ما إن قرر البريطانيون طلاق بلادهم من الاتحاد الأوروبى فى الاستفتاء العام الذى هز أسواق المال العالمية ،والذى جرى فى الثالث والعشرين من شهر يونيو الماضى ،حتى قفزت أسعار الذهب العالمية إلى أعلى مستوى لها خلال عامين .فقد صعدت أسعار هذا المعدن النفيس خلال ذلك اليوم فقط بنسبة ثمانية فى المئة ،وذلك جراء عوامل. فى مقدمتها : هلع المستثمرين إزاء التداعيات الاقتصادية المحتملة لخروج بريطانيا من هذا التكتل الاقتصادى الأوروبى الكبير .ومنذ ذلك اليوم شرع كثيرون فى أسواق المال العالمية الكبرى يتحدثون عن طفرة كبرى محتملة قد تشهدها اسعار هذا المعدن النفيس هذا العام والعام المقبل ،وعن حمى شراء لذلك المعدن الأصفر ،وهو الأمر الذى طرح التساؤل التالى :هل الذهب ملاذ استثمارى آمن حقيقى أم أنه وعاء استثمارى تنتابه لحظات غدر خطيرة قد تعصف بالمستثمرين فيه مهما كانت قوتهم المالية؟! العرب والذهب للعرب فى العصر الحديث حكاية دراظمية مع الذهب، ليس بوصفه زينة وإنما بوصفه خزينة، أى بوصفه ملاذا استثماريا آمنا فى أوقات الأزمات .. فعندما قفزت أسعار النفط العالمية بعد حرب السادس من أكتوبر المجيدة فى عام 1973 ) أسعار النفط العالمية قفزت بعد هذه الحرب المجيدة بما يعادل أربعة أضعاف أى من نحو ثلاثة دولارات للبرميل فقط إلى اثنى عشر دولارا للبرميل (.. انهالت مليارات البترودولارات على الدول العربية المصدرة لهذه السلعة الاستراتيجية بشكل لم تكن تتوقعه على الإطلاق، وبشكل لم يسبق له مثيل فى تاريخ أسواق البترول العالمية . وقد عمدت هذه الدول النفطية إلى استثمار جانب كبير من هذه الثروة الطائلة التى انهالت عليها فى شراء الذهب لتسجل أسعار الذهب العالمية جراء هذه المضاربات العربية الساخنة على هذا المعدن النفيس قفزات تاريخية ولتصل فى عام 980 1 إلى مستوى بلغ 50 8 دولارا للأوقية وهو مبلغ يعادل اليوم نحو 2500 دولار على الأقل. .. هذه المضاربة من جانب الأموال العربية على هذا المعدن النفيس فاقمتها عوامل أخرى مثل اندلاع الثورة الإيرانية وصعود أسعار النفط العالمية والتدخل السوفيتى فى أفغانستان. الربيع العربى والذهب كما ساهمت الاضطرابات التى عصفت بمنطقة الشرق الأوسط فى تعزيز القفزة القياسية التى شهدتها اسعار الذهب فى خريف عام ألفين واحد عشر ، كما عزز هذه القفزة كذلك صعود أسعار النفط العالمية آنذاك إذ كان هناك ارتباط عضوى بين أسعار النفط وأسعار بقية السلع بما فيها الذهب أى أن أسعار السلع الاستراتيجية والنفيسة كانت تصعد مع بعضها البعض وتهبط مع بعضها البعض لأن معظمها مسعر بالدولار . كما شهدت ه ¸ذه الفترة تراجع سعر صرف الدولار الأمريكى امام العملات الرئيسية جراء المشكلات الهيكلية التى كان يعانيها أكبر اقتصاد فى العالم والمخاوف من تعرض هذا الاقتصاد الضخم لنكسة كبيرة. وأخيرا ساهم فى صعود الذهب خلال هذه الفترة ايضا التقلب الحاد فى أسعار الأسهم فى البورصات فى شتى ارجاء العالم على نحو جعل من الذهب ملاذا استثماريا مثاليا للباحثين عن وعاء استثمارى يحفظ قيمة أموالهم . قمع الذهب لصالح الدولار فى الخامس عشر من شهر أغسطس من عام ألف وتسعمائة