يبدو أن الفوضى هى سمة يتوراثها المصريون وتنتقل من جيل لآخر، فعلى الرغم من قيام الثورة فى مصر التى كانت تهدف إلى إرساء قواعد الديمقراطية التى طال التطلع إليها والخروج من عنق زجاجة النظام السابق إلى الحرية إلا أن الشعب المصرى تفهم معنى الحرية فى صورة خاطئة قد يكون لعدم تمتعه بها من قبل ولكن ينبغى علينا أن ندرك جيداً أن جين الفوضى هذا سيقودنا إلى نفق مظلم مجهول نسير فيه ولا نعلم إلى أين سينتهى ومتى وكيف؟ أمثلة لا حصر لها تؤكد صحة ما أقول وآخرها جلسة محاكمة العادلى ومعاونيه يوم السبت الماضى التى لم تستغرق سوى دقائق معدودة، تحولت فيها قاعة المحكمة إلى ميدان معركة تطايرت فيها الشتائم بين أسر المتهمين وأهالى الشهداء والمحامين غاضيين الطرف عن قدسية وهيبة هذا المكان ونتيجة الإنفلات الأمنى تم تأجيل المحاكمة إلى الشهر المقبل، فلماذا لم نحترم بعضنا البعض ونتصرف مثل الدول المتقدمة لينال الجانى جزاؤه ويسترد المجنى عليه حقه. مثال آخر مماثل شاهدناه فى جلسة الحوار الوطنى الثانية المخصصة لاستعراض آراء شباب الثورة ونظرتهم المستقبلية للأوضاع الراهنة فى مصر والتي تحولت إلى فوضى وهرج ومرج لمجرد رفض بعض المشاركين فى الجلسة حضور بعض أعضاء الحزب الوطنى المنحل، فإختلاف الرأى لايفسد للود قضية وخاصة بين مجموعة من كبار المسئوليين العقلاء وشباب الثورة الواعى الذين ينبغى أن يتداركوا إن لم يدركوا أن مصادرة رأى الآخر هو جرم لاتسمح به أى دولة ديمقراطية حرة حتى وإن كانوا على خلاف مع من يشاركهم الرأى. نعم الحزب الوطنى هو رمز كل فساد وقع فى مصر منذ إعلان الرئيس الراحل أنور السادات عام 1978 حل الإتحاد الإشتراكى وتأسيس المنابر السياسية ومن بينها حزب "الوسط" الذى رأسه السادات وتم تغيير اسمه لاحقاً إلى الحزب الوطنى، ولكن لا يعنى ذلك أن نتسبب فى فشل الحوار الوطنى وبدلاُ من الخروج من الجلسة بحوار بناء ومفيد، نخرج بخيبة أمل وفشل نتيجة ما ارتكبناه من أفعال بلهاء. ما أدهشنى حقاً وسط مشاهد الفوضى العديدة التى ما زالت تتكرر حتى بعد الثورة هى الدعوات المطالبة بحذف إنجازات الرئيس المخلوع حسنى مبارك من مناهج التعليم والتى نفذت وزارة التربية والتعليم جزء منها بحذف فصل كامل من مادة التربية الوطنية المقررة على طلاب المرحلة الثانية من الثانوية العامة بدعوى أنه يعرض انجازات الرئيس السابق الإقتصادية والإجتماعية وخطط تطوير التعليم فى المستقبل بشكل دعائى وليس علمي، ولكن الحقيقة التى أود أن أكشف الستار عنها هو أنهم يمحون يوم 25 يناير من التاريخ فهل تقبلون بذلك ؟ بالطبع لا، لأن لولا حقبة مبارك ما ولدت الثورة فى مصر وما نشأت وترعرعت أسبابها، فبحذف ثلاثين عاماً من الظلم والفساد والمهانة، نهدر دماء شهداء الثورة الذين ضحوا من أجل مستقبل مصر وأبنائها بصرف النظر عن بعض الإنجازات التى تم تحقيقها فى غضون العقود الثلاثة الماضية والتى تملى علينا ضمائرنا أن نذكرها فى تاريخ مصر المعاصر. شكل آخر من أشكال الفوضى يظهر فى إقدام معظم المصريين من جميع فئات الشعب على محو أى شىء يذكرهم بالرئيس السابق حتى إنهم توصلوا إلى حذف اسمه من كافة مؤسسات وقطاعات الدولة من بينها محطة مترو أنفاق "حسنى مبارك" التى أصبحت تحمل اسم "الشهداء" نسبة لشهداء الثورة لدرجة أن أحد الصحف البريطانية قامت بتحليل هذه المواقف على أنها رد فعل طبيعى لما سببه الرئيس السابق من تكوين عقد نفسية للمصريين. فماذا بعد كل هذه المشاهد الفوضوية التى تحدث يومياً وإلى أين ستقودنا؟