استعدادا لشهر رمضان، حملة نظافة مكثفة داخل مساجد القليوبية    مجلسي النواب والشيوخ يسابقان الزمن لإقرار قانون الإدارة المحلية    جامعة بني سويف تنظم ندوة حول فضائل شهر رمضان    الشهابي: تشكيل المجالس المحلية ضرورة وأمن قومي    المقاولون العرب تنفذ أعمالا بقيمة 48.3 مليار جنيه وتحقق 1.4 مليار جنيه صافي أرباح    البورصة المصرية عند مفترق طرق، EGX30 وEGX70 يقتربان من مناطق مقاومة حاسمة    رئيس الحزب الناصري: اقتحامات الإسرائيليين المتكررة للمسجد الأقصى إرهاب سياسي وديني    اجتماع مجلس السلام فى واشنطن برئاسة ترامب ..إعادة إعمار غزة مقابل نزع سلاح المقاومة    كرة اليد، اكتمال عقد ربع نهائي كأس مصر رجال    حيثيات حكم القضاء الإداري بإلغاء إنهاء خدمة عامل لتعاطيه المخدرات    حقيقة فيديو سحل طالب أمام مدرسة بالمنوفية.. معركة السلاح الأبيض بسبب المزاح    عُمان تعلن رمضان الخميس.. ودول عربية ترصد هلاله اليوم الثلاثاء    قراءة سوسيولوجية في وهم الامتلاك!    مواعيد عرض الحلقتين الأخيرتين من مسلسل قسمة العدل    عشرة آلاف مستفيد من قافلة جامعة عين شمس الشاملة لمحافظة البحر الأحمر    ما بعد زراعة النخاع العظمي؟ .. في ضوء اليوم العالمي لمرضى الطرد العكسي ضد النخاع    مسؤول إيراني: نجاح المفاوضات يتوقف على تخلي أمريكا عن مطالب غير واقعية    محافظة القدس: إسرائيل تسعى لنزع ملكية 55% من أراضي الضفة    وزير الخارجية يجتمع مع وزراء كينيين لتعزيز الشراكة الاقتصادية والتعاون في مجال إدارة الموارد المائية    الضفة.. مستوطنون يهجرون 15 عائلة فلسطينية من الأغوار    طالب بجامعة الدلتا التكنولوجية يحصد أول بطولة للجمهورية في رماية المسدس    إتشيفيري معترفا: دهست قدم كوندي قبل الهدف في برشلونة    دياب: مكافأة بطل الدوري ستكون أكثر من 20 مليون.. ولن نؤجل مباريات بسبب الاتحاد الإفريقي    حكام مبارايات الثلاثاء في ختام منافسات ربع نهائي كأس مصر للكرة النسائية    الشرطة الإيطالية تطالب حكم ديربي إنتر ويوفنتوس بالبقاء في المنزل    نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون الدراسات العليا يستقبل رئيس جامعة ناجويا اليابانية    الحكومة تعلن افتتاح 360 معرض «أهلًا رمضان» لتوفير السلع بأسعار مخفضة    «الصحة» تنظم ندوة توعوية حول الحوكمة والتنمية المستدامة    مصرع شخص وإصابة 3 آخرين في تصادم ملاكي وميكروباص بدار السلام بسوهاج    السجن 6 سنوات للمتهم بالتعدى على شاب من ذوى الهمم بالشرقية    ارتفاع الساسو والمسكوفي، أسعار الكتاكيت والبط اليوم الثلاثاء في بورصة الدواجن    «المقاولون العرب» تنفذ مشروعات بقيمة 48.3 مليار جنيه خلال 2024-2025    علا الشافعى تكتب من برلين: برليناله 76.. «Everybody Digs Bill Evans» بيل إيفانز بين عبقرية الجاز وعزلة الروح    وزير الأوقاف يعلن