هل يمر أي مشروع وطني أو قومي في العالم العربي دونما صدام مع الكيان الصهيوني؟ سؤال لا يحمل إجابتين, لأن إسرائيل كيان غاصب مشروعه قائم علي تقزيم من حوله واستنزافه وتدميره, لهذا مرت عشرات السنوات من الصراع فرضها علينا هذا الكيان الغاصب بهدف كسرنا في كل ميدان يعتقد فيه أنه سيخصم من قدرتنا, وسيضعف من عزيمتنا,وللأسف نجح بما لم يتصوره هو في نفسه,حتي في تحويل مكاسبنا الكبري إلي أكبر عائق أمام استعادة زمام المبادرة وتحرير القرار الوطني,ولا شك أن حالنا البائس الذي لا يخفي علي أحد هو ما يشجعه عند كل مرحلة في الطمع في مزيد من المكاسب,فهو يتمدد علي خنوعنا وانكسارنا واستسلامنا,وما من مرة امتدت إليه أيادي الواهمين بالسلام, إلا وأمعن في فرض مزيد من الاستسلام,لما لا وقد أيقن أنه قد أصبح مؤثرا في توازنات الدول والحكم والقوة والثروة في الإقليم يوجهها ويقلبها وقت وكيف يشاء. لهذا أن ينتفض في فلسطين الصبية والصبايا وتتخاذل أجيال السلام والاستقرار دلالات مهمة, فبعيدا عن تفسيرات عديدة هذا هو الأمل في لحظات الانكسار, الأمل في لحظات غاب فيها الوعي العربي التام عن الإلمام بحقيقة قضاياه وملفاته وهمومه الوطنية والعربية والأخلاقية والعقدية, والأمل في وقت ظن فيها الكيان الصهيوني أنه قد كسر كل بارقة أمل في أجيال عربية جديدة قادرة علي تغيير معادلات الاستسلام الوازنة لبقاء هذا الكيان السرطاني المتمدد علي أنقاض أجيال أكبر آثرت السلامة, تلك الأجيال التي غرقت في سنوات من التجهيل والتضليل والدعاية السوداء باتجاه قلب الحقائق وتزوير التاريخ ونشر ثقافة الخنوع والاستسلام للواقع المر, الأمل في وقت تبدو فيه الأمة تائهة عن إدراك مساراتها نحو استعادة المكان والمكانة, حيث تاه الدين بين توظيف الساسة وبين تطويع الفرق المتشظية, وتاهت الحكمة بين جنون النخب النفعية وطموح القيادات المهترئة, الأمل بأن هناك أجيالا قادرة علي تذكيرنا بالحقيقة المتدثرة تحت غبار الوضع المتردي. ولاشك أن ردة فعل أطفال فلسطين مفاجأة مبعثها إدراك وإلمام هؤلاء اليافعين بأبعاد قضيتهم, فخرجوا ليقولوا نحن هنا مرابطون دفاعا عن قدسنا ومدينتنا وأرضنا ومسجدنا وكنائسنا, خرجوا في وقت ظننا أن أجيالا جديدة ولدت وترعرعت في عالم تتوه فيه الخصوصيات وتتهدم القيم والمبادئ ويصعب علي أمثالهم أن يهدونا الأمل بالمواجهة والانتفاض. إن فعل المقاومة كبير المعني في لحظة استثناء يعم فيها الخراب في عواصم العرب, وتتقاتل الفرق والمذاهب علي امتداد الإقليم, حتي داخل فلسطين ذاتها, وتتمزق الشعوب وتنهك في صراعات محمومة علي السلطات المتوهمة والثروات الزائلة, ويكاد ينقضي ربيع العرب إلي كابوس يهدد ما بقي لنا من جغرافيا وتاريخ. مفاجأة لأنها مقاومة بلا مرجعية سوي الأخلاق والعقيدة, وبلا سياسة سوي حب الأوطان والموت من أجلها, وبلا انتماء إلا لهذه الأرض وأهلها, مفاجأة لأنها خرجت من قلب القدس والضفة المحتلتين, خرجت من قلب التأثير الهائل لسياسات العدو الترويعية والقمعية بكافة أشكالها المادية والمعنوية, ومن قلب سياساته الناعمة في فرض وعي جديد بواقعه كدولة ذات تأثير كوني وباختراقاته لأنسجة المجتمع الفلسطيني وعقول أبنائه, خرجت الانتفاضة لتقول لنا إن هناك أملا, وأن القضية رغم كل ما تعرضت له من تشويه وتزييف, ورغم حصارها ومحاولة وأدها إلي الأبد عبر مسخ من الترويجات والسياسات والعلاقات النخبوية علي امتداد الإقليم; فإنها لاتزال حاضرة في أذهان أجيال جديدة ومتجددة, وأن هذه القضية ضمير هذه الأمة, وأن اللحظة التي يسود فيها هذا الضمير ويتسيد أمره ستكون بداية الانطلاق نحو سياسة الأمل وسياسة استعادة الجغرافيا المسلوبة وسياسة صناعة تاريخ جديد.