رئيس لجنة الأمن في البرلمان الإيراني: عراقجي لا يحمل في زيارته إلى باكستان أي مهمة مرتبطة بالمفاوضات النووية    في ذكرى تحرير سيناء ال44.. مراقبون: الخطر قائم ومنطقة عازلة قد تُستخدم لتهجير غزة    مجلس التعاون الخليجي: الاعتداءات القادمة من العراق انتهاك صارخ للأعراف الدولية    القناة 12 العبرية: هدنة ترامب لإيران ستكون "قصيرة جدا" وتنسيق إسرائيلي أمريكي حال فشل المفاوضات    "من يصرخ أولًا؟" | الحصار البحري الأمريكي يتسبب في شلل الاقتصاد الإيراني ويرفع معدلات التضخم.. والوكالة الدولية للطاقة: مخزونات أوروبا من وقود الطائرات تكفي 6 أسابيع فقط    بلوزداد يلحق باتحاد العاصمة في نهائي كأس الجزائر    القبض على 5 متهمين بحوزتهم تمثال أثري نادر في البدرشين أثناء التنقيب عن الآثار (صور)    "مش عايزه يحصله كده تاني".. إنهيار والدة الصغير المعتدى عليه من والده في البحيرة    منة شلبي تخرج عن صمتها بعد وفاة والدها.. ماذا قالت؟    محمود ياسين جونيور: مسيرة الهضبة تستحق أن تدرس وتوثق دراميًا    «الوثائقية» تحتفي اليوم بذكرى تحرير سيناء بمجموعة من الأفلام الوطنية    الصحة اللبنانية: 6 شهداء إثر غارات إسرائيلية على جنوب البلاد    اليونيسف: نزوح أكثر من 390 ألف طفل في لبنان وسط تصاعد الأزمة الإنسانية    الخارجية الإيرانية: من غير المقرر عقد اجتماع بين إيران وأمريكا وسيتم نقل ملاحظات طهران إلى باكستان    الباحثة شيماء فرج: البكتيريا سلاحي لإعادة استخدام مياه الصرف    مبابي | الغزال الفرنسي يُكمل مباراته رقم 100 مع ريال مدريد    الجهاز الفنى للمصرى يحتفى بعودة ياسر يحيى عضو مجلس الإدارة بعد رحلة علاجية    بمساهمة سعودية.. لانس يحيى آماله في اللقب بتعادل قاتل أمام بريست    وصل للهدف ال 100.. دي بروين يقود نابولي للفوز على كريمونيزي    أسعار الذهب اليوم في مصر.. تحركات محدودة وترقب للأسواق    عميد تجارة طنطا يستغيث بالمحافظ من انتشار القمامة وتأثيرها على صحة الطلاب    تهشم سيارتين إثر انهيار أجزاء من عقار قديم بالإسكندرية دون إصابات    زوجة ضياء العوضي تعيد صفحته على"فيس بوك" وتتولى إدارتها وتؤكد إقامة عزاء له    تعليم القاهرة تبدأ نشر نماذج البوكليت في مادة اللغة الإنجليزية للإعدادية    ضبط المتهم بقتل شاباً ب «فرد خرطوش» بالإسماعيلية    الأرصاد تحذر: أمطار تضرب السواحل الشمالية الغربية وتمتد للقاهرة    الدولة تطرق أبواب الجنوب.. حلايب وشلاتين في قلب الوطن    الثلاثاء المقبل | انطلاق ملتقى التوظيف الرابع بكلية السياحة والفنادق بجامعة المنصورة    "قف وتحدث"! … الصحافة الأوروبية تسخر من السيسي .. حاول حشد دعم أوروبي إضافي بابتزاز ملف الهجرة و(اللاجئين)    سلطان مملوكي بناه بمكان سجنه| «المؤيد شيخ».. جامع المحاسن    استمرار المديح والذكر فى ليلة مرماح الخيول بقرية المنصورية بأسوان    فرحات يكشف: الجبهة اللبنانية جزء من استراتيجية إسرائيل لإعادة تشكيل التوازنات    نشرة الرياضة ½ الليل| سقوط الإسماعيلي.. الأهلي يستعد.. إصابة خطيرة.. قمة حمراء باليد.. وميداليتين لمصر    اللون التركواز.. الزمالك يكشف عن طاقمه الثالث    بيراميدز يتقدم باحتجاج إلى اتحاد الكرة ضد طاقم حكام مباراة الزمالك    مسؤولة سابقة بالبنتاجون: تباينات أمريكية إسرائيلية بشأن استمرار الحرب.. والقرار النهائي مرتبط بترامب    الأعلى للشئون الإسلامية ينظم معرضًا للكتاب بمسجد السيدة نفيسة    بكري: أهالي «الجابرية» بالمحلة يستغيثوا.. منازلهم تغرق ومطالب بسرعة تشغيل محطة الصرف الصحي    مصدر بالموسيقيين: نتابع حالة هاني شاكر الصحية بعيدا عن الأضواء    «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ»    خطبة الجمعة من مسجد المشير: تحرير سيناء ملحمة وطن وعقيدة لا تُنسى    «الإسكندرية تعود إلى العالم».. احتفالية كبرى بمكتبة الإسكندرية تؤكد ميلاد مدينة صنعت الحضارة    «حوكمة بني سويف» تنفذ 139 زيارة مفاجئة على المصالح الحكومية والمديريات    الرئيس السيسى وكريستودوليدس يبحثان ربط حقول الغاز القبرصية بالبنية التحتية المصرية    مختار جمعة: إحياء النفس لا يقتصر على الحياة المادية بل يشمل كل صور الحماية والرعاية    بسم الله أرقيك يا وطنى    لحظة تكريم خالد الصاوي ورياض الخولي في مهرجان المركز الكاثوليكي ..فيديو    حسام موافي: الصداع النصفي ليس له حل نهائي.. ويرتبط بالحالة النفسية    الببلاوي يلتقي بأهالي قنا الجديدة ويستمع لمطالبهم في لقاء مفتوح    محافظ أسوان يعطى إشارة البدء لموسم حصاد القمح 2026    البنك المركزي الأوروبي يعقد شراكات جديدة لإطلاق اليورو الرقمي    توريد 5120 طن قمح لمواقع التخزين والصوامع الدقهلية    نائب وزير الصحة يتفقد المنشآت الصحية بالإسكندرية    مدبولي يستعرض جهود اللجنة الطبية العليا والاستغاثات بمجلس الوزراء    وزير الزراعة يهنئ الرئيس والقوات المسلحة بمناسبة الذكرى ال 44 لتحرير سيناء    12 سنة دعوة، حصاد برامج الأوقاف بسيناء منذ 2014 لنشر الفكر الوسطي وبناء الوعي    ربط الوحدات الصحية بشبكة إلكترونية موحدة لتسجيل بيانات المرضى    دعاء يوم الجمعة لنفسي وأهلي وأحبتي في ساعة الاستجابة المباركة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ابن بطوطة
تركيا تغزو المنطقة بالقوة الناعمة

ذهبت إلي تركيا أطارد نقطة ماء في إطار مشروع توثيقي ففاجأني التاريخ في المنتصف بين النهر والجبل وأجبرني علي إعادة قراءة سفر الجغرافيا‏,‏ والارتحال في الزمن بين النهر ومقامات الأنبياء‏,‏
ربما أستطيع فك طلاسم لغز الفرات الذي ترفض تركيا الاعتراف به نهرا دوليا‏..‏ وتبني فوقه‏21‏ سدا‏,‏ أكبرها باسم أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة العلمانية‏.‏