تفاصيل الحفل الختامي لبرنامج دولة التلاوة    أوقاف القليوبية تطلق حملة نظافة مكبرة بجميع المساجد استعدادا لشهر رمضان    صلاة التراويح.. تعرف على حكمها وعدد ركعاتها وكيفية أدائها    وزيرا الخارجية والموارد المائية والري يلتقيان رئيس جمهورية كينيا    رئيس مجلس النواب يهنئ الرئيس السيسى بمناسبة قرب حلول شهر رمضان المعظم    طريقة عمل سلطة الكرنب الأحمر بمذاق مميز ولا يقاوم    إياد نصار: أشكر المتحدة للخدمات الإعلامية على مسلسل صحاب الأرض    لجنة الانضباط ترفض احتجاج اتحاد جدة على مشاركة مهاجم النصر    إنطلاق جلسة النواب لمناقشة تعديلات تشريعية عن سجل المستوردين    تحقيقات موسعة تكشف تفاصيل واقعة تحرش بتلميذ داخل مدرسة بالشرقية.. تقاعس الأخصائية الاجتماعية ومدير المدرسة عن اتخاذ الإجراءات والنيابة الإدارية تحيلهما للمحاكمة وتطالب بضرورة تفعيل منظومة كاميرات المراقبة    استشاري صحة نفسية: دخول 700 نوع مخدر جديد لمصر من 2011 إلى 2013    عمرو سعد يعلن تبرعه ب 10 ملايين جنيه للغارمين بالتزامن مع «إفراج»    "الأعداد فى الثقافتين المصرية والإنجليزية".. رسالة دكتوراه ب"ألسن سوهاج"    وزير الصحة يناقش مشروع موازنة الهيئة العامة للتأمين الصحي    وصول الوفد الروسي جنيف للمشاركة في محادثات أوكرانيا    الثلاثاء 17 فبراير 2026 "استقرار مواعيد القطارات بأسوان    واشنطن: حجم طلبات شراء الأسلحة الأمريكية بلغ 900 مليار دولار    حكم صوم يوم الشك بنية كفارة اليمين؟.. الإفتاء تجيب    إذاعة رمضان تعود بقوة من قلب ماسبيرو... 10 مسلسلات درامية تعيد أمجاد الراديو وتجمع كبار النجوم في موسم استثنائي    الصحة: إنهاء معاناة 3 ملايين مريض ضمن مبادرة قوائم الانتظار بتكلفة 31 مليار جنيه خلال 7 سنوات    دعاء الفجر.. أدعية تزيل الهموم وتجلب الخير    60 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات بمحافظات الصعيد.. الثلاثاء 17فبراير    الإفتاء: التهنئة بقدوم شهر رمضان جائزة ولا حرج فيها    حقيقة اهتمام مانشستر يونايتد وتشيلسي بالتعاقد مع يورجن كلوب    وليد دعبس يدعو لاجتماع طارئ بسبب أزمة التحكيم: الأندية تُنفق الملايين وحقوقها تُهدر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإخوان‏..‏ والصعود نحو الهاوية‏26‏

عندما تقدم المهندس أبو العلا ماضي بتأسيس الحزب لم يكن قادة الحرس القديم قد حسموا أمرهم من قضية الحزبية بشكل عام علي الرغم من موافقتهم في بادئ الأمر علي المشروع
وهو ما أكده ماضي نفسه في حوار مع جريدة الحياة عندما ألمح إلي أن المبادرة بتأسيس الحزب لم تأت منقطعة الصلة بجماعة الإخوان بمعني تنظيمي‏..‏ أو بمعني فكري‏.‏
