة المجتمعات إلي الاستقلال والخروج من أسر الدولة المركزية‏,‏ وهي علاقة نجد لها شواهد في تجارب التدخلات الدولية في الصومال ويوغوسلافيا وكردستان والعراق‏.‏ وتنطلق تلك العلاقة من وجهين‏,‏ أولهما أن المجتمعات الراغبة في الاستقلال تجد أنه ليس هنالك جدوي في البقاء في دولة مركزية تعرضت للتدخل الدولي‏,‏ وفقدت شرعيته‏.‏ أما الوجه الآخر‏,‏ فقد يحدث فيه تقاطع للمصالح مع التدخل الدولي الذي يجد تحقيق مصالح في التفكيك‏.‏
وعلي ذلك‏,‏ فإن التدخل الدولي في شمال إفريقيا ربما يجد صياغة لمعادلات مصلحية جديدة مع الكيانات المحتمل استقلالها علي خط العلاقات العربية‏-‏ الإفريقية‏,‏ لاسيما في ضوء تجربة لوبيات الموارد المسيطرة علي صنع القرار في الدول الغربية‏,‏ إذ إن بعض الشركات العابرة للقومية تجد من مصلحتها التعامل مع كيانات أقل من الدولة لاستغلال ثروات القارة الإفريقية‏.‏ ولعل نموذج الكونغو الديمقراطية خير شاهد علي هذا الأمر‏,‏ فقد لعبت الشركات الأمريكية دورا في السيطرة علي موارد الدولة‏,‏ عبر إقامة علاقة مع زعماء الأقاليم المتمردة علي الدولة‏,‏ مثلما حدث مع لوران كابيلا قبل سيطرته علي السلطة‏,‏ وصعوده لسدة الحكم آنذاك‏,‏ متجاوزة بذلك تعقيدات التعامل مع الدولة نفسها‏.‏
اللافت أن المتغيرات الثلاثة تلك تدعمها طروحات نظرية تحولت إلي واقع عملي في العلاقات الدولية ك نهاية جغرافية الدولة‏,‏ حيث شهد العالم منذ نهاية الحرب الباردة تفككا لدول كالاتحاد السوفيتي واليوغوسلافي‏,‏ بفعل عوامل قومية ودينية‏,‏ إلي كيانات أقل قوة وأكثر قابلية للترويض من القوي الكبري‏,‏ فضلا عن مطالبات عدة باستقلال أقاليم كوسوفو والشيشان والباسك‏,‏ وكأن هناك بحثا عن نموذج بديل للدولة‏-‏ ليس فقط في العالم النامي‏,‏ بل المتقدم أيضا‏-‏ يحترم حقوق الأقليات والكيانات الهوياتية‏.‏
إن قيام الدولة‏,‏ كما يري العلامة ابن خلدون‏,‏ يرتبط بالعدل بين الناس في الحكم والمعاملة‏,‏ وإذا لم تتحقق العدالة‏,‏ فإن ثمة ردة للمجتمعات باتجاه كيانات أخري عكس الدولة‏.‏ ولعل بعض منظري العلاقات الدولية يرون أن العالم قد يشهد بنهاية القرن الحادي والعشرين إزاحة للدولة‏,‏ في ضوء مبدأ حق تقرير المصير الذي تم اللجوء له بمحدودية في القرن العشرين‏,‏ لكنه مرشح للاستخدام المكثف في القرن الحالي‏,‏ بفعل تفجر الهويات المحلية‏,‏ ووجود مناخ عالمي يدفع باتجاه أهمية حقوق الإنسان من جانب‏,‏ ومن جانب آخر زيادة التدفقات العابرة للقومية التي لا تقيم وزنا للدولة‏,‏ وكأن المحلية والتدفقات العابرة للقومية اتفقتا علي دفع الدولة إلي الضمور‏,‏ كما يشير إليه برتراند بادي‏.‏
ومن هنا‏,‏ فمن المحتمل أن تنتهي الجغرافيا السياسية للدولة إلي كيانات أو دويلات أو جماعات ذات نفوذ تتعامل مباشرة مع القوي الدولية‏,‏ صراعا وسلما‏,‏ علي خط العلاقات العربية‏-‏ الإفريقية‏.‏ فتنظيم القاعدة قد يشكل هلالا مقلوبا لجماعات عابرة للقومية‏,‏ يبدأ من أسفله في موريتانيا‏,‏ ويتجه إلي الجزائر ومالي ثم ليبيا‏,‏ ويلتقي مع المجموعات الأخري في القرن الإفريقي‏,‏ سواء لجهة اليمن أو الصومال‏,‏ متوغلا باتجاه شرق إفريقيا‏,‏ حيث ينشط التنظيم في كينيا‏.‏
ذلك الهلال القاعدي ربما تترافق صياغته في ليبيا مع اقتطاع أجزاء من النيجر وتشاد لصالح الجنوب الليبي‏,‏ وكيانات مستقلة للطوارق والأمازيغ مقتطعة أيضا من المغرب والجزائر ومالي والنيجر‏,‏ فضلا عن ثلاث دويلات في اليمن إحداها للحوثيين‏.‏ كما تمتد خريطة التشطي تلك إلي العمق الإفريقي‏,‏ عبر دويلات الصومال باتجاه شرق إفريقيا ووسطها‏,‏ خاصة منطقة البحيرات العظمي التي عانت حروبا دموية‏,‏ جراء تصادم الهويات المحلية‏.‏
خريطة الكيانات المستقلة‏,‏ التي تتخطي ما هو معروف في الأدبيات السياسية ب الوحدة الجغرافية العربية‏,‏ قد تنتج وحدات سياسية عربية‏-‏ إفريقية تتجاوز دولة ما بعد الاستعمار في إفريقيا التي قطعت أوصال الهويات المحلية‏.‏ بيد أن تلك الصياغة المحتملة التي قد تستغرق العقود المتبقية من القرن الحادي والعشرين قد تصطدم بممانعات‏,‏ بعضها يتعلق بصراعات المصالح بين القوي المتنفذة في إفريقيا‏,‏ خاصة بين الصين من جانب‏,‏ والقوي الغربية‏(‏ الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا‏)‏ من جانب آخر‏.‏ كما أن هنالك ممانعات وطنية تتعلق بإنتاج الثورات العربية لنماذج أنظمة إصلاحية عادلة تستوعب تعددية المجتمعات وهوياتها المختلفة‏,‏ بما يوجد عدوي إيجابية في إصلاح النظم السياسية في الجوار الإفريقي‏.‏
إن تلك المآلات بقدر ما تثير المخاطر علي خطوط التماس العربية‏-‏ الإفريقية‏,‏ فإنها تصب معادلة تنطوي علي أن الجوار الإفريقي سيكون الأكثر تأثرا وتأثيرا في الدول العربية‏,‏ بما يلزم الولوج إلي سياسات جديدة تتجاوز حالة تهميش الجوار الإفريقي في المنظومة السياسية العربية


إضافة تعليق

البيانات مطلوبة

اسمك
*


بريد الالكترونى *
البريد الالكتروني غير صحيح

عنوان التعليق *


تعليق
*


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.