واللافت أن علمانية أتاتورك لم تقض علي روح الأسطورة في أورفة‏,‏ التي تتغذي عليها في بحيرة الأسماك ومقامات أنبياء الله‏,‏ إبراهيم وأيوب وشعيب
وربما سيكون مشروع الجاب هو مقام أتاتورك في بلاد الأكراد الذين لم يكونوا يحبونه كثيرا‏.‏
المشهد الافتتاحي
في الفندق الذي أقمت به في مدينة استنبول‏,‏ كانت الممرات تضاء بطريقة الخلايا الضوئية التي تضيء المصباح كلما مر أمامه أحد‏,‏ لينطفيء النور تلقائيا بعد مرور الشخص‏.‏
سألت مدير الفندق‏,‏ عن هذه الحكاية التي لم أعهدها حتي في البلاد الأوروبية التي زرتها ومنها مدريد وبرشلونة وروما فقال لي إن هذه طريقة مثلي لتوفير الطاقة‏.‏ لأننا بلد بلا مصدر للطاقة مثلكم أنتم العرب الذين تمتلكون النفط والغاز‏..‏ المشهد تكرر في كل مؤسسة أو مبني زرته في استنبول المدينة الأكبر في تركيا‏,‏ حدث ذلك في جامعة جالاتا سراي وفي نقابة المعلمين‏,‏ وفي مبني مركز حقوق الإنسان المسمي مظلوم دار وغيرها من الأماكن‏..‏ كما رأيته في أورفه وغازي عنتيب القريبة من الحدود التركية السورية‏,‏ إنها ثقافة الاقتصاد والتقشف الواعي‏.‏
مشهد عام
المشكلة بين تركيا وسوريا والعراق بسيطة ومعقدة في آن‏,‏ فالنهر تحكمه الجعرافيا والقوانين الدولية‏..‏ وبينما تعترف تركيا بقواعد الجغرافيا التي تسير النهر من جبال الأناضول حتي سهول البصرة‏,‏ لأنها لا تملك حق الاعتراض علي القوانين الجغرافية‏,‏ فإنها لا تعترف بقاعدة مهمة هي طبيعة النهر‏,‏ حيث يذهب السوريون والعراقيون إلي أن الفرات نهر دولي تنطبق عليه الشروط والمعايير الخاصة بتعريف النهر الدولي‏,‏ ومنها اشتراك أكثر من دولة فيه بين المصب والمنبع‏,‏ وصلاحيته للملاحة النهرية‏,‏ وأهميته للدول المتشاركة فيه‏.‏ لكن تركيا تعتبره نهرا عابرا للحدود لانهرا دوليا
وبسبب هذه الإشكالية التي قد تبدو بسيطة للغاية‏,‏ تندلع كل فترة بحسب المناخ السياسي السائد في هذه الدول وما بينها أزمة مياه علي الحصص التي تم الاتفاق عليها‏..‏
ولكن المشكلة أن تركيا تخشي الاعتراف بدولية النهر لأن لها مشكلات نهرية مع دول أخري في القارة الأوروبية وتخشي إن هي اعترفت بالفرات نهرا دوليا أن تواجه المشكلة نفسها مع أنهار أخري‏..‏ ولذلك تفضل الحلول الثنائية كما يري الخبير التركي فائق بلوط والذي يقول أن أزمة المياه في المنطقة مرتبطة دائما بأزمات السياسة‏,‏ فقد اندلع الصراع المائي بين تركيا وسوريا بسبب دعم الأخيرة لحزب العمال الكردستاني في الفترة الماضية‏,‏ ثم تلاشت الأزمة حاليا بسبب التطور الإيجابي للعلاقات والذي يقوده حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا والإدارة السورية الجديدة‏.‏
وأشار بلوط إلي أن تركيا بسبب الأجندة الجديدة لحزب العدالة تسعي إلي تحسين صورتها في المنطقة‏,‏ عبر الحوار مع دول المحيط العربي‏,‏ كما تسعي إلي وضع حلول نهائية لمشكلة الأكراد في تركيا بالحوار والتفهم لمطالب الأكراد‏,‏ وفق القانون والدستور الذي يؤمن الرئيس عبدالله جول إنهما كافيان لحل كل المشكلات ومنها ما ظهر مؤخرا من احتمال تمرد بالجيش‏.‏