وأشار ماضي‏(‏ في محضر نقاش أجريناه معه بعد عشرة أيام فقط من تقدمه بطلب الحزب في‏9‏ يناير‏1996)‏ إلي أن بعض قيادات الإخوان كانوا علي علم مسبق بهذه الخطوة‏,‏ هذا علي الصعيد التنظيمي‏,‏ أما علي صعيد الانتماء الفكري للإخوان فقد أكد ماضي بوضوح اعتقادنا الراسخ في شعار الإسلام هو الحل‏..(‏ الشعار الرئيسي الجامع للإخوان المسلمين‏),‏ وأن حزب الوسط هو ترجمة برنامجية للشعار‏..‏ وشدد علي أن المؤسسين للوسط لا يمانعون أن ينضم للحزب أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين‏.‏
أما اعتراف تيار الحرس القديم فجاء علي لسان المرشد العام للجماعة في حوار أجريناه معه ونشر في حينه بجريدة الأهالي عدد‏7‏ فبراير‏1996,‏ حيث أكد مشهور في رده علي سؤال لنا حول ما أعلنه مجموعة حزب الوسط من أنهم لا ينتمون تنظيميا للجماعة‏,‏ هذا كلام يقولونه لدرء الشبهات‏,‏ لأن الحكومة تعلن أن جماعة الإخوان جماعة غير شرعية‏,‏ وتقول إنه لا يوجد ما يسمي بتنظيم الإخوان المسلمين في مصر‏..‏ وهؤلاء الشباب يريدون أن يدفعوا عن أنفسهم كونهم ينتمون لتنظيم غير شرعي‏,‏ حتي يحظي حزبهم بالقبول‏,‏ ولكنهم لم ينسلخوا عنا ومازالوا أعضاء في تنظيم الإخوان المسلمين‏.‏
وفي حوار آخر مع مجلة المختار الإسلامي في‏5‏ مارس‏1996‏ يعود المرشد ليؤكد علاقة الجماعة بالحزب وبمؤسسيه‏,‏ حيث يقول نحن لم نحظر علي الشباب أن يتحرك‏,‏ وهم قالوا نؤسس حزبا لأن الحكومة لا تعترف بشرعية الجماعة‏,‏ ونحن كشيوخ داخل الجماعة لم نحظر عليهم تلك الخطوة‏,‏ وأضاف التزام هؤلاء الشباب بالجماعة أصل وتصرفاتهم مجرد اجتهاد‏,‏ وهم لا ينوون الانعزال عن الجماعة أو الانشقاق عنها‏,‏ ورأوا أنها قد تكون وسيلة للعمل لكنها لا تعني الانفصال عن الجماعة‏.‏
بل يذهب المستشار مأمون الهضيبي المتحدث الرسمي باسم الجماعة وقتها ليعلن بوضوح أن شباب الإخوان قد تم لهم الإذن بذلك‏,‏ وذلك في حوار بمجلة اليسار في عدد فبراير‏1996.‏
ويبقي التصريح الأوضح والأسرع لقيادات الإخوان بخصوص الحزب‏,‏ هو ذلك التصريح الشهير الذي أدلي به المرشد العام مصطفي مشهور لوكالة الصحافة الفرنسية‏(‏ نشر بجريدة الشرق الأوسط اللندنية في‏21‏ فبراير‏1996)‏ أن بعض الشباب من الإخوان فكروا في إنشاء حزب حتي نتحرك بشكل قانوني‏,‏ وهذه المرة الأولي التي تنوي فيها جماعة الإخوان المسلمين إنشاء حزب منذ تأسيسها في العام‏1928‏ انتهي كلام المرشد العام للإخوان‏...‏ وهو في غاية الوضوح لا لبس فيه أو غموض‏..‏ ولكن‏..‏ وكعادة قيادات الإخوان دائما ومنذ المؤسس الأول الإمام حسن البنا وحتي آخر مرشد عام‏,‏ عاد مصطفي مشهور ليعلن بعبارات واضحة‏,‏ لا لبس فيها أيضا أنه لا علاقة للإخوان بالمجموعة التي سعت لإنشاء حزب الوسط‏,‏ وأنه لا تربطهم بالجماعة صلة تنظيمية‏(!!)‏ في حديث مع مجلة الحوادث اللبنانية في‏8‏ مارس‏1996.‏
