إيمان عمر الفاروق تأبى إسرائيل ألا تحصل على نصيب الأسد من كعكة إعمار غزة، وهو ما سوف يتحقق لها بشكل غير مباشر عبر اشتراطها بضرورة أن تكون مواد البناء المستخدمة فى عمليات إعادة الإعمار من إنتاج شركتها الشهيرة «نيشر» التى تحتكر سوق الأسمنت بإسرائيل، وذلك وفقا لما تناقلته وسائل الإعلام الغربية نقلا عن مسئول أوروبى رفض كشف هويته، لكنه كشف عن جانب خفى للجدار العازل من التحديات التى لابد وأن تصطدم بها جهود إعادة الإعمار على أرض الواقع المُر. فالسياسة الإسرائيلية هى التطبيق العملى المثالى لمفهوم «رأسمالية الكوارث» أو بعبارة دارجة «بيزنس الكوارث» وهو ما عبر عنه بوضوح الكاتب الكندى ناعوم كلين، بكتابه الرائع «وثيقة الصدمة» حيث يسرد بالفصل 21 منه خفايا الرؤية الإسرائيلية التى تتمحور حول المنافع الاقتصادية التى تحملها إليها عواصف الحرب والتى تفوق تلك الكامنة بظلال السلام. تصريحات المسئول الأوروبى أثارت عاصفة من الجدل والتصريحات المتأرجحة بين النفى والصمت الذى يراه البعض اعترافا ضمنيا، فرغم نفى المتحدث باسم مجلس الوزراء الإسرائيلى مارك رجيف، والتى جاء بها "لا يوجد قانون يتيح لإسرائيل حظر توريد مواد البناء إلى غزة من أية جهة أخرى غير إسرائيل". إلا أن المسئولين بوحدة تنسيق الأنشطة الحكومية الإسرائيلية المعروفة باسم "كوجات"رفضوا التعليق أو الرد على ما نشره موقع "يورو أكتيف". ومن جانبه يرى محمود الخفيف - منسق شئون المساعدات الخاصة بفلسطين بمؤتمر الأممالمتحدة للتجارة والتنمية - أن تصريحات المسئول الأوروبى صحيحة إلى حد بعيد خصوصاً أنه أكد عدم وجود سند قانونى للممارسات الإسرائيلية، لكنه ما يتم فرضه بسياسة الأمر الواقع وأن ما يجرى بالمنطقة "ج" ما هو إلا محاولة لإضعاف قدرات الاقتصاد الفلسطينى وتدميره. وعلى طريقة وشهد شاهد من أهلها، جاءت تصريحات عافير روتيم - مدير العلاقات العامة بإحدى المنظمات الإسرائيلية باسم جيشا - حيث أقر أنه بالتطبيق العملى لا توجد بدائل أمام غزة للحصول على الأسمنت سوى من شركة "نيشر" الإسرائيلية التى تحتكر سوق الأسمنت. فشركة "نيشر" الإسرائيلية هى الباب الملكى لسيطرة إسرائيل على عمليات إعادة البناء والتهام أرباحها، فقد أشارت صحيفة "ذا ديلى ستار" فى تقرير مُطول لها إلى أن تلك الشركة ظلت لسنوات مضت المصدر الرئيسى للأسمنت المُستخدم بغزة، حيث تسيطر على حوالى 85% من سوق الأسمنت بإسرائيل، ووصفت الصحيفة لجوء الشعب الفلسطينى للاعتماد على أسمنت إسرائيل بالدواء المُر. هانى شاملى - مدير شركة إستيراد مواد البناء بغزة - يُقدر مبدئيا الأرباح التى سوف تتدفق إلى إسرائيل بحدود 100 مليون دولار قيمة فاتورة استيراد نوع واحد فقط من الأسمنت وهو الأسمنت الرمادى المعروف باسم الأسمنت المُركب، وهى تكلفة مرتفعة للغاية برغم جودته وسرعة شحنه. ويحتاج القطاع إلى حوالى 10,000طن يوميا من الأسمنت على مدى الأشهر الستة المقبلة فيما كان يتدفق إلى القطاع 30 طناً تقريبا من الأسمنت يوميا قبل عملية "الجرف الصامد" الإسرائيلية الغاشمة الأخيرة. وطبقا لتقديرات وزير الإسكان الفلسطينى تبلغ تكلفة إعادة بناء المنازل فقط 2,5 بليون دولار حيث تم تدمير ما لا يقل عن 40,000 منزل إلى جانب 200 مسجد تقريبا. هذا فضلا عما تحتاجه عمليات ترميم الأماكن المقدسة والمبانى الأثرية التالفة والتى تضررت بشدة من العدوان، فهناك حاجة للمواد الخام كالأسمنت، قضبان الحديد، العوارض الخشبية، الحديد المموج، ألواح من الزجاج ومعدات البناء. ويضيف جاك روتر - ممثل الاتحاد الأوروبى بغزة والضفة الغربية - رقما آخر لفاتورة إعادة البناء يتمثل فى 18 مليون دولار لإزالة الأنقاض فقط. ومما يثير علامات الاستفهام ما ذكرته "السي. إن. إن"على موقعها على شبكة الإنترنت بتاريخ 12 أغسطس الماضي، نقلا عن مسئولين فلسطينيين من تدمير القصف الإسرائيلى لما يزيد عن 60 شركة صناعية للإنشاءات تتولى إمداد قطاع غزة باحتياجاته الضرورية لأعمال البناء. ويتعجب حاتم حسونة، عامل بأحد المصانع المتخصصة فى أعمال تمهيد الطرق، والذى تم تدميره بالكامل جراء الغارات الإسرائيلية إبان عملية "الحرف الصامد"من استهداف مصنعه من قِبل الإسرائيليين قائلا: "لا يمكننا إعمار غزة دون إعادة بناء المصانع التى تهدمت ولا أدرى لماذا تم قصف مصنعى برغم أنه كان يقوم بإمداد وكالات الإغاثة الدولية والمنظمات الإنسانية باحتياجاتها ". والأمر المثير للدهشة والاستفزاز، وفقا لرواية حسونة أن السلطات العسكرية الإسرائيلية هى التى تتولى التحقيق فى واقعة استهداف المصنع! أحد تداعيات الحرب الإسرائيلية ضد غزة تجسدت بجلاء فى أزمة الإسكان التى وصفتها "الواشنطن بوست"بأنها أسوأ تداعيات الحرب التى خلفت ما لا يقل عن 65 ألف فلسطيني بلا مأوى. وقد قفزت أسعار الإيجارات من 200 دولار شهريا إلى ما لا يقل عن 500 دولار كنتيجة للأزمة التى خلفها العدوان الأخير. تحديات كثيرة تواجه مؤتمر إعادة إعمار غزة نرجو ألا تعوق المانحين عن الوفاء بوعودهم وألا يواجه مصير مؤتمر شرم الشيخ 2009 .