من أعظم الأمور التي يتقرب بها المسلم إلي الله صلة الرحم.. تلك الصلة التي تقطعت علي مذبح الانشغال في تفاصيل الحياة والاهتمام بجمع المال وتكوين الثروات حتي لو كان الثمن إغضاب الحق سبحانه وتعالي وعدم اتباع سنة رسوله الكريم. ففي زحمة الضغوط الحياتية, يغفل الكثيرون عن صلة الأرحام التي حض عليها الحق في مواضع عديدة من قرآنه الكريم, والتي تفوق في أجرها الكثير من العبادات. ففي زمننا انشغل الكثيرون بحياتهم الخاصة وغفلوا عن صلة أرحامهم, بداية من الوالدين ومرورا من الإخوة والأخوات.. مما جعل حبال القربي تتمزق وحالات الاغتراب النفسي تتزايد والشعور بالوحدة في منتهي القسوة. وما أحوجنا في هذه الأيام إلي الحرص علي وصل أرحامنا والعطف عليهم, وتحمل أعبائهم, طمعا في رضا الحق سبحانه وتعالي وسيرا علي هدي رسوله الكريم. الدكتور أحمد صبري من علماء الأزهر الشريف قائلا: حول أهمية صلة ذوي الأرحام يحدثنا إيتاء ذي القربي جاءت الوصية بذوي القربي في القرآن الكريم في مواطن عدة مما يوضح ضرورة الاهتمام بذوي القربي وخطورة إهمال شأنهم. ويقول الله تعالي:{ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون(90)} سورة النحل. ويقول:{ وآت ذا القربي حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا(26)} سورة الإسراء ويقول:{ فآت ذا القربي حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون(38)} سورة الروم والإيتاء المقصود في الآية هو مطلق العطاء, وحذف ذكر المعطي في الآية; ليعم كل ألوان العطاء وأنواعه وأشكاله, زيادة في الخير, حتي نعطي ونعطي ولا نستكثر, وكذلك يشمل هذا العطاء الواجب كما أنه يشمل المندوب, فيكون العطاء بالزيارة المتتابعة بالترداد علي البيوت وبالمودة وحسن العشرة وسلامة الصدر وبذل النصح والتوجيه, والعطاء بالمال إن كان من أهل المال, أو بالجاه إن كان من ذوي الجاه, أو بالبدن ما استطاع إلي ذلك سبيلا, وإن كان من زكاة واجبة أو صدقة تطوع فيكون القريب أولي من غيره. أما القرابةالمقصودة بالآية فقد عبر عنها النص القرآني عندما ذكر قضية الإيتاء بلفظ ذي التي هي بمعني صاحب, والمراد كل من له صلة قرابة ولو بوجه ما, أما لفظ أولي القربي فقد جاء التعبير به في القرآن في سياق الكلام عن المقربين من الأقارب. فمفهوم القربي في الإسلام ليست مقصورة علي الزوجين والفروع, بل هي الأسرة الممتدة الشاملة للأصول والفروع والحواشي من الإخوة والأخوات وأولادهم, والأعمام والعمات وأولادهم, والأخوال والخالات وأولادهم, وقد أوجبت الشريعة الإسلامية وجوب نفقة القريب علي قريبه إذا عجز عن الكسب, ولم يكن ذا مال, ووضعت مقياسا دقيقا أساسه الغرم بالغنم فمن كان يرثه إذا مات, تجب عليه نفقته إذا عجز. وخص ذكر الأقارب في الآية لأن العالم حلقات مقترنة, فكل قادر حوله أقرباء ضعفاء محتاجون, فلو أعطاهم من خيره, وأفاض عليهم مما أفاض الله عليه لعم الخير كل المجتمع, وما وجدنا معوزا محتاجا; ذلك لأن هذه الدوائر ستشمل المجتمع كله, كل قادر يعطي من حوله. وقد تتداخل هذه الدوائر فتلتحم العطاءات وتتكامل, فلا نري في مجتمعنا فقيرا, وقد حثت الآية علي القريب, وحننت عليه القلوب; لأن البعيد عنك قريب لغيرك, وداخل في دائرة عطاء أخري. ويشير الدكتور أحمد صبري إلي أن الفقير قد يكون قريبا لعدة أطراف يأخذ من هذا ويأخذ من هذا, وبذلك تتكامل الحياة وتستطرق موارد العيش لكل الناس. وكما حث ربنا سبحانه وتعالي علي صلة الأقارب نجد النبي صلي الله عليه وسلم يكثر من ذكر فضل هذه العلاقة القويمة ويؤكد ضرورة حفظها فيقول كما جاء في الحديث عن أنس, قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: من أحب أن يمد له في عمره, ويزاد له في رزقه, فليتق الله, وليصل رحمه. ووضح فضيلة الصدقة علي الرحم عن الصدقة علي غيره فقال كما في الحديث عن سلمان بن عامر, قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم, يقول: الصدقة علي المسكين صدقة, والصدقة علي ذي الرحم اثنتان: صدقة, وصلة كما حذر من عقوبة قطع الرحم فقال صلي الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: إن الله عز وجل لما خلق الخلق, قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن, وقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة, قال: أما ترضين أن أصل من وصلك, وأقطع من قطعك, اقرءوا إن شئتم:{ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم{22} أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمي أبصارهم}, محمد:22-23] كيفية نصلها؟ ويقول الدكتور حمادة القناوي من علماء وزارة الأوقاف إن معرفة كيفية صلة الرحم من الأمور المهمة للسعي لتفعيل هذه الكيفية بكل سبيل يؤدي إلي تحققها وجني ثمارها. فعن عبدالله بن عمرو رضي الله تعالي عنهما قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ليس الواصل بالمكافئ, ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها;( رواه البخاري), وفي هذا الحديث تبيان عظيم للحث علي صلة الرحم والوفاء بحقها; فمن يصل من وصله فهو مكافئ لهذه الصلة, ولكن من يصل الرحم مع من قطعها فهو حقا يعرف قدر وفضيلة صلة الرحم, ويجاهد نفسه ابتغاء مرضاة الله تعالي. وكذلك الصدقة علي ذوي الأرحام عن سلمان بن عامر الضبي رضي الله تعالي عنه قال: قال النبي صلي الله عليه وسلم: إن الصدقة علي المسكين صدقة, وعلي ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة;.وعن حكيم بن حزام رضي الله تعالي عنه قال: قال النبي صلي الله عليه وسلم: إن أفضل الصدقة الصدقة علي ذي الرحم الكاشح; وفي هذا الحديث الشريف وصية نبوية للحث علي أجر كريم; وهو الصدقة علي ذي الرحم الذي يضمر العداوة, ومن يتبع هذه الوصية الشريفة فهو يسعي إلي الإخلاص طمعا في مرضاة الله الكريم, وأيضا الدعاء بظهر الغيب من ينابيع الخير لكل مسلم ولمن لنا بهم صلة رحم, وبالأخص الوالدين; وذلك لما لهم من حق عظيم علينا; فالدعاء بظهر الغيب مستجاب بفضل الله تعالي; يقول صلي الله عليه وسلم دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب, مستجابة, عند رأسه ملك موكل, كلما دعا لأخيه بخير, قال الملك الموكل به: آمين, ولك بمثل;( رواه مسلم), فلنحرص علي ملازمة الدعاء للمسلمين ولمن لنا بهم صلة رحم, ومن ثابر علي ذلك نال الوعد العظيم بالاستجابة. الاحسان إلي الأقارب وتابع: هناك وصايا أهل العلم في كيفية صلة الرحم لقد وردت أقوال ووصايا لبعض العلماء في كيفية صلة الرحم: قال النووي- رحمه الله تعالي-: صلة الرحم هي الإحسان إلي الأقارب علي حسب الواصل والموصول; فتارة تكون بالمال, وتارة تكون بالخدمة, وتارة تكون بالزيارة, والسلام, وغير ذلك; وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالي: قال القرطبي رحمه الله تعالي: الرحم التي توصل: عامة وخاصة, فالعامة: رحم الدين, وتجب مواصلتها بالتوادد والتناصح, والعدل والإنصاف, والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة, وأما الرحم الخاصة: فتزيد للنفقة علي القريب, وتفقد أحوالهم, والتغافل عن زلاتهم. إن من أعظم سبل الوفاء بحق صلة الرحم الدلالة علي الطاعات بالنصح المبذول بالحكمة والموعظة الحسنة; ولذا فلنحرص عند كل زيارة لصلة الرحم أن نبلغ معلومة شرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية, بالإضافة إلي التواصي مع الغير بصلة الرحم: لأنها من أبواب صلة الرحم العظيمة, وبث الخير في نفوس الناس. ويضيف د.حمادة القناوي أنه يجب أيضا حل النزاعات بين ذوي الأرحام حيث إن الإصلاح بين الناس, وحل النزاعات, وإشاعة طمأنينة النفس, ونبذ العداوة- من أسس الأخلاق الحميدة في الإسلام, قال الله تعالي:{ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما}, النساء:114]. وعن أبي الدرداء رضي الله تعالي عنه قال: قال النبي صلي الله عليه وسلم: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟, قالوا: بلي, قال: صلاح ذات البين; فإن فساد ذات البين هي الحالقة;( رواه الترمذي), والسعي للإصلاح يكون بالحكمة لنزع فتيل الغضب من المواقف, وبذر المحبة والتآلف, مع إعطاء الحقوق وتحقيق المصلحة الشرعية لجميع الأطراف. ويطالب بتوثيق الصلة بالأرحام بكل طريق مشروع; مثل الزيارة, والسؤال, والدعم المالي والمعنوي, وذلك بلا تعال وبكل مودة واحترام وإخلاص, وأعظم صلة للرحم هي الصلة بالوالدين, فلنكثر من الدعاء والاستغفار لهما, وليكن الهدف العظيم والأجر الكريم نصب عيني كل مسلم يقدر الفضل حق قدره, من وصل الرحم وصله الله الكريم.