وهكذا استمر التردد والمراوغة يتحكم في تصريحات قيادات المعسكرين‏..‏ شباب الوسط‏..‏ وقيادات الإخوان وإن يكن تردد و مراوغة المرشد العام والمتحدث الرسمي باسم الإخوان قد جاءا من باب الاعتياد واتساقا مع أساليب الجماعة في التعامل مع الأمور‏..‏ حيث دائما أكثر من رأي وأكثر من تصريح‏..‏فإعلان‏..‏ ثم إنكار ثم إعلان‏..‏ وهكذا وهي سنة شائعة‏..‏ تمثل فهما وأسلوبا ملازما للجماعة‏,‏ وقد تكون الجماعة‏(‏ الإخوان المسلمين‏)‏ وخاصة تيار المحافظين قد عمد لهذا السلوك‏..‏ حتي تتكشف الأمور‏..‏ فإن خيرا ووافقت الحكومة علي التصريح للحزب‏..‏ فالعدة والعتاد جاهزان للاستحواذ علي الحزب‏..‏ وإن لم يكن ذلك‏..‏ فتبقي للجماعة هيبتها وثبات مواقفها من قضية العمل الحزبي‏..‏ وربما في تحليل آخر عمدت الجماعة علي لسان صقورها وقادتها إلي التأكيد علي العلاقة التنظيمية بين الإخوان وجماعة المؤسسين للحزب كرسالة للحكومة‏,‏ وبالتالي ترفض الحكومة التصريح للحزب‏,‏ فتقطع الجماعة علي الخارجين عنها من شباب الوسط الطريق‏..‏ فيعودون صاغرين‏.‏
علي كل حال‏..‏ وأيا ما كانت استراتيجية الصقور من مشايخ وقيادات الإخوان فهي قابلة للفهم بمنطق تاريخي مرجعي أو بمنطلق برجماتي نفعي‏,‏ يبقي أن تردد شباب إخوان الوسط‏..‏ في تحديد علاقتهم التنظيمية والفكرية رغم تفهمنا لبعض ترددهم كما أسلفنا بجماعة الإخوان فيما يبدو هو نقطة ضعفهم أو قل كعب آخيل الذي تسللت منه حجج ومبررات الرافضين وغير المتحمسين والمحذرين‏,‏ سواء لجنة الأحزاب أو بعض القوي السياسية أو النظريات الأمنية التي تلاحقهم باعتبارهم مجرد بالون اختبار أطلقته جماعة الإخوان‏,‏ أو مناورة لاستشراف نوايا الحكومة‏,‏ أو في أحسن الأحوال مجرد حاجزين لحزب سياسي‏..‏ حتي تأتي جحافل الإخوان بصقورها ومشايخها التقليديين للسكن فيه‏.‏
هكذا في رأينا جني تردد شباب الوسط عليهم‏..‏ وكما كانت فكرتهم علي المستوي النظري جسورة ومثلت خطوة كبيرة للأمام في تاريخ العمل السياسي الإسلامي‏,‏ كان عليهم أن يتحلوا بجسارة مماثلة علي مستوي الممارسة العملية‏..‏
وأن يتجاوزوا جدار الهيبة‏..‏ وخشية العاقبة‏..‏ عاقبة الانسلاخ الواضح عن الإخوان المسلمين وهو ما حدث للأمانة ولكنه جاء متأخرا‏.‏
الافتراق‏..‏ حتمية موضوعية
أمام هذا التصاعد الدرامي قد يخطر للبعض سؤال‏:‏ ألم يكن من الممكن تدارك الأمور قبل استفحالها؟ هل عدمت الجماعة نفرا من الحكماء من داخلها أو خارجها يسعون للم الشمل؟ ألم يتفهم هذا التيار أو ذاك ضرورة تقديم بعض التنازلات للآخر؟ ألم يكن من الممكن تحاوز هذه الحالة ببعض المرونة تجاه هذه الرؤية أو تلك؟‏!‏
نقول‏.‏ لا شك أن بعضا من هذا حدث‏..‏
لكن كل هذه المحاولات لتجاوز مساحات الخلاف بين رؤي الفريقين لم تحقق مرادها متكاملة لتلك القضية تنظر في ماهية هذه القيادات التاريخية للإخوان والظروف الذاتية والموضوعات التي تشكلت فيها ملكاتهم وأملت عليهم مواقفهم واختياراتهم ورؤاهم‏..‏ كذا الظروف المغايرة التي تشكل خلالها جيل شباب السبعينيات التجديدي‏,‏ وأملت عليهم أيضا رؤاهم وانحيازاتهم يقول طلعت رميح واصفا جيل المحافظين من الحرس القديم‏:(‏ طلعت رميح‏,‏ الوسط والإخوان‏,‏ ص‏172).‏
