حينما تصبح الكتابة للطفل مثل الحكي من القلب، تتخلله مشاعر عفوية وبراح من العقل، لا يستهين بقدرة الطفل على الفهم والتحليل بل والتنبؤ بما سيحدث من وقائع بالقصة / الحكاية دون أن يتخلى عنه شغف المعرفة وفضول ذكي لملاحقة الأحداث، فهذا يعد انتصارًا لكتاب الطفل، يجعل الطفل وكأنه يعيش تلك الحكاية بتفاصيلها التي تشبه تفاصيله هو رغم إضافة عامل التطور التقني والمعيشي. الكاتبة ماريا دعدوش، وهي سورية المولد، وتعيش حاليًا بأمريكا، تخاطب ذلك الطفل الذي يقتني الآيباد وما شابهه ويعيش في منزل به حديقة ويرتاد مدرسة تكاد تكون نموذجية ومثالية للتعلم، قد نرى أنه ثمة اختلاف بيئي واضح، قد يظن القارئ الطفل وهو يطالع القصص أن الطفل / البطل يعيش خارج حدود الوطن العربي، لما يجده من حياة مثالية لحد كبير تشبه ما نراه في شاشات السينما أو التلفاز. لكن عند قراءة كتابيها "أريد أما أخرى - سر النمو السحري" نكتشف أنها ليست بمنأى عن الطفل العربي، تدرك جيدًا مشاكله وأحلامه، ففي كتابها "أريد أمًا أخرى" نرى الصراع الذي يعتري الطفل سامي، ذلك الصبي الذى أغرق دون قصد هاتف أمه المحمول ببركة السباحة وهو يلعب مع صديقه وجاره المقرب تيم مع عنزته ياسمينة التي تبدو طرفًا ثالثًا وأساسيا بالحكاية لطرفتها وإضفاء جو من المرح غير المتعمد على الأحداث، الغضب يتسلل إلى الأم التي وبخت سامي بل وتطاولت عليه بضربه في غضب لا يتناسب وذلك اللقب الذي تحمله وهو الأم، فنجد صديقه تيم يتعجب مستنكرًا من الخوف الذي يسيطر عليه من عقاب أمه سارة تمارة) التي قد يصل بها الأمر لحد ضربه بالملعقة الخشبية أو جزرة تجعلها الأم وسيلة عقاب قاسية عند الغضب، مما يجعل سامي يقرر أنها ليست أمه بل يريد أن يعيش مع صديقه تيم، الذي يخبره أنه ليس من العائلة لأنهما ليس لديهما فصيلة دم من النوع نفسه، مما يجعل سامي يذهب وتيم لمختبر التحاليل الطبية في حي الغاردينيا حيث كانت النتيجة اختلاف في فصيلة الدم لكل من سامي وتيم. الكاتبة هنا تحدثت بلسان الطفل الذي يبحث عن الحل السحري لمشاكله مع أمه، وذلك عن طريق الابتعاد عنها والانتساب لعائلة أخرى، لكن لا يبدو هذا حلًا مناسبًا في ضوء اختلاف فصيلتي الدم، مما يجعل سامي يقرر أن الحل الآخر هو البحث عن أمه الحقيقية التي تشبهه، ويدقق في لون العينين والبقع البنية (النمش) التي تفترش وجهه في رحلة بحث في منازل الأصدقاء بالحي عله يجد تلك المرأة الطيبة التي تشبهه ولا تعاقبه بالضرب والصياح بصوت مرتفع. الكاتبة ماريا دعدوش جعلتنا نتابع الأحداث دون ملل، مع علمنا بأن تلك الأم التي تدعى سارة تمارا هي أم الطفل سامي، لكنه يرفضها بسبب قسوتها الظاهرية، فهي تعاني أيضًا مشاكل الانفصال عن والد سامي مما جعلها تغضب سريعًا لأنها تشعر بالوحدة والمسئولية الثقيلة في تربية طفل بمفردها. في لحظة ما تقترب الأم من طفلها سامي، تحكى له عن مشاكلها وكأنها تعتذر له عما بدر منها من سوء وغضب، تقوم بحياكة ملابسه التنكرية الممزقة هو وصديقه تيم، هذا كفيل بجعل سامي يعتقد بصدق أنها أمه بالفعل، ينبهه تيم إلى لون عينيها التي تشبه لون عينيه تمامًا، من الداخل خضراوان ولهما من الخارج حلقة زرقاء، لا أحد بالحي له هذا اللون إلا سامي وأمه، كما أنها تجيد الحياكة، في براءة يعود سامي إلى أمه ولا يفكر مرة أخرى أن يبحث له عن أم أخرى. أما كتاب النمو السحري فيحكي ببراعة عن التنمر ومواجهته في شجاعة، يبدأ الأمر بذلك الفتى متين، لاحظ الاسم الذي يعطي مدلولًا بحقيقة ذلك الطفل الذي كان أقصر طفل بالمدرسة منذ إجازة صيف فقط، لكنه الآن صار أطول طفل بالمدرسة ونصب نفسه زعيمًا بالقوة على الصف الخامس، وقد استعان بالتوأم حامد وحميد يلازمانه مثل ظله، وقد كونا قوة لا يستهان بها بالمدرسة مكنتهما من الاستيلاء على شطائر تلاميذ الصف الخامس وأيضًا قسائم الشراء الخاصة بالكافتيريا بالمدرسة، كل هذا وسامي يريد معرفة سر النمو السحري الذي طرأ على متين فيخبره مرة أنه يلتهم الديدان ومرة أخرى فئران مما يعرض سامي لمشاكل جمة مورطًا صديقه تيم فى مشكلات مع والديه، بخاصة أبيه الذي يعاقبه بكتابة نفي الخطأ الذى يرتكبه ثلاثمائة مرة، لا ينجو تيم من هذا الفخ البغيض إلا عندما اعترف لوالده بمشاكله مع متين المتنمر وحاشيته، وتحمله أخطاء صديقه سامي، مما يدفع الوالد للمواجهة والتحلي بالشجاعة للدفاع عن نفسه وممتلكاته أصبح الحل السحري هو الاتحاد ضد هذا ال"متين" عن طريق أكياس الماء وقول (لا) مما جعل متين ومساعديه يستسلمون تمامًا، ويستعيد تيم ثقته بنفسه وكذلك سامي. طرحت الكاتبة هنا حلًا مناسبًا لما يحدث من تنمر ومشكلات، لن ينجح أحد في التصدي لهذه الظاهرة سوى بالتكتل، الشجاعة أن تتحمل نتيجة أفعالك للنهاية، لا تكن مسؤلًا عن أخطاء غيرك. لم تقدم الكاتبة حكايات تقليدية بل طرحًا عصريًا يجعل الطفل يعمل عقله، تفاصيل الحكي شيقة، ممتعة، حتى يقرأ الطفل الكتاب للنهاية.