ولكن تبقي مشكلة عبدالله أوجلان الزعيم الكردي المسجون‏,‏ والتي يري جهاد جوكديمير مسئول منظمة مظلوم دار في استنبول التي تدافع عن حقوق أوجلان الإنسانية أنها مشكلة سياسية لا حقوقية‏,‏ حيث يطالب أوجلان بانفصال تام عن تركيا أو الحصول علي حكم ذاتي شامل للأكراد‏,‏ بينما حزب العدالة يري أن هذه الفكرة مرفوضة تماما‏,‏ ويري بالتالي أن الحكومة تري أن الافراج عن أوجلان قد يفسد مشاريعها في حل الأزمة الكردية بالحوار وتطوير المناطق الكردية الذي يأتي مشروع الجاب تتويجا له‏.‏
إلا أن تطوير الأناضول الكردية قد يفسد للود قضايا بين تركيا وسوريا‏,‏ ما يجعل مشكلة المياه دائما مرشحة للاشتعال‏,‏ خاصة وأن تقارير عراقية تشيرا إلي انخفاض نسبة حصص العراق من الماء إلي‏47%‏ مما كانت تحصل عليه من قبل بسبب مشاريع السدود التي تصل بين الفرات ودجلة إلي‏21‏ سدا‏..‏
مشهد من قريب‏:‏ أتاتورك والنهر
بعد أن رأيت المناطق التي أغرقها الفرات في منطقة هالفيتي علي بعد حوالي‏120‏ كيلو مترا من أورفه‏,‏ ورايت تمثالا لاتاتورك وهو يشير الي الفرات وكأنه يقول‏:‏ هذا النهر لي سألت مدير مشروع الجاب عن الآثار السلبية للمشروع علي المنطقة؟
فقال‏:‏ أعرف أن هناك انتقادات من خبراء البيئة لعملية إنشاء السدود في أورفه‏,‏ ولكني لست خبيرا بيئيا لأرد علي مثل هذه الانتقادات وبحسبي أن أؤكد من واقع مسئوليتي عن المشروع أنه ليس فقط لإنتاج الطاقة‏,‏ رغم الأهمية القصوي لذلك‏,‏ بل إنه مشروع تنموي عملاق لتطوير منطقة سوق الاناضول‏,‏ يشمل زيادة مساحة الرقعة الزراعية‏1,8‏ مليون هكتار ودعم شبكة المواصلات والطرق وزيادة أعداد المدارس‏,‏ وربما هذا هو ما يبرر الكلفة العالية للمشروع والتي تصل إلي‏21‏ مليار دولار‏.‏
سألته‏:‏ ألا تعد هذه كلفة ضخمة لا تتحملها ميزانية الدولة؟
فقال‏:‏ لو لم تدفع تركيا اليوم‏21‏ مليارا من الدولارات لإنتاج الطاقة‏,‏ فستدفع أكثر في المستقبل‏,‏ لأنها لا تملك أي مصدر من مصادر الطاقة الأخري‏..‏ وأؤكد أن ميزانية السدود جاءت أساسا من الميزانية الحكومية‏,‏ باستثناء بعض السدود الصغيرة التي سمحنا للقطاع الخاص والاستثمار الأجنبي بالمشاركة في مشروعات التنمية الزراعية حولها‏.‏
قلت له‏:‏ ولكنكم حجزتم المياه تخططون لاحتجاز‏100‏ مليار متر مكعب وراء سدود الجاب؟
قال‏:‏ إن ذلك من حقنا‏.‏ وإن كانت القوة الاستيعابية للبحيرة خلف سد أتاتورك أقل من الرقم الذي ذكرته‏.‏
قلت‏:‏ أقصد من المشروع كله وأنكم بذلك تضرون سوريا والعراق؟
قال‏:‏ لم يحدث أن ضخت تركيا ماء أقل مما تم الاتفاق عليه مع الدولتين
قلت‏:‏ ولكن تركيا ترفض الاعتراف بأن الفرات نهر دولي كما ترفض تجديد التوقيع علي اتفاقية الحصص التي وقعها رئيس الوزراء تورجوت أوزال مع الرئيس السوري السابق حافظ الأسد وتتعهد فيها تركيا بضخ‏500‏ متر مكعب في الثانية لسوريا والعراق‏.‏ وكان المفروض تجديد الاتفاقية في عام‏1992‏ وزيادة الضخ إلي‏700‏ متر مكعب في الثانية لكن تركيا تهربت من التجديد‏..‏
