هناك اجماع بين علماء السياسة علي ان الذي يقود العملية السياسية في اي بلد هو النخب السياسية. ومن هذا المجال نفرق بين النخب السياسية الحاكمة والنخب السياسية المعارضة. وفي اي بلد ديمقراطي يتم تداول السلطة بين الاحزاب السياسية المختلفة, وفقالنتائج الانتخابات النيابية الدورية,. والقاعدة ان الحزب الذي يفوز بأغلبية الاصوات من حقه ان يشكل الحكومة. وعادة ماتكون الاحزاب السياسية بوجه عام جاهزة لتسلم السلطة في اي وقت وفقا لنتيجة الانتخابات. وهذا الاستعداد يتمثل في اعداد الكوادر السياسية القادرة علي تولي الوزارات المختلفة. وهذه الكوادر التي تربت في حضن الاحزاب السياسية ليست كوادر بيروقراطية اومتخصصة, لكنها اساسا كوادر سياسية, بمعني انها تمتلك رؤية سياسية للحزب الذي تنتمي اليه, وغالبا مايعبر اي وزير عن هذه الرؤية. اذا فشل حزب سياسي مافي التقاط المشكلة الكبري التي يعاني منها مجتمع مافي لحظة تاريخية محددة, فإنه حتما سيفشل في الانتخابات ويخسرها لحساب الحزب السياسي. وكل حزب سياسي من المفروض ان يعبر عن شرائح طبقية وجماعات اجتماعية محددة, مماينعكس علي سياساته في مختلف الميادين, ونعني في مجال الاقتصاد مما ينعكس علي نوعية السياسة الاقتصادية التي سيطبقها, وآرائه المحددة بالنسبة للتشغيل ومواجهة مشكلة البطالة, ومسائل النمو وتوزيع الدخل, وكذلك في المجالات الاجتماعية والثقافية. والمعيار الاساسي الذي يميز حزبا عن حزب في النظم الديمقراطية هو مقدار الحساسية السياسية ان صح التعبير التي يمتلكها كل حزب فيما يتعلق بتشخيصه للمشكلات التي تعاني منها الجماهير, وتصوراته للحلول العملية القابلةللتطبيق. واذا فشل حزب سياسي مافي التقاط المشكلة الكبري التي يعاني منها مجتمع مافي لحظة تاريخية محددة, فإنه حتما سيفشل في الانتخابات ويخسرها لحساب الحزب السياسي الأقدر علي تحسس نبض الجماهير والاحساس بمشكلاتها. ينطبق ذلك علي الاحزاب السياسية, كما ينطبق علي رؤساء الجمهوريات الذين يخوضون الانتخابات التنافسية في النظم الجمهورية التي تقوم علي تداول السلطة. بمعني ان المرشحين لرئاسة الجمهورية حتي لو كان من بينهم رئيس الجمهورية الذي لم تنته مدته بعد, ان لم يتحلوا بالحساسية السياسية اللازمة فإنهم معرضون للفشل. ولاننسي في هذا كلمة الرئيس السابق كلينتون والذي كان مرشحا للرئاسة ضد الرئيس بوش الاب حين صاح: إنه الاقتصاد ياغبي وليس السياسة الخارجية, مايهم الشعب الامريكي في هذه اللحظة.وهكذا نجح كلينتون وفشل الرئيس السابق بوش الاب نظرا لافتقاره للحساسية السياسية اللازمة. مشكلات أحزاب الأغلبية غير ان ماأشرنا اليه ينطبق اساسا علي الاحزاب السياسية المتساوية والتي يدور بينها الصراع حول من يحكم وفقا للانتخابات الدورية. غيران الوضع يختلف تماما بالنسبة للدول التي يهيمن علي المجال ا لسياسي فيها حزب وحيد كما كان الحال في تنظيم الاتحاد الاشتراكي في العهد الناصري. فهذا الوضع من شأنه ان يعتقل تطور النخب السياسية والتي عادة ماتنقسم الي فريقين, نخب تابعة للسلطة وتأتمر بأمرها وتعجز عن اتخاذ المبادرات السياسية, ونخب معارضة مقموعة ومحاصرة, ليس لديها امل في تولي السلطة بحكم منع تداولها, ممايؤدي بها الي تبني افكار خيالية غير واقعية, اوافكار متطرفة مناقضة للنظام. غير ان الوضع في مصر الان يختلف تماما عن الوضع ايام الاتحاد الاشتراكي, لانه في عهد الرئيس السادات قام بخطوة جسورة هي إلغاء النظام الشمولي وفتح الباب امام التعددية السياسية وان كانت مقيدة, والتي سمحت بقيام احزاب سياسية متعددة. غير ان الوضع لم يختلف كثيرا عن ايام الاتحاد الاشتراكي, لأن الحزب الوطني الديموقراطي الذي ورث حزب مصر الذي ورث من قبل الاتحاد الاشتراكي, اصبح هو حزب الاغلبية الكاسحة التي منعت عملا تداول السلطة بين الاحزاب السياسية. وقد ادي هذا الوضع الي جمود النخب السياسية الحاكمة التي تمرست علي تلقي