خلافات كبيرة اشتعلت بين شريكي الحكم في السودان منذ اللحظة الأولي للإجراءات الممهدة للاستفتاء كما كان هو الحال دوما طوال السنوات الخمس الماضية من عمر شراكتهما في الحكم التي انقضت في خلافات ومشاكسات أضاعت علي السودان فرصا كثيرة لتحقيق وحدته واستقراره, والخلاف هذه المرة حول التسجيل للاستفتاء, وهي خطوة مهمة للغاية سيتوقف عليها إلي حد كبير نتائج الاستفتاء المقرر لأبناء جنوب السودان في التاسع من يناير المقبل, والذي يتوقف عليه مستقبل الجنوب بل والسودان كله, وستكون له تأثيرات كبيرة علي الدول المحيطة والمنطقة. وتنبع أهمية مرحلة التسجيل للاستفتاء, من أن هذا التسحيل هو الذي سيحدد من الذين سيكون من حقهم التصويت لصالح الوحدة أو الانفصال في التاسع من يناير المقبل, وتكمن خطورة هذا الأمر من أن قانون الاستفتاء يجعل من عملية الاستفتاء مكتملة النصاب بحضور60% ممن قاموا بالتسجيل أيا كان عددهم, علما بأن عملية التسجيل تستهدف قرابة خمسة ملايين من أبناء الجنوب يقيمون داخل الجنوب وفي شمال السودان وفي بعض دول الجوار والعالم, وسترجح نسبة50%+1 فقط أن تكون الغلبة لأي من الخيارين الوحدة أو الانفصال. ولعل هذه العملية الحسابية تظهر لنا السبب في هذا الخلاف الكبير بين شريكي الحكم, وكيف أنه سيمكن لأعداد قليلة في نهاية المطاف من حسم الأمر,لذا كان كل طرف منهما يعتمد علي تمكنه من السيطرة علي هذه المرحلة, فحزب المؤتمر الوطني الذي كان يراهن علي أصوات الجنوبيين المتحالفين معه في الشمال فوجيء عند بدء عملية التسجيل أنه ضعيف للغاية في الشمال, واتهم الحركة الشعبية بأنها تحاصر الجنوبيين وتمارس عليهم ضغوطا وترهبهم وتوجه إليهم تهديدات بالقتل وغيره لكيلا يقوموا بالتسجيل في الشمال, وقالت قيادات المؤتمر الوطني أنهم أحصوا عشرات المخالفات وسيرفعونها لمفوضية الاستفتاء ويتخذون الإجراءات القانونية اللازمة لتصحيح الأوضاع التي تحرم قطاعات كثيرة من الجنوبيين من التصويت واتهم حكومة الجنوب بإعتقال قيادي شاب في هيئة دعم الوحدة التي يرأسها الرئيس البشير, بينما اتهمت الحركة الشعبية الشعبية حزب المؤتمر الوطني بأنه هو الذي يسعي للتأثير علي أصوات المواطنين الجنوبيين وإرهابهم, وخطورة التصعيد في هذه القضية أنه يمكن أن ينتقل من القيادات في الحزبين إلي القواعد في كل مكان داخل السودان وخارجه لينتج مشكلات كبيرة في مراكز التسجيل. وتصاعدت حدة الخلاف بين الطرفين بسبب هذه القضية, فضلا عن القضايا الأخري التي يتم التفاوض حولها بين الشريكين داخل السودان وخارجه بمساعدة كبيرة من المجتمع الدولي الذي يصر علي إجراء الاستفتاء في موعده, والتي ماإن يتم تحقيق بعض تقدم في بعضها حتي تظهر تعقيدات في التنفيذ أو تظهر تعقيدات أخري لم تكن موجودة من قبل, ومن بينها إجراءات التسجيل. ويبدو أن مرحلة التسجيل لم تحظ برقابة كبيرة من المنظمات الدولية, التي تصب جل اهتمامها علي عملية الاستفتاء ذاتها, وليس علي الإجراءات الممهدة لها, ولم تستفد من تجربة الانتخابات الأخيرة في السودان في أبريل الماضي التي انصبت كل الشكوك حول عدم