وواحد وسبعين، أعلن الرئيس الأمريكى الراحل ريتشارد نيكسون) 1913 - 1994 ( ما أسماه العالم آنذاك بصدمة نيكسون، حيث قررت الإدارة الأمريكية من جانب واحد إلغاء قابلية تحويل الدولار إلى ذهب. وأدت هذه الخطوة إلى أن يصبح الدولار عملة إلزامية بدون أى التزام من الحكومة بتغطية ما تصدره من بنكنوت دولارى بالذهب. وفى عام ألف وتسعمائة واثنين وسبعين قال نيكسون جملته الشهيرة: يجب أن نلعب اللعبة كما صنعناها ويجب أن يلعبوها كما وضعناها. وفى عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين، تخلى العالم عن نظام أسعار الصرف الثابتة، وأصبحت أسعار صرف العملات معومة، وحرة يحركها منطق العرض والطلب حسب القوة الاقتصادية للدولة ووزنها فى المنظومة الاقتصادية العالمية، وهكذا أصبح فى وسع أمريكا من الناحية العملية طبع ما تشاء من بنكنوت دولارى بلا رقيب أو حسيب، وليصبح الدولار الورقى أكثر سطوة من الذهب ولتصبح اسعار الذهب تحت رحمة الدولار بعد أن صار هذا المعدن الأصفر مسعراً بالدولار الذى تم إغراق العالم به، بل والتلاعب به عبر تجارة العملات التى يبلغ حجم تعاملاتها اليومية أكثر من خمسة تريليونات دولار. كما فرضت امريكا على العالم أن يكون تداول وتسعير الذهب بالدولار وحده وهو ما يعنى أنه صار يتعين عل أى جهة تود شراء تلك السلعة أن تشترى دولارات أولا. لعبة الصين خلال شهر يوليو من العام المنصرم كشفت الحكومة الصينية أنها زادت حيازاتها من الذهب، وذلك بمقدار ستمائة وأربعة أطنان لتصل إلى ألف وستمائة وثمانية وخمسين طناً أى بزيادة بلغت نسبتها سبعة وخمسين فى المائة. وكانت هذه هى المرة الأولى منذ عشر سنوات التى تقوم فيها الصين بتحديث أرقام هذه الحيازات الذهبية. ويرى عدد من المراقبين أن هذا الرقم المعلن من جانب الحكومة الصينية بشأن حيازات بيكين من الذهب يبدو متواضعاً، مما يشى بإحتمالية أن يكون أعلى بأضعاف من ذلك، فى ضوء عوامل منها التدفق الكبير المتزايد للذهب من الغرب إلى الشرق، حيث تعمد دول كثيرة مشرقية مثل الهند إلى تكديس كميات كبيرة من هذا المعدن حالياً. كما أن الصين لا تبيع أياً من ذهبها الذى تستخرجه من باطن أراضيها. ولعل السبب الرئيسى وراء هذا الأمر يتمثل فى رغبة بكين فى ان تضع عملتها الوطنية /اليوان/ على طريق العالمية كى يكون فى وسعها منافسة العملات العالمية الرئيسية الكبرى مثل الدولار واليورو والجنيه الإسترلينى ولو بعد حين. فالصين ترى أن بقاء أمريكا على رأس قيادة العالم سياسياً واقتصاديا هو أمرٌ لن يدوم إلى الأبد، وتريد أن تكون جاهزة لوراثة الدولار حين يتهاوى. جنون الذهب وفى خريف عام ألفين وأحد عشر بدا وكأن مساً من الجنون قد أصاب المعدن الأصفر الرنان ، ذلك المعدن الذى اعتبر دوماً الرمز الأشهر للثراء على طول التاريخ. فقد قفزت أسعار الذهب إبان تلك الفترة إلى أعلى مستوياتها على الاطلاق لتغازل مستوى الألفى دولار للأوقية ، وليسجل هذا المعدن النفيس أطول موجة صعود له فى نحو خمس سنوا ت. ووصل الأمر ليس فقط إلى حد تنامى حدة التكهنات التى تحدثت فى ذلك الوقت عن امكانية وصول الأسعار إلى مستوى الفين دولار للاوقية، بل