قال‏:‏ لست خبيرا قانونيا أو سياسيا‏,‏ أنا مدير تقني لمشروع كبير يستهدف خير المنطقة‏.‏
سألته‏:‏ أي منطقة تقصد؟
قال‏:‏ شرق الأناضول بالتأكيد‏..‏
قلت‏:‏ وماذا عن احتجاز المياه؟
قال‏:‏ هندسيا لا يمكن احتجاز المياه للأبد لأن للأرض طاقة لاستيعاب الماء وضغطه‏,‏ ولذلك فالكلام الذي يتردد عن حبس الماء عن سوريا والعراق غير دقيق‏..‏ فنحن لا يمكننا احتجاز المياه‏.‏
قلت‏:‏ ولكنكم تملكون بحسب رؤيتكم حق تحويل مجري النهر وقد فعلتم ذلك في أنفاق أورفه
قال لي‏:‏ سل السوريين هل تقلصت حصتهم من المياه‏..‏ ثم سلهم وسل العراقيين ماذا يفعلون بحصة المياه التي تصلهم
قلت‏:‏ أسالك أنت ألم تستخدموا الماء كورقة ضغط وربما تهديد ضدهما؟
قال‏:‏ يستحيل أن تفعل تركيا ذلك‏,‏ لأنها لم تفعل ذلك تاريخيا‏,‏ ولأنها تؤمن بأهمية الحوار المتبادل لحل المشكلات‏,‏ وتلك سياسة تركيا خاصة في ظل الحكومة الحالية‏.‏
مشهد فلاش باك طويل‏:‏ البحيرة المقدسة
بعد أن أنهيت حواري مع صدر الدين كاراهوكاجيل مدير مشروع الجاب الذي يشمل انشاء‏21‏ سدا علي نهري الفرات ودجلة لانتاج الطاقة الكهربائية قال لي أحمد سميح مدير الاعلام والعلاقات العامة بادارة المشروع في مدينة أورفه التي وصلتها بعد ساعة طيران من العاصمة التجارية والثقافية لتركيا استنبول ما رأيك ان تزور بحيرة الأسماك فتعجبت وظننته يمزح أو يحاول إظهار قدرات المشروع معتقدا أن البحيرة جزء من المشروع فقلت له أية بحيرة فقال بجدية مهذبه أنها البحيرة المقدسة للاسماك وقبل ان اعلق قال ستعرف هناك انها قريبة
وبالفعل تحركنا بالسيارة لمسافة ثلث الساعة في مدينة اورفة تقدمنا أحمد سميح إلي بحيرة السمك المقدس‏,‏ وأشار إلي سمكة كبيرة قبل أن يطعمها فتات الخبز الابيض وقال‏:‏ هذه الأسماك لا تؤكل ولا تصاد‏,‏ ومن يطعمها خبزا ابيض يدركه الحظ السعيد ومن يحاول اصطيادها يصيبه المرض ويقال إن أحد أبناء أورفه اصطاد بعضا من سمك البحيرة وتناوله‏,‏ فأصابه المرض العضال‏..‏ وأشار سميح إلي أن أبناء أورفه يعتقدون في قداسة‏8‏ هذه الأسماك لأنها بحسب الأساطير التي يؤمنون بها كانت الأخشاب التي أشعلها النمرود حاكم المنطقة لإحراق سيدنا إبراهيم عليه السلام قبل أن ينقذه الله وتصبح النار ماء والحطب اسماكا مقدسة
تقدمنا قليلا فوجدنا بحيرة أخري مجاورة لبحيرة إبراهيم‏,‏ فسألت مرافقي‏:‏ هل تمتد البحيرة إلي المنطقة؟ قال‏:‏ لا إن هذه البحيرة هي عين زليخة‏,‏ نسبة إلي زوجة النمرود أوابنته بالتبني كما تروي الاساطير والتي كانت إحدي المؤمنات برسالة سيدنا إبراهيم‏,‏ وقد حاول النمرود إحراقها هي الاخري ونجاها الله أيضا
كانت عين زليخة كذلك ملأي بالسمك المتوحش الذي لا يصطاده أحد‏..‏
