لمصلحة من هذا التردد الحكومي في حسم قضية ترشيد دعم الطاقة, وضبط منظومة تسعيرها ؟! خاصة بعد وصول العجز الكلي للموازنة العامة للعام المالي2013/2012 إلي7,239 مليار جنيه, وبما يعادل نحو7,13 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وهي أرقام مرشحة للارتفاع في الأعوام القادمة, مما يجعل الاقتصاد القومي يئن تحت وطأتها. هذا الإتساع في العجز جاء نتيجة نمو النفقات العامة بمعدلات تفوق معدلات نمو الإيرادات العامة. وهذه الزيادة السريعة في النفقات العامة اقترنت بارتفاع في حجم الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية, التي أصبحت تمثل ثلث إجمالي النفقات العامة. وتحليل بنود الدعم وفقا لفئاته يوضح أن المنتجات البترولية تستأثر وحدها بما يناهز ثلثي إجمالي الدعم, في حين أن دعم المواد الغذائية لا يزيد علي الخمس. ولكي نتبين حجم مشكلة دعم الطاقة( الفرق بين تكلفة توفيرها وأسعار بيعها في السوق المحلي) يمكننا رصد إجمالي دعم المنتجات البترولية والغاز الطبيعي خلال الفترة من العام المالي2001/2000 حتي2013/2012, الذي بلغ نحو2,695 مليار جنيه, ومن المفارقات الغريبة والعجيبة أن هذه مبالغ تزيد كثيرا عما خصص لدعم الخدمات التعليمية والصحية خلال نفس الفترة. لقد ارتفع دعم السلع البترولية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة من7,67 مليار جنيه عام2011/2010, إلي5,95 مليار جنيه عام2012/2011, ثم إلي120 مليار جنيه في عام2013/2012, المشكلة- إذن- تتفاقم, فإلي متي ننتظر, خاصة أنه ينمو بمعدلات نمو متسارعة بلغت41 في المائة عام2012/2011 مقارنة بالعام السابق, ثم بمعدل نمو يناهز26 في المائة عام2013/2012. وفي دراسة حديثة صدرت عن الهيئة المصرية العامة للبترول عن تكلفة توفير المنتجات البترولية يتضح اختلال الهيكل السعري للمنتجات البترولية, فأسطوانة البوتاجاز تباع ب16 في المائة من تكلفتها الفعلية التي تبلغ75 جنيها, في حين أن سعرها الرسمي12 جنيها, وأن لتر السولار يباع بنحو28 في المائة من تكلفته الحقيقية, وأن البنزين80 يباع بنحو32 في المائة من تكلفته, والبنزين90 يباع بنحو45 في المائة من تكلفته, والبنزين92 يباع بنحو39 في المائة من تكلفته, والبنزين95 يباع بنحو54 في المائة من تكلفته. من المستفيد من دعم المواد البترولية ؟ بينت إحدي الدراسات عن توزيع دعم المواد البترولية وفقا لشرائح الإنفاق, أن الشريحة الحضرية الأكثر ثراء تستفيد من الدعم بنسبة3,33 في المائة, بينما تستفيد الشريحة الحضرية الأشد فقرا بنسبة8,3 في المائة فقط. كما بينت الدراسة أن رفع سعر الغاز الطبيعي والمازوت يؤثر علي شرائح الإنفاق الدنيا أكثر من غيرها, مع ملاحظة أن الغاز الطبيعي والمازوت يمثلان معا13 في المائة من إجمالي دعم المواد البترولية. لاشك أننا في حاجة ماسة الي مراجعة هيكل الاسعار, وتحريكها تدريجيا بما يقلل من الآثار المتوقعة سلبا بشكل مباشر أو غير مباشر. التي تتوقف علي نسبة الزيادة في سعر كل منتج من المنتجات البترولية, والوزن النسبي لكل منتج في إجمالي هيكل التكلفة في القطاعات المختلفة, والوزن النسبي لكل منتج في سلة الاستهلاك النهائي للأسرة. هذه القضية كان يجب أن تعالج منذ سنوات وقبل أن تستفحل. وبغض النظر عن شروط صندوق النقد الدولي, يمكن للحكومة طرح إستراتيجية واضحة مقترنة بجدول زمني معلن لتخفيض الدعم, وبرنامج محدد لإعادة تخصيص ما يتم توفيره من إلغاء الدعم في الموازنة علي الاستثمارات العامة في القطاعات ذات الاولوية في التنمية البشرية, وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية, ذلك كله في إطار حملة إعلامية لتوعية الشعب بضرورة إصلاح نظام الدعم الحالي ليصبح أكثر كفاءة, وأكثر عدالة.