عندما لا يكون هناك طريق إلا المواجهة والسير في اتجاه واحد لا مفر من التقدم وتجاوز العقبات التي قد تصل إلي حد المستحيل وأنا فتاة كتبت عليها الأقدار حياة كان لابد لي من أن أعيشها بمرارتها وقسوة الأيام فيها, وحيدة في تيه دنياي لا حيلة لي ولا سند فقد ولدت لأب كان ميسور الحال وأم ربة منزل تعتز برسالتها في الدنيا بخدمة زوجها وابنتها الوحيدة لو كان للسعادة عنوان وقتها لكنت أنا هذا العنوان أملأ الدنيا بشقاواتي لا أبالي من شيء فكل ما أحتاج إليه ميسر في الحال تدليلا وحبا قد يصل إلي حد الإفساد, لم يدر في خيالي أن الدنيا التي حيزت لي هي نفسها من تولي الإدبار مني وتغرب عني شمس السعادة فيها إلي الأبد فيحتل ليالي سواد لا يبرق فيه نجم ولن تشرق له شمس..! مات أبي فجأة وهو بعد في ريعان شبابه, وكنت أنا في مرحلة الثانوية العامة وكان علينا أنا وأمي أن نبدأ مشوارا جديدا في الحياة, كل منا يتحمل مسئولياته خاصة وأن أعمامي شاركونا في الميراث وما تبقي لنا بتنا نعيش به بالكاد ولأني كنت علي أعتاب الثانوية العامة اجتهدت قدر طاقتي كي أحصل عليها بتفوق أهلني للالتحاق بكلية الطب وفي الوقت الذي كانت فيه دراستي الجامعية تحتاج لمصروفات كبيرة لم تقو أمي علي تحمل المسئولية بمفردها وقررت أن تتزوج ولكن لم يكن اختيارها للرجل الذي تزوجته صائبا فلقد أتاها طامعا فيما لديها من ميراث وبالفعل لم يمض علينا عام إلا وقد أتي عليها وجردها من كل شيء ثم لفظها شريدة ضائعة ولولا ما تبقي لي من فتات لكان مصيري ومصيرها التشرد, بعنا شقتنا التي نعيش فيها وانتقلنا لمسكن متواضع بالإيجار وعملت أنا في عيادة طبيب من أساتذتي في الكلية كي أدبر مصروفاتي ونفقات المعيشة واستمرت الحياة علي شظفها ومرارتها عامين حتي صدمتني الدنيا صدمة جديدة في أمي التي احتل جسدها المرض الخبيث وكانت نفقات علاجها تفوق إمكاناتي ولم يكن أمامي غير اللجوء لأعمامي أطلب مساعدتهم علي الرغم من أنهم لم يقدموا لي يد المساعدة منذ أن مات والدي, ولكن لم يكن أمامي طريق آخر أسلكه فقد أغلقت كل الأبواب في وجهي وما زاد من ألمي أن أعمامي هم أيضا أغلقوا بابهم في وجهي لأجد نفسي وحيدة حائرة بين مستقبل يوشك علي الضياع وأم تحتضر.. تتعالي من حولي أسوار اليأس تدفعني للتحالف مع الشيطان لأقتنص حقي من الدنيا تسلبه قهرا وذلا ولكن نقطة بيضاء مازالت تبرق في قلبي تقشع سواد العجز من نفسي وتشعل ثقاب إرادتي, أقاوم غدر أيامي ببقايا طاقة متهالكة, لم يكن في مقدرتي غير أن أتوقف مرحليا عن دراستي وأواصل العمل ليل نهار كممرضة أدبر نفقات علاج أمي ولو علي حساب لقمتي وما يقيم أودي فجوعي أهون من مرارة الإحساس بالألم وعذاباته. كنت أصارع الزمن, أتمسك بأهداب أمل يوشك علي الرحيل ومع قسوة المرض ينشب أنيابه في أوصال أمي, خارت قواي وتسرب