لم انس رغم سنوات العمر وقد زحفت، وأنا اتجه صباح كل يوم إلى مدرستى فى حوش عيسى صورة الفلاح المصرى وهو يقف مثل أبى الهول فى قلب الحقل منذ الساعات الأولى من الصباح .. كان يصلى الفجر ويحمل الفأس وينطلق فى الحقول كأنه جواد جامح.. كل أبناء ريف مصر يذكرون هذا الفارس الذى كان يطعم الملايين من أبناء هذا الشعب.. كان الفلاح يفرح ب مواسم زراعة القطن وهو مصدر الدخل للأسرة حيث زفاف البنت أو زواج الابن أو حج بيت الله .. كان موسم القطن هو العيد الحقيقي للفلاح، وكانت مواسم جني المحصول والأكياس تقف حراسا أمام البيت.. صورة غابت وفرحة لا تتكرر من زمن بعيد. لقد هجر الفلاح زراعة القطن بعد أن أهملته الحكومة وحددت مساحات زراعته وتخلت عن إنتاج الأنواع التى كانت تنتظرها الأسواق الخارجية وكانت أغلى أنواع الأقطان فى العالم .. سقط محصول القطن عن عرشه الذى شيده فى عشرات السنين وبدأت الحكومة فى إجراء تجارب تدعو للسخرية حين أدخلت القطن الملون الأحمر والأزرق وكانت تجربة مضحكة .. وبدأ محصول القطن يتراجع وهبطت مساحاته من أكثر من مليونى فدان إلى بضعة آلاف من الأفدنة.. وسقط سلطان الزراعة المصرية عن عرشه وانتقلت أزمة الزراعة المصرية إلى محصول الأرز وهو الغذاء الحقيقي للفلاح .. وتقرر تخفيض المساحة بسبب أزمة المياه ومنعت الحكومة زراعة الأرز فى عدد كبير من المحافظات .. وارتفعت أسعار الأرز أمام الإقبال الشديد عليه فى الأسواق الخارجية .. وسقط محصول الأرز وهو واحد من أهم محاصيل الزراعة المصرية وانخفضت مساحته إلى بضعة آلاف من الأفدنة .. فى الوقت الذى أهملت فيه الدولة القطن والأرز بدأت فى إنتاج الكانتلوب والفراولة للتصدير إلى الدول العربية و ساءت أحوال الفلاح المصرى وتغيرت حياته .. وهنا بدأت رحلة جديدة فى تقسيم الأراضي وتحويلها إلى مبان .. وكانت الكارثة الكبرى فى الاعتداء على الأراضى الزراعية أغلى ما تملك مصر حتى إن التقديرات تؤكد أن نصف الأراضى الخصبة تحولت الى مبان خلال ثلاثين عاما.. كان من الضروري أن يبحث الفلاح المصرى عن بدائل يعيش منها فقد انتهت علاقته بالأرض والزراعة ومحاصيل كان يعيش عليها.. اتجه الفلاح إلى البندر يشترى العيش والفول والطعمية وبعد أن كان بيت الفلاح مملؤآ بكل خيرات الدنيا ألقى همومه على المدينة وهنا انطلقت حشود الفلاحين إلى المدن الكبرى وكانت هذه هى البداية الحقيقية للعشوائيات والباعة الجائلين وحالة الزحام والتكدس التى شهدتها مدينة مثل القاهرة.. يعيش فيها أكثر من 15 مليون نسمة.. كان من الضرورى أن يبحث الفلاح عن مصادر رزق يعيش منها.. وهنا بدأ تشغيل الأبناء فى مشروعات التوكتوك .. حيث كان الأب يشترى بما بقى لديه من أموال او يبيع اخر قطعة ارض يملكها.. وكبر الأولاد وتخرجوا فى الجامعات وجلسوا فى البيوت بلا عمل وكان الحل توكتوك لكل ابن.. واستطاع الفلاح أن يعوض خسائره حتى لو كان الثمن نهاية الزراعة المصرية .. فى سنوات مضت وفى أثناء زراعة او جنى محصول القطن كانت مواكب الوزراء تهبط على القرى تتابع تسأل وتراقب .. ومنذ نسيت الدولة الفلاح انسحب بعيدا يدبر أموره ويبحث عن رزقه وأصبح فى واد والدولة فى واد آخر.. إن القضية الآن هى هذا الانفصال الذى أصاب العلاقة بين الدولة والفلاح لأن المصالح تعارضت والطرق اختلفت.. ويبقى السؤال ما هو الحل ؟ كيف نعيد الفلاح المصرى إلى دوره ومسئولياته فى بناء هذا الوطن.. إن الدولة تحاول الآن أن تستعيد دورها فى دعم الزراعة وعودة المحاصيل الزراعية إلى قوائم الصادرات المصرية.. إن مصر كانت من أهم الدول المصدرة للقطن والأرز والبصل والثوم والبطاطس والموالح والخضراوات وكانت أكبر مستورد للقمح فى العالم ولا أعتقد أن الدولة فى ظل ما تسعى إليه من تطوير فى أساليب الزراعة سوف تهمل الفلاح مرة أخرى .. تأخر الحكومة فى سداد أسعار المحاصيل ومستحقات الفلاح خاصة القمح والقطن جعل الفلاح يتجنب زراعتها.. إن مصر تستورد كميات ضخمة من القمح بالعملات الحرة ومع التوسع فى زراعة القمح يمكن توفير ميزانيات ضخمة من الأموال الصعبة .. إن إهمال الفلاح المصرى جاء على مراحل ما بين إهمال الأرض وإهمال المحاصيل وإهمال الصادرات.. وقبل هذا تقاعس الدولة عن سداد مستحقات الفلاح فى توريد المحاصيل.. كل هذه الأسباب تركت فجوة كبيرة بين الدولة والفلاح .. إن فلاح مصر جزء من ثروتها الحقيقية وتاريخها الحضاري وهو اول من علم البشر الزراعة وقبل هذا كله هو سيد هذه الأرض وحارسها.. إن ريف مصر كان يوما جزءا عزيزا من تاريخها وترابها وكان الفلاح المصرى احد كنوز هذه الأرض ومنذ أهملنا هذا الجزء العزيز حرمنا أنفسنا من ثرواتنا الحقيقية ومنذ أحاطت بنا الكتل الخرسانية حرمنا أنفسنا من مزارعنا وكانت تنتج الفاكهة والخضراوات التى تغطى احتياجات المدن الكبرى وكانت توفر فرص عمل للملايين بعيدا عن طوابير البطالة وكان الفلاح المصرى يعيش مكتفيا وتجد فى بيته الدقيق والأرز والطيور والحيوانات وكان دائما سعيدا وهو يشاهد كل هذه الخيرات فى بيته.. ومنذ هجر الأرض اتجه إلى المدينة يشترى طعامه وانضم إلى طوابير الفول والطعمية وعيش الجمعية.. إن فلاح مصر نصف سكانها ومن هذا البيت خرجت النخبة وقد أصبح منها الطبيب والمدرس والضابط والقاضى والجندى وأستاذ الجامعة والمبدع والمفكر .. لم يكن بيت الفلاح مصدرا للطعام فقط بل كان مصدرا للتميز والإبداع.. إن خمسين مليون فلاح ليسوا عددا قليلا لكنهم أكثر من دولة وحين نترك الغالبية منهم يعانون الأمية حيث لا يقرأون ولا يكتبون فإنى اعتقد أنها جريمة فى كل جوانب الحياة .. إنهم بلا رأي ولا موقف ولا حساب لأي شيء كان ينبغى أن يتخلص الفلاح المصرى من الأمية من عقود سبقت ولكن هذا لم يحدث.. لقد انعكس هذا الوباء على الحياة السياسية والفكرية والدينية والاجتماعية .. إن جرائم الشارع وظواهر الاغتصاب والعدوان والقتل كلها بسبب الجهل والأمية ومن الظلم أن يبقى الفلاح المصرى يحمل هذا المرض ويورثه لأبنائه من بعده.. لقد سقط الفلاح المصرى ضحية الغوغائية والجهل والخزعبلات لأننا لم نوفر له مصادر الحماية فى الفكر والسلوك.. لقد وجد الفكر المتطرف فرصته فى عقول الملايين فى ريف مصر وكان انتشار الزوايا وما قامت به من تضليل للشباب اكبر دليل على تقصير مؤسسات الدولة وإهمالها لعقول هذا الشعب .. لقد كان إهمال شباب الريف سنوات طويلة اكبر كارثة حلت بعقول شبابنا