الاوامر من فوق, ولاتستطيع المغامرة باتخاذ مبادرات سياسية جريئة. والوضع نفسه بالنسبة للنخب السياسية في احزاب المعارضة, وذلك لان انعدام املها في تولي السلطة نظرا للوضع المهيمن للحزب الوطني الديموقراطي, افقدها القدرة علي التجدد السياسي والابداع في وضع حلول للمشكلات الجسيمة التي يعاني منها المجتمع المصري. غير انه تقتضي الامانة ان نذكر ان الحزب الوطني الديموقراطي قام بتجديد نفسه من خلال انشاء لجنة السياسات التي تضم عددا وفيرا من الخبراء, مما اضفي حيوية علي برامجه وتصوراته التي طرحها علي الناس, والتي اصبحت نواة لمشاريع قوانين متعددة تعرض علي مجلس الشعب, ويوافق غالبا عليها بحكم انه يمتلك عادة الاغلبية في المجلس. وفي نفس الوقت تقاعست احزاب المعارضة عن تجديد فكرها وتجديد كوادرها بل ان الانقسامات العقيمة اصابتها بكوارث سياسية ادت الي تضاؤل دورها في الساحةالسياسية, بحكم فشلها الدائم في الانتخابات, والذي له اسباب شتي. الجمود الإدراكي للنخبة ونظرا لان الحزب الوطني الديموقراطي له اغلبية ساحقة في مجلس الشعب, فقد استطاع اقتراح سياسات اقتصادية واجتماعية سمحت بنمو اقتصادي بلغ في وقت ما7% وهي نسبة ممتازة, غير ان المشكلة الكبري ان ثمار النمو لم تصل لجماهير الشعب العريضة لاسباب شتي, لعل اهمها غياب سياسات توزيعية عادلة. واحتكار القلة لكل ثمار التنمية, وانغماسهم في نمط استهلاك تفاخري عقيم تكشف عنه اقامة المنتجعات الفاخرة التي تباع وحداتها بعشرات الملايين, في الوقت الذي تزداد فيه دوائر الفقر من ناحية, وتهبط الطبقة الوسطي في مجال الحراك الاجتماعي الي اسفل بحكم تدني الاجور والتضخم وارتفاع الاسعار, والعجز عن السكن, بالاضافة الي البطالة, والتي ضربت الشباب خصوصا في الصميم. ويمكن القول بناء علي تحليل علمي موثق ان النخبة السياسية الحاكمة أصابها نوع من الجمود الإدراكي الذي منعها من فهم الصراعات الكبري التي تدور في المجتمع والمشكلات الجسيمة التي تواجة الناس, بل والتي في كثير من الاحيان تتحدي قدرتهم علي البقاء. واغرب من ذلك كله ان الحكومة دأبت في السنوات الاخيرة علي تبني سياسات غير شعبية, لم يكن من شأنها سوي استفزاز الجماهير بشدة, خذ علي سبيل المثال سياسة الخصخصة واثارها السلبية, وماادت اليه من تسريح العمال او إحالتهم الي المعاش المبكر. بعبارة اخري تبني هذه الكوادر سياسات اقتصادية واجتماعية بدون دراسة كافية لآثارها السلبية علي الجماهير.. ولو نظرنا الي المشروعات التي اعدتها هذه النخبة الحاكمة مؤخرا, واهمها قانون الوظيفة العامة والذي من شأن بعض نصوصه الاضرار ضررا بليغا بالعاملين والذي اجل عرضه الي اجل غير مسمي, بالاضافة الي مشروع وزير الصحة الدكتور الجبلي والذي يهدف الي خصخصة المستشفيات الحكومية مما يحرم الملايين من الفقراء من حق العلاج, لادركنا ان هذه النخبة السياسية الحاكمة في واد والشعب في واد آخر. ومن حين لآخر يزداد جشع بعض رجال الاعمال الذين سبق لهم ان نهبوا اراضي الدولة بعد ان اشتروا الاف الافدنة بأثمان بخسة, وباعوها بعد ذلك بالملايين ولذلك يخططون للاستيلاء علي اراضي مستشفي الامراض النفسية والتي تقدر بعشرات الافدنة,ولم يقف هذا المشروع الا بعد ظهور المعارضة الشعبية له. وخلاصة الموضوع ان النخبة السياسية الحاكمة اصابها الجمود الادراكي الذي منعها من الاحساس بنبض الشارع, ومنعها من تقدير حجم السخط الشعبي علي سياساتها الفاشلة. ان المظاهرات التي قامت مؤخرا وقادتها جماعات من الشباب غير المسيس, والذين لاينتمون الي الاحزاب السياسية, دليل قاطع علي عجز النخبة عن التشخيص الدقيق للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها الجماهير, وعن وضع الحلول العملية لحلها. ويبقي السؤال: هل هناك حلول ممكنة لمواجهة المأزق السياسي والاجتماعي والذي تمر به البلاد؟ ونجيب: هناك حلول علي سبيل القطع تحتاج الي معالجة مستقلة.