لا يزال زيدان يواصل أحاديثه الفاعلة في إنتاج الغفلة المعرفية وتشويه الثقافة في آفاقها الماضوية والمعاصرة وتلويث الفكر في طابعه ومنهجيته, بتلك الخزعبلات التي يطرحها دوما والتي ينأي أي مثقف حقيقي بنفسه عن نقاشها أو التفاعل معها أو حتي تسفيهها إلا حين تبلغ المأساة ذروتها.. وقد بلغت, حين حاول زيدان- عبثا- أن يجرد مصر من أخص خصائصها بل من ذاتها التاريخية بطعنه في عمر حضارتها مقررا أنها لم تزد علي خمسة قرون وليست سبعين قرنا, عاصفا بامتيازها المطلق والمنبثق من إشعاعات حضارتها المتطاولة علي الحضارات جمعاء... حضارتها تلك التي طرحت معاني الإعجاز والتحدي الأبدي واستأثرت بسر الخلود بما جعلها تظل جوهر تراث الإنسانية, من ثم تري أي قيمة أو معيارية لاعترافه أو انكاره أو جحوده؟! وبماذا يترجم لنا زيدان ظاهرة علماء المصريات المستشرية في جنبات الكرة الأرضية؟ هل درسوا حضارة لا ترقي أن تكون محلا للبحث العلمي؟ وكيف لم يستطع البحث العلمي وحتي اللحظة أن يفك شفراتها وطلمستها؟ وما هو سر انتشار ظاهرة الفتون بمصر؟ أليست هي أول دولة مركزية في التاريخ لاح خلالها فجر الضمير الإنساني؟ أم أن زيدان يتحدث عن تاريخ آخر؟ ولا يتوقف جموح زيدان وشططه عند ذلك, بل إنه وفي رؤيته يستعرض المعني الأجوف لعبارة المؤرخ أو أبو التاريخ هيرودوت تلك العبارة التي اتخذها المصريون موضع اعتزاز وفخر, لكن مع تصعيد معركة التشكيك التي يخوضها زيدان حول المسلمات العقائدية والتاريخية والحضارية تكون المفارقة الخطرة حين نشير إلي أن أولي كلمات الدستور كانت...... مصر هبة النيل للمصريين وهبة المصريين للإنسانية., لكن أي علاقة لزيدان بدستور بلاده أو أي وثيقة وطنية تستوجب الولاء والانتماء وإحياء الوشائج الشعورية الحميمة. واستطرادا لعل عقلاء مصر ومثقفيها من أولئك الذين لا تستوقفهم كلمات زيدان لحظات يعلمون يقينا أنه لا يكرس في الادراك العام سوي معني واحد هو أنه يحاصرنا بفهمه المتراجع للنصوص الدينية ويواجهنا بغياب آليات التعامل مع التراث بصفة عامة. وليس أكثر ما يدلل علي ذلك سوي تلك الكلمات الممجوجة التي الح عليها زيدان في محاولة لإكساب سامعيه عدوي فكرية تتمثل في أنه: لا حرية في الأديان, في الأديان الإنسان ليس حرا بل عبد, وإذا كانت الأديان لا تمنح الإنسان حريته رغم كونها أهم قيمة يملكها فما هو سر الطوفان البشري المتكالب للدخول في الإسلام؟ وهل إعتمد موقف التيارات الإلحادية علي مصادرة الحريات في العقيدة؟ وماهو معني العدل الإلهي في ظل الحجر علي العقل الإنساني والتحكم في اختياراته؟ وكيف نفهم مقولة زيدان بأن هناك دينا لكن ليس هناك ما يسمي أديان؟ ومن ماذا اشتقت كلمة أديان؟! إن زيدان الذي يزعم لنفسه الأستاذية والتفرد ويمارس استعلاء ثقافيا وفكريا يفتقد أدواته, نراه يتحدث عن الثقافة بغير لغة الثقافة ويتكلم عن الفكر بلغة الشتات المنفلت من اسس الفكر نفسه ويهمس بلغة العلم متواريا خشية السؤال. لاشك أن زيدان بالطبع يجهل المعادلة الموضوعية للتعامل مع التراث والتي تتمحور بين طبيعة الفكر الذي يقدمه التراث وزمنية هذا الفكر ونشوء النسبية بينهما وكذلك نسبيته إلي المتغيرات المعاصرة أو علاقة هذا الفكر بالبوتقة التاريخية, من ثم فمبدأ أو معيار التقدمية والرجعية لا يؤخذ علي إطلاقه وإنما يجب أن تتقلص حدوده لأن الفكر المعاصر سوف يصبح فكرا رجعيا طبقا للمعايير المستقبلية. تلك هي القضية التي استذلت عقل زيدان فأوقعته في براثن قضايا تتجاوز حجمه الباعث لديه بنزعات وهميةلإصلاح العالم, لكن كان لابد أن تشغله فكرة أن عمار العقل يتقدم كثيرا خراب الدنيا!!