القيادة الحالية للإخوان تشكلت عقليا وسياسيا وتنظيميا ونفسيا ومن خلال ضغط الأزمة والصراع الضاري مع ثورة يوليو والرئيس عبدالناصر‏,‏ وتأثرت بتبعاته فيما بعد‏,‏ حيث دخلت هذه القيادات السجون‏,‏ وهم في سن الشباب وكانت خلفيتهم الثقافية ورؤاهم السياسية وقدراتهم التنظيمية هي ما يتوافر للشعب المصري في تلك المرحلة‏..‏ وكان لطول الفترة التي قضوها وراء الأسوار وصلت بالنسبة للكثيرين منهم إلي‏15‏ عاما وقضي بعضهم اثنين وعشرين عاما كاملة‏,‏ ومنهم المرشد الحالي للجماعة مهدي عاكف بصمود وصبر وتبتل‏,‏ انقطعوا خلالها عن العالم تأثير كبير‏,‏ سواء من ناحية تحديد نوعية العناصر التي استمرت‏,‏ أو المفاهيم والأفكار والآراء والسلوكيات التنظيمية التي تغلغلت في داخلهم‏,‏ بما يمكن تلخيصه في التالي‏:‏
‏1‏ أن من صمد طوال هذه الفترة العصيبة‏,‏ ومن تنادي بعد ذلك لبدء نشاط الإخوان مجددا‏,‏ كانوا في معظمهم من اعضاء النظام الخاص الذين اختيروا لهذه المهمة‏,‏ وتربوا خلالها علي صفات الثبات والسرية والطاعة والثقة المطلقة في القيادة وتنفيذ الأوامر‏,‏ وهي إن كانت صفات ضرورية للعمل في هذا الجهاز الخاص‏,‏ لكنها ليست متناسبة مع الدور الجديد الذي أصبحوا مطالبين بأدائه في قيادة الجماعة في الفترة التي بدأوا فيها إعادة نشاط الإخوان مع مطلع السبعينيات‏,‏ والذي يتطلب موهبة وأسلوبا وتجربة خاصة في قيادة الجماعة في كل مجالات نشاطاتها السياسية والتنظيمية والنقابية‏..‏ الخ‏.‏
‏2‏ ان الخلفية الثقافية والسياسية بالنسبة لهذه القيادات قد أصيبت بالتجمد بحكم طول الفترة في السجن‏,‏ وصعوبة إمكانية الاطلاع كذلك بسبب ظروف السن‏,‏ مما جعل هذه القيادات ليست علي إدراك كامل بالتطورات السياسية الهائلة التي حدثت في العالم‏,‏ وبالأفكار والتيارات الحديثة التي ظهرت علي ساحة الأحداث‏,‏ وبنظم الإدارة والتنظيم الحديثة‏..‏ الخ‏,‏ وهو الأمر الذي دفعهم إلي الغموض وعدم الوضوح في الشعارات السياسية التي يطرحها الإخوان‏,‏ والبعد عن تفصيلها في برامج سياسية‏,‏ بل والإصرار علي جعل تفاصيلها في رؤوس الإخوان القدامي‏,‏ دون تفصليها لدي الجدد أنفسهم‏!‏
لقد توقف هؤلاء عند حدود الأفكار التي طرحها الشهيد حسن البنا‏,‏ بحكم أنهم تربوا عليها غير أنه وإن كانت سابقة لعصر تشكيل الإخوان‏,‏ إلا أنها بعد مضي وقت كانت بحاجة للتحديث والتطوير بحكم التغيرات الكبيرة التي شهدها العالم والحياة‏,‏ وهو أمر لم تمكنهم ظروفهم السالفة الذكرمن القيام به‏.‏
‏3‏ وكان طبيعيا والحال كذلك أن يصاب الحرس القديم بحالة عاطفية تجاه بعضهم البعض‏,‏ وأن تسخر القواعد واللوائح للحفاظ علي تماسكهم‏,‏ بل ولعدم إغضاب بعضهم البعض‏,‏ مهما كانت الظروف والأحوال والمشكلات‏,‏ الأمر الذي تسبب في شلل داخلي للتنظيم‏,‏ باعتبار أن غضب أحدهم هو خط أحمر لصدور أي قرار سياسي أو تنظيمي‏.‏