وغير بعيد كان الجبل بالمكان وفوقه قلعة قديمة هي قلعة أورفه التاريخية‏.‏ التي تبدو وكأنها تحرس الاساطير قبل أن تحفظ السمك المقدس‏.‏
تقدمنا خطوات أخري فوجدنا مسجد خليل الرحمن‏,‏ ورأينا مئات من الاكراد‏,‏ معظمهم من النساء قادمون باتجاه البحيرة‏.‏ ثم ساروا الي المسجد بخطي تقاوم التعب والشيخوخة بهمة الايمان
سألت‏:‏ إلي أين يذهب هؤلاء؟
قال‏:‏ لزيارة مقام إبراهيم عليه السلام‏.‏
قلت‏:‏ لكن نبي الله ابراهيم لم يمت هنا‏.‏
قال‏:‏ هنا كهفه الذي عاش به والذي يقال إنه ولد فيه
تقدمت إلي الكهف وانحنيت مع تقوس الحجر‏,‏ ودخلت لأجد الناس وقد وقفوا يتأملون ويناجون ويدعون الله‏,‏ وبعض النساء تستشفين بماء ينبع داخل الكهف‏,‏ يغسلن منه الأكف والوجوه ويشربنه وهن يتمتمن بالدعاء الذي لم استوعبه إذ كان بلغة كردية وصوت أقرب للهمس‏.‏ وكان البعض يتوضأ بماء شبه متجمد من شدة البرد ويصلي ركعتين داخل الكهف‏.‏
قال لي سميح إن الزائرين اليوم أكثر من المتوقع بالنسبة لهذا الطقس الاستثنائي البرودة‏..‏ فالإقبال علي هذا المكان يكون عادة في الصيف حيث لا يمكن أن تجد موقعا لقدم‏,‏ لأن الأكراد يقدسون هذا المسجد والغار‏,‏ ويتوافدون عليه باستمرار‏,‏ خاصة في رمضان حيث يملأون المسجد والساحة في صلاة القيام‏.‏
مشهد في الخلفية‏:‏ الأسطورة لا تموت
في أورفه والمناطق المحيطة بها‏,‏ يحاصرك التاريخ الديني بشكل لافت في كل مكان فأورفه ليست فقط موطن إبراهيم الذي عاش فيها‏,‏ كما عاش في حران‏,‏ حيث تزوج من سارة قبل أن يرحل إلي فلسطين‏..‏ فأورفه موطن أنبياء كثيرين‏,‏ ومنهم كما يقول كتاب أنبياء أورفه إبراهيم واليشع وموسي الذي يقال انه عاش فيها سبع قبل أن يرحل إلي مصر مرة أخري وشعيب وأيوب‏..‏ وهناك مقامات كثيرة باقية لعدد من هؤلاء الأنبياء‏,‏ منها مقام أيوب وعين أيوب التي يقال انه عولج بمائها من البرص وهناك تم إنشاء مستشفي للعلاج من البرص تيمنا بما حدث مع نبي الله أيوب وهناك مقام النبي شعيب الذي يبعد عن اورفه بمسافة حوالي اربعين كيلو مترا‏.‏
ومن خلال أسماء هؤلاء الأنبياء‏,‏ يمكن فهم وتفسير اهتمام اليهود بهذه المنطقة وما أشار إليه الكاتب السوري حسني محلي قائلا إن الإسرائيليات اعتدن أن يأتين إلي أورفه ليلدن فيها‏,‏ للاستفادة بقانون قديم يمنح الجنسية لمن يولد علي الأرض التركية‏..‏ بينما قال الخبير السياحي من أصول سوريه الهان بلكان إن هذه الظاهرة بدأت تتلاشي في الفترة الأخيرة‏.‏
ويقول حسني محلي أن هناك‏30‏ ألف يهودي يعيشون في تركيا‏,‏ يعملون بالشراكة مع مستثمرين إسرائيليين في منطقة السدود‏.‏ ولكن محلي يؤكد أن الإسرائيليين يعملون بالزراعة فقط هناك وليس في بناء السد رغم ما نشر صحفيا من مشاركة خبراء إسرائيليين في بناء السدود الجاب إلا أنه قال إن من ينظر إلي خارطة المنطقة سيكتشف بسهولة أن مقولة من النيل إلي الفرات أرضك يا إبراهيم أو لنسلك اعطي يا إبراهيم هذه الأرض من النيل إلي الفرات مازالت مطروحة في المشروع الإسرائيلي الذي كانت له أصابع غير خفية في غزو العراق‏,‏ والمشكلة الكردية‏,‏ والاستثمارات في تركيا‏,‏ واللعب في أفريقيا خاصة في دول منابع النيل‏,‏ إثيوبيا وكينيا وأوغندة‏.‏