إن ثمة من تحدث عن احتمال وصول قطار الأسعار إلى مستوى خمسة آلاف دولار للاونصة على النحو الذى ذهبت واحدة من كبرى المؤسسات الاستشارية المالية فى العالم آنذاك، وهو ما لم يحدث.! مستويات سعرية قياسية تقول وكالة «بلومبيرج » الاقتصادية الأمريكية إن الحيازات العالمية من الذهب قفزت بأكثر من خمسمائة طن منذ شهر يناير المنصرم جراء المخاوف من تباطؤ معدلات النمو الاقتصادى العالمية، خاصة فى ضوء الزلزال الاقتصادي/ السياسى المتمثل فى قرار البريطانيين بانسحاب بلادهم من الاتحاد الأوروبى، واحتمال آلا يقدم مجلس الاحتياطى الاتحادى )البنك المركزى الأمريكي( على رفع أسعار الفائدة هذا العام. وقد افضت هذه الأمور جميعها إلى قفزة اسعار الذهب العالمية بأكثر من عشرين فى المائة هذا العام. بل إن بعض المحللين لا يستبعدون أن تصل الأسعار إلى مستوى ألف وخمسمائة دولار هذه السنة، او حتى ألف وتسعمائة دولار للأوقية خلال العام المقبل، وذلك بعد أن دفع تصويت البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبى رئيس الوزراء ديفيد كاميرون للاستقالة ووجه أكبر ضربة للمشروع الأوربى اتعزيز وحدة القارة الاوربية منذ الحرب العالمية الثانية. ضربة قاصمة فى الخارج المستثمرة فى الذهب ضربة قاصمة بانهيار أسعار هذا المعدن الأصفر إلى نحو مائتين وخمسين دولاراً فقط للاوقية فى عام ألف وتسعمائة وتسعة وتسعين جراء عوامل منها الأزمة المالية الآسيوية وتهاوى أسعار النفط، ليخسر الغرب المليارات من الدولارا ت. وقد كان هذا بالتأكيد درسا قاسيا للمستثمرين العرب ودليلا تاريخيا على أن الذهب قد يصبح بين عشية وضحاها وعاء استثماريا غدارا لا يتورع عن الاطاحة بآمال من يتعلق بحبال الثر اء السريع عبر المضاربة على أسعاره. تساؤل تاريخى لكن هناك من يطرح هذا التساؤ ل. . هل فعلا أسعار الذهب الحقيقية أى تلك التى تأخذ فى اعتبارها تآكل القدرة الشرائية للنقود وصلت حقا وصدقا إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق فى عام ألفين وأحد عشر؟ هؤلاء يقولون ان اسعار الذهب فى عام ألف وتسعمائة وثمانين بلغت ثمانمائة وخمسين دولارا وان هذا الرقم يعادل بدولارات اليوم ألفين وخمسمائة دولا ر. هذا يعنى أن أسعار الذهب الحقيقية فى عام ألفين وأحد عشر كانت أقل بما يقارب الألف دولار عن مستوى مثيلتها فى عام ثمانين من القرن الماضى.!!!!!. لكن فى المقابل هناك من يحذر بشدة من المراهنة على امكانية مواصلة الذهب صعوده القياسى إلى أمد بعيد خاصة ان التاريخ يقول لنا إن الذهب معدن سبق وأن غدر بأصحابه عندما هوى من ثمانمائة وخمسين دولارا فى عام ثمانين من القرن المنصرم إلى نحو مائتين وخمسين دولارا فقط فى عام تسعة وتسعين من نفس القر ن. ويحذر هؤلاء من ان أسعار الذهب الراهنة تزيد على متوسط أسعار هذا المعدن خلال القرن الماضى بأكثر من ألف دولار وهو ما قد يعنى احتمال ان تتحول هذه الأسعار إلى فقاعة قد تنفجر أن عاجلا أو آجلا، والخلاصة ان لا احد يستطيع أن يؤكد تأكيدا قاطعا أن هذا المعدن النفيس سيرتفع بسرعة الصاروخ او سيهوى بسرعة البرق .!! متوسط سعر أوقية الذهب بالدولار منذ عام 2000