‏4‏ كما كان من ناتج أحداث الملاحقات والمحاكمات والنشر في الصحف خلال عامي‏1954‏ و‏1965‏ أن حدثت هالة من التقديس تجاه بعض الرموز نتج عنها تكريس شديد لعدد من الشخصيات‏.‏
لقد كانت أجهزة الإعلام الناصرية في حاجة إلي التضخيم من حجم الأفكار ومن قدرة بعض الشخصيات‏,‏ ومن عظم بعض الأحداث لتبرير اتساع وسطوة الإجراءات المتبعة ضد الإخوان‏,‏ فتأثر بعض من جرت حولهم عمليات النشر والإعلام‏,‏ وغزت هذه الأوضاع نفوسهم‏,‏ بما قلل من شعورهم بأهمية الاطلاع علي ما يجري من تطورات‏,‏ وبما قلل من احتمالهم للخلاف مع الجيل الجديد‏,‏ أو تقبل آرائه ومساهماته‏.‏
‏5‏ وكان من ناتج عمليات الإعدام التي جرت وقبلها عملية اغتيال الشهيد حسن البنا أن أصبح المرشحون للقيادة أندادا لبعضهم البعض‏,‏ إذ افتقد الإخوان كاريزمية شخصية البنا‏,‏ كما افتقدوا الصف الأول في القيادة‏,‏ ولم تبرز منهم شخصية قيادية خلابة‏,‏ الأمر الذي كان عامل طرد للبعض‏,‏ كما كان عاملا من عوامل الاستقلال بالمحافظات التي توجد فيها قيادات تاريخية‏.‏
‏6‏ ان ظروف الأحداث التي مرت بها الجماعة مع ثورة يوليو جعلت هذه الرموز في حالة قطيعة مع التيارات الأخري‏,‏ وقللت من مرونتهم السياسية‏,‏ وبالغت في نظرتهم الخلافية مع هذه التيارات مع الدولة‏,‏ وأصبحت تنظر بشك وحذر لكل تعاون مشترك لسابق تحميلها بإرث الماضي‏.‏
تيار جديد‏:‏
وفي المقابل نشأ تيار السبعينيات التجديدي نشأة عفوية‏,‏ ارتبطت بالطاقات والإبداعات الفردية‏,‏ وارتبطوا بحركة واسعة قبل ارتباطهم التنظيمي بالإخوان‏.‏
وإذا كان الجيل القديم‏,‏ خرج من إطار ما أتيح من ظروف ثقافية وفكرية وتنظيمية وإدارية في الأربعينيات‏,‏ فإن الجيل الجديد ارتبطت نشأته بظروف تعليمية وثقافية وسياسية مختلفة‏,‏ ومنفتحه علي الحياة والعالم‏,‏ قرأوا خلالها لمفكرين من خارج الإخوان‏,‏ وذهبوا إلي كل أطراف العالم ينشدون العلم والمعرفة‏,‏ أو المساهمة السياسية في نشاطات التجمعات الخارجية‏,‏ وتعلموا لغات الغرب‏,‏ واحتكوا بحضارتهم‏,‏ فاستفادوا منها‏,‏ ورفضوا سلبياتها‏.‏
وإذا كان الجيل القديم حدد موقفا من التيارات السياسية ومن الدولة‏,‏ تأثر فيه بإرث الأزمة‏,‏ فإن التيار الجديد نشأ وتربي مع ثورة يوليو‏,‏ وخرج للعمل العام من خلال الاحتكاك بالحركة السياسية والتيارات الأخري‏,‏ غير محمل بإرث الماضي‏,‏ فوجدها علي غير مايري القدامي‏,‏ فاقترب منها وتأثر بها وأثر فيها‏.‏
وإذا كان الجيل القديم انضم للجماعة في غير نزاع مع جماعات أخري‏,‏ فإن الجيل الجديد انضم للجماعة في نزاع مع جماعات أخري‏,‏ أهمها جماعات العنف‏,‏ مما يجعله أشد حساسية ونفورا من فكرها‏,‏ وأكثر طلبا والحاحا علي التمايز عنها‏.‏