وانتقلت معهم إلى الجامعات التى تحولت إلى أوكار للفكر المتطرف.. إنني أحلم باليوم الذى أرى فيه فلاحا مصريا حديثا يستخدم أساليب الزراعة الحديثة زراعة وريا وإنتاجا وحصادا وقبل هذا أراه واعيا متحضرا يشارك بقناعة فى انتخابات حرة ويطالب بحقه فى حياة كريمة ولا يترك أحدا يسرق حقوقه أو يعتدى على ثروات جهده. إنني أحلم بريف مصرى نظيف يرعى صحة الناس ويوفر لهم مصادر الحماية حاضراً ومستقبلاً.. أحلم بإنسان بسيط بلا تطرف أو جهل أو أمية أو مواكب من المستفيدين الذين سرقوا جهده وماله وصحته وعمره.. نريد فلاحاً يدرك المسئولية ويعرف كامل حقوقه. لقد أهملنا الأرض حتى تحولت إلى كتل خرسانية قبيحة وأهملت الزراعة حتى خسرنا أهم المحاصيل التى نزرعها وأهملنا عقل الريف وتركناه لحشود التطرف والأمية وكانت الثمار المرة التى سقطت على رؤوسنا آخر ما بقي من الرحلة. الفلاح المصرى أرض وإنسان وفكر وانتماء ابحثوا عن هذه الأشياء ويبقى الشعر عودُوا إلى مصْر ماءُ النِّيل يكفينَا منذ ارتحلتمْ وحزنُ النهْر يُدْمينا أيْن النخيلُ التي كانتْ تظللَنا ويرْتمى غصْنُها شوقًا ويسقينَا؟ أين الطيورٌ التي كانتْ تعانقُنا وينتشى صوْتُها عشقَا وَيشجينا؟ أين الرُّبوعُ التي ضمَّتْ مواجعَنَا وأرقتْ عيْنها سُهْدًا لتحْمينَا ؟ أين المياهُ التي كانتْ تسامرُنَا كالخمْر تسْرى فتُشْجينا أغانينَا ؟ أينَ المواويلُ ؟..كم كانتْ تشاطرُنَا حُزنَ الليالى وفى دفْءٍ تواسينَا أين الزمانُ الذى عشْناه أغنية فعانقَ الدهْرُ فى ودٍّ أمانينَا هلْ هانتِ الأرضُ أم هانتْ عزائمنَا أم أصبحَ الحلمُ أكفانًا تغطِّينَا جئنا لليلى .. وقلنا إنَّ فى يدهَا سرَّ الحيَاة فدسَّتْ سمَّها فينَا فى حضْن ليلى رأينا المْوت يسكنُنَا ما أتعسَ العُمْرَ .. كيف الموتُ يُحْيينا كلُّ الجراح التى أدمتْ جوانحَنَا وَمزقتْ شمْلنا كانتْ بأيدينَا عودوا إلى مصْر فالطوفانُ يتبعكُمْ وَصرخة ُ الغدْر نارٌ فى مآقينَا منذ اتجهْنا إلى الدُّولار نعبُدُهُ ضاقتْ بنا الأرضُ واسودتْ ليالينَا لن ينبتَ النفط ُ أشجارًا تظللنَا ولن تصيرَ حقولُ القار .. ياسْمينَا عودوا إلى مصْرَ فالدولارُ ضيَّعنَا إن شاء يُضحكُنا .. إن شاءَ يبكينَا فى رحلةِ العمْر بعضُ النَّار يحْرقنا وبعضُهَا فى ظلام العُمْر يهْدينَا يومًا بنيتمْ من الأمجَاد مُعجزة ً فكيفَ صارَ الزَّمانُ الخصْبُ..عنينا؟ فى موْكبِ المجْد ماضينا يطاردنَا مهْما نجافيهِ يأبى أن يجَافينَا ركبُ الليالى مَضَى منا بلا عَدَدِ لم يبق منه سوى وهم يمنينَا عارٌ علينا إذا كانتْ سواعدُنَا قد مسَّها اليأسُ فلنقطعْ أيادينَا يا عاشقَ الأرْض كيفَ النيل تهجُرهُ ؟ لا شيءَ والله غير النيل يغنينَا.. أعطاكَ عُمْرا جميلا ًعشتَ تذكرهُ حتى أتى النفط بالدُّولار يغْرينَا عودوا إلى مصْرَ.. غوصُوا فى شواطئهَا فالنيلُ أولى بنا نُعطيه .. يُعْطينَا فكسْرة ُ الخُبْز بالإخلاص تشبعُنا وَقطْرة ُ الماءِ بالإيمَان ترْوينَا عُودُوا إلى النِّيل عُودُوا كيْ نطهِّرَهُ إنْ نقتسِمْ خُبزهُ بالعدْل .. يكْفينَا عُودوا إلى مِصْرَ صَدْرُ الأمِّ يعرفُنا مَهْمَا هَجَرناهٌ.. فى شوْق ٍ يلاقينَا * نقلًا عن صحيفة الأهرام