وأشار محلي إلي أن تركيا دعت الإخوة العرب خاصة من منطقة الخليج مثلما دعت إسرائيل وغيرها للقدوم الي اورفة والاستثمار فيها‏,‏ وهو ما أكده كذلك صدر الدين كاراهو كاجيل مدير الجاب لكن العرب لم يذهبوا إلي أورفة‏..‏ قال لي أحمد زكي أولاس من منظمة مظلوم دار إن العرب يأتون هنا فقط للتسوق لأن استنبول أرخص من إي عاصمة أوروبية أخري‏.‏
مشهد افتراضي‏:‏ السيناريو الأسوأ
يري بعض المحللين أنه في حالة تحقق السيناريو الأسوأ في المنطقة الخاص بانفصال أكراد شمال العراق وغرب إيران وشرق تركيا‏,‏ وتكوين دولة كردية‏,‏ فإن تركيا ستكون المتضرر الأكبر‏,‏ إذ أن الأنهار الكبري وقتها ستكون انهارا كردية‏,‏ مايعني فقدان تركيا لورقة قوتها الأولي التي أراد سليمان ديميريل قديما مبادلتها بالنفط العربي‏.‏
وربما يفسر ذلك التحول التركي نحو سوريا والعراق وتقديم حصص مياه إضافية لما تم الاتفاق عليه قديما كنوع من الرشوة المائية لإغلاق الطريق أمام سيناريوهات انفصال الأكراد‏.‏
فيما يري البعض أن الانفصال فزاعة سياسية لا أكثر ولا أقل‏,‏ تستخدم بين حين وآخر للحصول علي بعض المكاسب‏..‏إذ يري نعمان منذر الباحث العراقي والكاتب بصحيفة وول ستريت جورنال إن الأكراد‏,‏ خاصة في العراق أذكي بكثير من أن يخوضوا معركة انفصال قد تضرهم أكثر مما تنفعهم‏,‏ مؤكدا أن أمان كردستان يبدأ من العراق‏.‏
ولكنه أشار أيضا إلي أنه قد يكون من مصلحة العراق مستقبلا أن يتعامل مع أنهار كردية من أن يتعامل مع أنهار تركية‏.‏
مشهد تاريخي
كان العالم العربي تحت سيطرة العثمانيين قديما‏,‏ ولذلك لم تظهر مشكلات من نوع أزمة المياه‏,‏ فقد كانت الأنهار كلها أنهارا عثمانية أو محلية‏,‏ ولكن مع خروج الأتراك من العالم العربي مع الحرب العالمية الأولي والثورة العربية المدعومة من القوي الغربية‏,‏ فإن الأنهار لبست عباءة القطرية والمحلية ومن هنا نشأ النزاع وبدأت السدود تقطع الطريق علي الماء والطريق الذي سلكه الأنبياء قديما سألت فائق بلوط وهو السياسي اليساري التركي الذي انضم الي منظمة التحرير الفلسطينية ذات يوم‏,‏ عن سر القوة التركية وأهدافها فقال المح في سؤالك هاجس الإمبراطورية العثمانية‏..‏قلت‏:‏ ربما‏..‏
قال‏:‏ لايوجد في تركيا مشروع امبراطوري الآن‏,‏ فقد تعلمت درس الإمبراطورية قديما وفهمت ان الامبراطوريات الي زوال‏,‏ ولكن تركيا تريد من حل مشكلة المياه ولو بطريقة عملية أن تحسن علاقاتها مع العرب وتحسن شروط تفاوضها مع الغرب لكي تنجح في الانضمام الي الاتحاد الأوروبي‏.‏
قلت له‏:‏ وهل سيتم ذلك عبرالرشوة المائية؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.