وإذا كان الجيل القديم لم ير في جماعات الدول الأخري التي خرجت علي خط الإخوان سوي تيارات انحرفت بالدعوة‏,‏ فإن الجيل الجديد رآها مجددة‏,‏تطورت بفكر الإخوان الذي توقف‏,‏ تفهم مواقفها وتعلم منها‏,‏ ورفض ما رآه مخالفا لمايري‏,‏ ووافق علي ما رآه إيجابيا صحيحا‏.‏ جيل رأي الإخوان في اليمن يشاركون في الحكم‏,‏ ومثلهم إخوان الأردن‏,‏ فلم يغيروا فكرهم وأصابوا نجاحا في خدمة مواطنيهم‏.‏ورأي الإخوان في السودان صاروا أقلية أمام زحف فكر الترابي بغض النظر عما لهم من تحفظات عليه وعلي المجيء للحكم عبر انقلاب عسكري‏,‏ فرموز هذا التيار يرفضون هذا الأسلوب والتكتيكات السياسية البالغة التعقيد التي اتبعها‏.‏
مأزق الإخوان‏:‏
غير أن الأهم من اكتشاف وتعرف الجيل الجديد علي ظروف الحرس القديم هو تعرفهم علي المشكلات والمآزق الخطيرة التي تواجه الإخوان بسبب هذا الجيل المسيطر أو للأسباب التاريخية التي مر بها الإخوان‏.‏
وقد توصل بعض رموز هذا الجيل إلي أن ثمة ازدواجية تحكم ظروف الإخوان‏,‏ وتعرقل تطورهم السياسي والتنظيمي والجماهيري‏!.‏
فالإخوان‏..‏جماعة‏..‏وليسوا حزبا ينشدون الحرية والتعددية ويقيدهم رأيهم في عدم المشاركة في أية حكومة لاتمثل الإخوان بصفة كاملة‏.‏
ينشدون العمل السياسي‏..‏ويفتقدون مرونة التعاون من كل القوي السياسي أو معظمها‏.‏
يرغبون في تأسيس حزب‏..‏وغير قادرين علي تقديم رؤي وأفكار تناسب الظروف السياسية والقانونية السائدة‏.‏
يقفون ضد الإرهاب‏..‏ دون أن يعلنوا انحيازهم للتغيير السلمي وتداول السلطة‏,‏ مكتفين بما صدر في الستينيات‏(‏ كتاب دعاة لاقضاة‏)‏ وبإدانة العمليات الإرهابية‏.‏
يشعرون بالتغيرات الهائلة في العالم‏..‏وغير قادرين علي طرح رؤي فكرية وفقهية لمعالجتها‏.‏
يعملون في علنية‏..‏وتحاط أمورهم بالسرية‏!‏
بهذا الوضوح الجامع‏..‏وصف طلعت رميح الحال‏..‏حال كل معسكر‏..‏معسكر تيار الحرب القديم وأتباعهم‏..‏ومعسكر تيار السبعينيات التجديدي‏..‏حتي بدا جليا أن التقاء المعسكرين وإن تم في لحظات وفرت الظروف الموضوعية والذاتية ممكنات التلاقي لهما إلا أن واقع الحال الآن يشير لصعوبة إن لم نقل استحالة التلاقي‏..‏ ونعني هنا بالتلاقي الاستمرار في وعاء تنظيمي واحد تسيطر عليه أفكار المحافظين المتشددين من صقور جماعة الإخوان‏..‏ومن هنا‏..‏فإن الافتراق حادث لامحالة كما تم في الوسط مع باقي أطياف هذا التيار‏,‏ إن لم يكن اليوم فغدا‏,‏ وإن لم يكن بالجسد فبانتصار الفكرة‏.‏
إن قصة حزب الوسط تعكس ضمن ماتعكس بجلاء الصراع الفكري‏/‏ التنظيمي داخل صفوف الإخوان المسلمين‏..‏ وتكشف طبيعة الخلاف بين الديني والسياسي علي المستوي الفكري النظري كذا علي المستوي الحركي العملي‏.‏
وتقود إلي السؤال الأهم‏:‏ هل يمكن أن تتحول جماعة الإخوان إلي حزب سياسي؟ هذا السؤال‏..‏ سنشتبك مع معطياته لاحقا‏.‏
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.