يردد كثير من الكتاب الحاجة الي عقد مؤتمر اقتصادي علي غرار ما تم فى بداية عام 1982، كى نحدد المسار الاقتصادى الذى سوف نسير عليه ولاشك أن النقاش والحوار وتبادل الآراء مفيد لانارة الطريق. الا أن السؤال هو: هل نحن فى حاجة لعقد هذا المؤتمر؟ أن أول مايرد الي خاطرى عند سماع هذه الدعوة هو المؤتمر الاقتصادى الاول الذى عقد عام 1982. لقد كان السبب الرئيسى للدعوة لعقده هو حسم الجدل الذى ثار فى ذلك الحين بين بعض الاقتصاديين ونائب رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد فى ذلك الحين حول ما اذا كان ميزان المدفوعات المصرى به عجز أم فائض كما كان يصرح الوزير غير أنه حين انعقد المؤتمر، كان قد تم تعديل وزارى، وترك الدكتور عبدالرزاق عبدالمجيد- رحمه الله- موقعه الوزارى وتصدى المؤتمر للموضوعات الاقتصادية المختلفة من طبيعة النظام الاقتصادى الي السياسات الاقتصادية والنقدية ومشاكل التوظيف والعمالة وغيرها. ومن طبيعة المؤتمرات- كما هو معروف- أن يشترك فيها أهل الفكر والرأى من مختلف المدارس والمذاهب وبالتالي تطرح حلول بديلة، قد تكون متعارضة تماما مع بعضها البعض نتيجة لاختلاف تصور الباحثين للمشكلات الملحة، واختلاف هويتهم الاقتصادية والسياسية، وتكمن استفادة الحكومة من هذه المؤتمرات فى اختيار المقترحات التى تتسق مع سياساتها، علي أن تتحمل نتائج هذا الاختيار. ومن الخطأ تصور اكتفاء المؤتمر- أى مؤتمر- يشترك فيه كل اتجاهات المجتمع، برسم سياسات موحدة تأخذ بها الحكومة بل إن الحكومة لا تقبل هذا الأمر، والا اعترفت بعدم وجود برنامج عمل لها يشير إلي تنفيذه، ودرج الرئيس المخلوع علي التندر علي أعمال المؤتمر، وأنه أثار البلبلة، وأكثر من الكلام ولم يقدم حلولا محددة، ناسيا أو غير مدرك أن هذه ليست من مهام مثل هذه المؤتمرات. ولذلك فأنا ضد فكرة اقامة مؤتمر اقتصادى كبير لحل مشكلات مصر، علي الرغم من ضرورة الحوار البناء والبحث المتعمق عن الحلول الناجلة واخشى أن يضيع الوقت فى الدراسة والبحث دون التوصل الي توافق عام علي برنامج العمل، كما حدث فى مؤتمر عام 1982 إن مصر فى الفترة الحالية تواجه مشاكل عاجلة عديدة أهمها: - تشغيل الطاقات العاطلة والمصانع المتوقفة. - عجز الموازنة العامة للدولة، وقد اتخذت الحكومة اجراء جذريا غير مسبوق فى اتجاه معالجته. - الانقطاع المتكرر للكهرباء - تفاقم مشكلة البطالة - ازدحام المواصلات ومشكلات المرور - تفاقم مشكلة التضخم وارتفاع الاسعار - ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية بأبعادها المختلفة - تدهور التعليم وتدنى مستوى الخدمات الصحية والرعاية الاجتماعية - تقليل حدة الفقر - تحسين حالة ميزان المدفوعات - وتوفير الإسكان الملائم للشباب واصحاب الدخل المحدود أما المشكلات طويلة الأجل فيمكن إيجازها فى قضيتين هما: (أ) زيادة الإنتاج والإنتاجية ورفع معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي الي نحو 10% سنويا لمدة عقدين متصلين من الزمان. (ب) تحقيق التوازن بين الارض والسكان بزيادة الرقعة المستغلة من مصر تدريجيا من وضعها الحالى 5.5% تصل الي 20% فى عام 2050 التى يقدر عندها سكان مصر بنحو 150 مليون نسمة. ومن الضرورى أن الحكومة الحالية علي معرفة بالمشكلات الحالية ولديها برنامج للحلول كما أنها أنجزت منذ أيام اعداد "رؤية" أو "استراتيجية" طويلة الاجل لمرحلة أولى تنتهى 2030 ثم مرحلة ثانية لعام 2050. والذى اراه مفيدا ومثمرا هو عقد ندوات متعددة علي فترات متقاربة، تطرح فيها إحدى القضايا السابق ذكرها لمدة يوم واحد، وتقدم الحكومة ما اتخذته من اجراءات بشأن حل هذه المشكلة، وما هو مخطط فى البرنامج السنوى، ثم يناقش اصحاب الرأى هذه البرنامج ويتم الخروج بتوصيات ونتائج محددة. فعلي سبيل المثال اذا عقدت ندوة لتشغيل الطاقات المعطلة والمصانع المتوقفة، والتى تتجسد فى وجود كثير من ثلاثة آلاف من المصانع المغلقة، ومثلها يعمل بأقل من طاقته الكاملة، فإن الأسباب العامة لذلك وهى: نقص التمويل، وعدم توافر العمالة، وارتفاع تكاليف البنية الاساسية، وعدم توافر الطلب علي بعض المنتجات وانخفاض جودتها مع ارتفاع اسعارها بالنسبة للمنتجات المنافسة لها، وغيرها من الاسباب، فماذا عملت الحكومة للتعرف علي هذه المشكلات بالنسبة لكل مصنع، وماذا قدمت من حلول وما تنتوى عمله فى المستقبل، ويشترك فى هذه الندوات الحكومة ورجال البنوك، واصحاب المشروعات، ورجال الفكر والرأى. وتناقش القضية تفصيلا وتخرج الندوة بنتائج محددة وبرامج عمل بتواريخ تنفيذ مع تحديد مسئولية كل طرف من أطراف المشكلة، مع متابعة التنفيذ والانجاز وتتكرر هذه الندوات لكل الموضوعات العاجلة، وبهذه الطريقة يكون لدى الحكومة والمجتمع بأكمله تشريح تفصيلى للمشكلات المعاصرة وطرق حلها علي أن توضع الآلية للتنفيذ والمساءلة ومحاسبة المقصرين.