لا يمكن قراءة الإعلان الإسرائيلي عن الاعتراف الرسمي بإقليم «أرض الصومال»، وربطه الصريح بإمكانية إدماجه ضمن اتفاقيات إبراهيم، بوصفه خطوة دبلوماسية عادية أو تطورًا معزولًا عن سياقه الإقليمي والدولي. فالحدث، في جوهره، يعكس انتقالًا نوعيًا في الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه القرن الإفريقي، من مرحلة النفوذ غير المباشر إلى مرحلة التمركز السياسي والأمني العلني، في إقليم يُعد من أكثر الدوائر التصاقًا بالأمن القومي المصري. تكتسب هذه الخطوة أهميتها من تزامنها مع تحولات دولية أوسع في أولويات القوى الكبرى، ومع حالة السيولة الجيوسياسية التي تشهدها مناطق البحر الأحمر وشرق إفريقيا، بما يجعل من هذا الاعتراف جزءًا من عملية إعادة هندسة شاملة لموازين القوة في الإقليم، وليس مجرد استجابة لعلاقات ثنائية مع كيان غير معترف به دوليًا. القرن الإفريقي كامتداد مباشر للأمن القومي المصري يشكّل القرن الإفريقي، بحكم موقعه الجغرافي، الامتداد الجنوبي المباشر للأمن القومي المصري. فالسواحل المطلة على خليج عدن وباب المندب تمثل خط الدفاع الأول عن البحر الأحمر، ومن ثم عن قناة السويس، التي تُعد شريانًا حيويًا للاقتصاد والأمن الاستراتيجي المصري على السواء. ومن هذا المنطلق، فإن أي تغيير في موازين النفوذ داخل هذه الدائرة ينعكس تلقائيًا على قدرة مصر في تأمين مصالحها البحرية والتجارية. إن تموضع إسرائيل سياسيًا في أرض الصومال يفتح الباب أمام حضور متعدد الأبعاد، يبدأ بالتعاون الاقتصادي والزراعي كما ورد في تصريحات نتنياهو، لكنه يحمل في طياته إمكانات توسع أمني واستخباراتي، بما يسمح بمراقبة حركة الملاحة، والتأثير في أمن الممرات البحرية الحيوية، وخلق واقع استراتيجي جديد تصبح فيه إسرائيل فاعلًا حاضرًا عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. شرعنة الانفصال وإعادة إنتاج الفوضى يحمل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال دلالة سياسية أعمق تتجاوز الإقليم ذاته، إذ يعكس توجهًا لتكريس نموذج التعامل مع الكيانات الانفصالية كأمر واقع، خارج أطر الشرعية الدولية. ومن منظور الأمن القومي المصري، فإن هذا المسار يعيد إنتاج منطق تفكيك الدول الهشة، بدل دعم استقرارها وإعادة بنائها، وهو منطق أثبتت تجارب العقد الماضي أنه يولّد فوضى ممتدة تتجاوز حدود الدول المعنية. وتُعد الصومال، بوضعها الداخلي الهش، مثالًا واضحًا على دولة لا تحتمل مزيدًا من التفكيك، إذ إن تعميق الانقسام داخلها لا يهدد استقرارها وحدها، بل يفتح المجال أمام تصاعد نشاط الجماعات المسلحة، وتوسّع شبكات الجريمة العابرة للحدود، وزيادة تدفقات الهجرة غير الشرعية، وهي جميعها تحديات تمس الأمن المصري بصورة مباشرة أو غير مباشرة. اتفاقيات إبراهيم كإطار نفوذ عابر للأقاليم يشير ربط الاعتراف بأرض الصومال باتفاقيات إبراهيم إلى تحوّل في وظيفة هذه الاتفاقيات، من مسار تطبيع سياسي إلى منصة نفوذ جيوسياسي عابرة للجغرافيا العربية. فإدماج كيان إفريقي غير معترف به دوليًا في هذا الإطار يفتح المجال أمام تدويل قضايا أمن البحر الأحمر خارج الأطر الإقليمية التقليدية، ويخلق شبكات تنسيق أمني واقتصادي لا تكون مصر جزءًا منها. بالنسبة لمصر، يمثل هذا التحول تحديًا استراتيجيًا مزدوجًا؛ فمن جهة، يفرض واقعًا جديدًا في محيطها