نزاهتها علي مرحلة التسجيل, التي أكدت أحزاب المعارضة في الشمال والجنوب علي حد سواء أن الحزبين الحاكمين المؤتمر الوطني في الشمال والحركة الشعبية في الجنوب أحكما قبضتهما علي مرحلة التسجيل, وأن نتائج الانتخابات تبعا لذلك كانت معروفة سلفا أنها ستكون لصالحهما, وهو الأمر الذي يري كثيرون أنه سيتكرر في الاستفتاء الحالي, ويبدو أن المجتمع الدولي لايمانع في قبول نتائجه أيا كان مشكوكا فيها, مثلما تعامل مع الانتخابات الماضية, وهو أمر قد يؤدي إلي مزيد من التعقيد والتأزم في الوضع السوداني الحالي المحاط أصلا بتعقيدات هائلة. ومايزيد الأمر التباسا في عملية التسجيل للاستفتاء هو أن مفوضية الاستفتاء وقانونه لم يوضحا أي الجماعات العرقية تعتبر جنوبية, وهو مايري المراقبون أنه قد يتسبب في حدوث أخطاء خلال عملية التسجيل, وأن ذلك قد يسبب مشكلة كبيرة في المناطق الحدودية بين الشمال والجنوب وأيضا في الشمال, حيث ان التزاوج بين القبائل يعني أن المظهر الخارجي لن يكون كافيا وحده لتحديد ما إذا كان الشخص من أصل جنوبي, وقد يؤدي عدم وضوح شروط الأهلية للتسجيل للاستفتاء إلي حرمان أشخاص لهم حق التصويت من التسجيل, وإلي تسجيل آخرين ليس لهم حق التصويت, وهو ماقد يجعل التصويت عرضة للتلاعب في رأي البعض, علما بأن قانون الاستفتاء يجعل التصويت للاستفتاء من حق أي شخص يبلغ من العمر18 عاما وينتمي إلي قبيلة كانت تقيم في الجنوب منذ أو قبل عام1956 وهو تاريخ استقلال السودان, كمايستطيع التصويت كذلك أي شخص غير مقيم بالجنوب ولكنه ينحدر من أسرة تقيم في الجنوب منذ أو قبل عام1956, وكذلك الأشخاص الذين لاينتمون إلي قبيلة من جنوب السودان لكنهم يقيمون فيه منذ الاستقلال, وهناك تعقيد آخر مرتبط بالفترة الزمنية الضيقة التي تتم فيها إجراءات كان ينبغي أن تستغرق ثلاث سنوات فإذا بها يجب أن تتم علي عجل في بضعة أشهر. والخطير في الأمر أن رفض حزب المؤتمر الوطني للخروقات في التسجيل للاستفتاء قد يؤدي به إلي رفض نتائج الاستفتاء ذاته إذا لم تحل المشكلات المتعلقة بالتسجيل, وهو الأمر الذي قد تكون له عواقب وخيمة, وقال مسئولون في المؤتمر الوطني أن ماحدث الآن ينبيء أن الاستفتاء لن يكون نزيها أوذا مصداقية. ورغم نفي الحركة الشعبية لتحرير السودان علي لسان عدد من مسئوليها أن تكون طلبت أو أوعزت أو شنت حملة منظمة من أجل حث الجنوبيين في الخرطوم والمدن الشمالية علي الرحيل إلي الجنوب للتصويت هناك أو العزوف عن التسجيل في الشمال خوفا من استغلال غريمها المؤتمر الوطني لأصواتهم وتزويرها, إلا أن الحركة الشعبية لاتنفي خوفها المستمر من تلاعب المؤتمر الوطني بأصوات الجنوبيين في الشمال الذي يعد مجال سيطرته ونفوذه. ولعل هذا مايعبر عنه دينق كوج القيادي الشاب بالحركة الشعبية لتحرير السودان وهو أيضا كاتب وصحفي يقول: لماذا يعتقد الإسلاميون يقصد حزب المؤتمر الوطني ومن شايعهم بأن الجنوبيين أغبياء.. أو قليلو الفهم والإدراك ويضيف: عندما خرجت قيادات المؤتمر الوطنيللتجوال بالمراكز الخاصة بتسجيل الجنوبيين بالشمال خاصة بولاية الخرطوم, ووجدوا