الأمل مني في لحظات خاطفة تحشرجت الروح فيها من أمي لاحقة بوالدي..! أفقت من حزني علي واقع جديد أكثر إيلاما وقسوة فأنا ووحدتي وأشواك الطريق ومطامع الناس في وآمال مازالت تبعث بشعاعاتها من بعيد, كل هذا كان كفيلا بتدميري ولكني وقفت صلبة أعاند عثراتي, عدت لدراستي, أغرقت نفسي في العمل والاستذكار حتي أخرج من شرنقة الحزن إلي آفاق حلم قررت أن أعيش من أجله فقط ونسيت أني فتاة في مقتبل عمرها غادرت صبا كان جميلا سعدت فيه برغد عيش وأصابت الدنيا حياتها ولكنها تركت لها مسحة من جمال بارد لا يستشعر شيئا من مشاعر ولا يلوي علي شيء غير تيه من الجمود فرضته علي نفسي..! ومضت سنوات الدراسة وتأهلت لأن أكون طبيبة, واجتزت مرحلة الامتياز إلي دراسة أخري للماجستير ثم الدكتوراه إلي بعثة بالخارج ثم عمل متواصل ليل نهار في الجامعة والمستشفيات وعيادتي الخاصة. وفجأة نظرت لنفسي في المرآة وكأني أراني لأول مرة, بعض خيوط بيضاء تسربت إلي شعري ونضرة كانت تسكن وجنتي, ذبل البريق فيها وأيقنت أن ملامح الشيخوخة تدنو مني وتنسحب أنوثتي من حياتي للأبد, لعلي لم أفكر في هذا أو أهتم به إلا عندما فاتحني طبيب زميل عن رغبته في الزواج مني, في كل مرة منذ مطلع الشباب وحتي فارقني كنت أصد أي محاولة للاقتراب مني أو الإيقاع بي في براثن الحب ولكن هذه المرة لم يكن حبا بالمعني التقليدي, مجرد رغبة في الزواج تقدم بها رجل أربعيني عاش تجربة زواج فاشلة لامرأة ثلاثينية فاتها قطار الزواج يري أنه يتفضل عليها برغبته ويقدم لها فرصة جديدة للحياة.. ولكن هل حقا هذه فرصة جديدة للحياة وهل ضاع عمري وتبخرت سعادتي فيه واحترقت أيام الشباب في مرجل أحلامي وليس من حقي أن أستعيدها مرة أخري.. هل باتت السعادة هي المستحيل بعينه. ح. ه. القاهرة شيء من الأمل قد يصنع المعجزات وينتصر علي فكرة المستحيل التي تتأصل في النفس البشرية يأسا وإحباطا من كل شيء وربما الاختبارات القاسية التي مرت بك في مراحل حياتك المختلفة قد غرست بداخلك صلابة من نوع خاص أقدرتك علي تجاوز المحن والصعاب بل والانتصار عليها وليس ضعفا فيك ذلك الانتصار يستوجب معه التنازل والارتضاء بفتات العرض والطلب في مجتمع يصمك بالعنوسة وفوات قطار العمر لا لشيء غير أن العمر تقدم بك في رحلة طويلة مع الدنيا تصارعيها وتصارعك من أجل تحقيق الذات وإذا كنت قد حققت ذاتك عمليا بنجاحات غير عادية فبالتأكيد روحك تحوي نفس المقومات غير العادية لامرأة مكتملة الأنوثة لا ينقصها شيء كي ترتضي عرضا بالزواج من منطلق تقليد اجتماعي بائد وثقافة العنوسة المزعومة ولعلك تهدأين نفسا بقراءة القرآن الكريم ألا بذكر الله تطمئن القلوب وتذكري قوله سبحانه وتعالي{ يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلي النور بإذنه ويهديهم إلي صراط مستقيم}( المائدة:16).