الجنوبي، ومن جهة أخرى، يهدد بتقليص دورها التاريخي كفاعل رئيسي في معادلات أمن البحر الأحمر وشرق إفريقيا. البعد غير المباشر للأمن المائي المصري لا ينفصل الحضور الإسرائيلي في القرن الإفريقي عن ملف الأمن المائي المصري، حتى وإن لم يظهر ذلك بشكل مباشر أو فوري. فالمنطقة تمثل مجالًا حيويًا للتأثير في دول حوض النيل، سواء عبر الشراكات الفنية، أو النفوذ السياسي، أو تقديم الدعم التكنولوجي في مجالات إدارة الموارد المائية. ومع تعقّد ملف السد الإثيوبي، وغياب تسوية نهائية ملزمة، يصبح أي تمدد إسرائيلي في محيط منابع النيل عامل ضغط إضافي على الموقف التفاوضي المصري، ويضيف بعدًا جديدًا إلى معادلة الأمن المائي ينبغي التعامل معه بجدية وحذر. سيناريوهات التطور المحتمل في المدى القصير، قد يظل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في إطار رمزي، يقتصر على التمثيل السياسي والتعاون الاقتصادي المحدود، بما يجعل تأثيره المباشر على الأمن القومي المصري محدودًا نسبيًا، لكنه يؤسس لسابقة سياسية قابلة للتوسع لاحقًا. أما في المدى المتوسط، فإن تطور العلاقات إلى شراكات أمنية واستخباراتية غير معلنة، خاصة في الموانئ والمواقع الساحلية، من شأنه أن يعقّد معادلات أمن البحر الأحمر، ويقلّص من هامش الحركة المصرية المنفردة، ويخلق واقعًا تتعدد فيه مراكز التأثير عند مدخل المضيق. وفي السيناريو الأكثر خطورة على المدى الطويل، قد يتحول الوجود الإسرائيلي في أرض الصومال إلى جزء من منظومة أمنية دولية أوسع في باب المندب، بدعم أمريكي وغربي، بما يؤدي إلى إعادة رسم التوازنات الاستراتيجية في البحر الأحمر بصورة هيكلية، ويحدّ من الدور المصري التقليدي، ويخلق تهديدًا طويل الأمد للأمن البحري والمائي المصري. مقاربة مصرية مطلوبة.. من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي إن التعامل مع هذا التطور لا ينبغي أن ينطلق من منطق رد الفعل أو المواجهة الخطابية، بل من رؤية استراتيجية شاملة تعيد التأكيد على ثوابت الأمن القومي المصري في الجنوب. ويقتضي ذلك تفعيل الدبلوماسية الاستباقية تجاه الحكومة الفيدرالية الصومالية، دعمًا لوحدة الدولة، وتعزيز الانخراط المصري في القرن الإفريقي عبر أدوات سياسية وتنموية وأمنية متوازنة. كما يتطلب الأمر الدفع نحو بناء إطار إقليمي لأمن البحر الأحمر تكون مصر أحد محركاته الرئيسية، بما يمنع تدويل هذا الفضاء الحيوي خارج مصالح دوله المطلة. ويظل تعزيز القدرات البحرية المصرية، وتوسيع التعاون الأمني مع الدول الشريكة في المنطقة، عنصرًا أساسيًا في تحصين المصالح الاستراتيجية. وفي موازاة ذلك، ينبغي ربط التحرك المصري في القرن الإفريقي بملف الأمن المائي، بما يقلّص مساحات النفوذ الخارجي في محيط منابع النيل، ويعزز من قدرة مصر على حماية مصالحها الحيوية على المدى الطويل. قد لا يمثّل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال تهديدًا فوريًا للأمن القومي المصري، لكنه يشكّل إنذارًا مبكرًا لتحوّل أعمق في خرائط النفوذ الإقليمي. والتحدي الحقيقي أمام مصر لا يكمن في الحدث ذاته، بل في كيفية إدارة تداعياته، عبر رؤية استباقية تحافظ على الدور المصري التاريخي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتمنع تحوّل هذا الإقليم إلى ساحة نفوذ تُدار من خارج حسابات الأمن القومي المصري.