بأن التسجيل صفر كبير فبدلا من أن يتقبلوا الأمر بصدر رحب أعني قبول حقيقة عدم وجود أي تسجيل والعودة إلي الأسباب الحقيقية بمنطقية قاموا بحملة مسعورة وفيها العديد من التهديد لجهات مختلفة تقوم بتهديد الجنوبيين بعدم التسجيل وهذا يعني ببساطة, هروبا من الاعتراف بالوقائع الحقيقية لعدم التسجيل, كذلك افترضوا الغباء في الجنوبيين بالشمال وعدم إلمامهم بحقوقهم وأنهم ضحايا ضغوط وأساليب فاسدة تمارسها الحركة الشعبية, وأن الحركة الشعبية خلف عزوفهم عن التسجيل وهذا الأمر غير صحيح بتاتا.. فهذه الاتهامات تعني أن الجنوبيين في الشمال أغبياء لا يعرفون حقوقهم, وأنهم لغبائهم فإن هناك من يهددهم بعدم الذهاب إلي التسجيل وإلا فإنهم يعرضون أنفسهم للتهلكة.... الإجابة لا بكل قوة.. بل العكس هو الصحيح فإن وعي الجنوبيين- خاصة جنوبيي الشمال- بالاستفتاء أكبر من وعي جنوبيي الجنوب خاصة في الفئة العمرية من40 عاما فأكثر بين الرجال والنساء, وهو إحصاء قامت به جهة محايدة وموثوقة قبل التسجيل بشهر ويؤكد دينق كوج: بمعني أدق الجنوبيون في الشمال يعرفون ماذا يفعلون بعدم ذهابهم إلي مراكز التسجيل بالشمال, ومقاطعة الجنوبيين للتسجيل للاستفتاء في الشمال كانت متوقعة, وقد رأينا كيف أن القبائل وزعماء الجنوبيين الحقيقيين وطلابهم يذهبون إلي أهاليهم وتنويرهم بالاستفتاء وكذا السيناريوهات المحتملة, علما بأن ألاعيب المؤتمر الوطني الذي انقص أعداد الجنوبيين من ملايين إلي500 ألف فقط في الشمال في الانتخابات وعند الاستفتاء يضاعف عددهم مرة أخري إلي3 ملايين ومائتي ألف كما هو الآن حسب عدد المراكز,165 فإن الجنوبيين وليس الحركة الشعبية تحركوا في ذكاء خارق وتنظيم مدهش اعتمد علي أركان ورموز المجتمع الجنوبي في إجهاض ما يمكن أن يقوم به المؤتمر الوطني وهي الخطة الجهنمية إما بإجهاض الاستفتاء بتسجيل أعداد ضخمة وهمية ومن ثم ملء الصناديق كما فعل في الانتخابات العامة السابقة بشهادة الإسلاميين أنفسهم بالتزوير الصريح, وإما فقط بملء الكشوفات بأسماء وهمية وعند الاقتراع لا تجد المفوضية أي شخص منهم ويخرجون علي العالم بمقاطعة الجنوبيين للاستفتاء وعدم حصول الاستفتاء علي النصاب كله وغيرها من الأفكار الجهنمية التي درسها الجنوبيون ووصلوا إلي نتيجة واحدة هي عدم التسجيل بالشمال مهما كانت الأسباب, وإذا لم يكن في مقدورنا الذهاب إلي الجنوب للتسجيل والتصويت فلنجلس في بيوتنا أو أعمالنا ولنترك إخواننا في الجنوب يقومون بالأمر, لأن عدم المشاركة في مكان يمكن أن يزور فيه صوتنا أفضل من أن نعرض العملية برمتها للخطر, وهكذا كانت رسالة الجنوبيين الموحدة لبعضهم درءا للمفاسد المحتملة لمشاركتهم بالشمال, فهل هذا غباء أم ذكاء, إنه قمة الذكاء, فهذا المواطن الجنوبي البسيط في الشمال أصبح يعرف مصالحه تماما ولايمكن أن يجري وراء أي مصالح شخصية ليتلاعب بمصالح شعبه. ويبقي أن تطورات قضية التسجيل تضيف إرباكا جديدا لعملية الاستفتاء المرتبكة بعدد كبير من القضايا التي تنبيء مقدماتها أن الوصول لنتائج متوافق عليها أمر عسير للغاية في ظل الأجواء الراهنة.