طاقة النواب توافق نهائيا على تعديل قانون تنظيم الأنشطة النووية    السيسي يتابع جهود رفع كفاءة العنصر البشري وتأهيل وتدريب العاملين بالمدارس    هجمات موسكو عشية الذكرى السنوية لبدء العملية العسكرية تعكس فشل المفاوضات    محمد صلاح يقود ليفربول لمواجهة نوتنجهام فورست في البريميرليج    السيسي يتابع ملفات وزارة التربية والتعليم.. يشدد على ضرورة الاهتمام بجودة التعليم ومواكبة أحدث ما وصلت إليه تكنولوجيا البرمجة والذكاء الاصطناعي.. وبناء جيل واعٍ قادر على الإسهام في اقتصاد رقمي    تأجيل محاكمة 86 متهمًا بخلية النزهة    إعلانات رمضان!    بعد إصابة ماجد المصري في مسلسل "أولاد الراعي" بسرطان المخ، ما هي أعراض المرض؟    معبر رفح يستقبل دفعة جديدة من الجرحى والمرضى الفلسطينيين وسط تجهيزات طبية مكثفة    بكم الطن؟.. سعر الحديد فى السوق اليوم الأحد 22 -2-2026    مسلسل اثنين غيرنا .. الصحة تتوسع فى عيادات الإقلاع عن التدخين بالمستشفيات    الجيش السوداني يستعيد مدينة الطينة بعد قتال شرس مع الدعم السريع.. وهروب المئات إلى تشاد    سحور 4 رمضان.. أومليت بالخضار يمنحك الشبع والطاقة حتى أذان المغرب    5 مارس إفطار أسرة طلاب من أجل مصر واتحاد طلاب جامعة عين شمس    "سلامة الغذاء" تنفذ 75 زيارة تفتيشية على الفنادق والمطاعم السياحية    أورنچ مصر تطلق أكبر برنامج دعم مجتمعي في رمضان 2026 بمحافظات الجمهورية    بعد حارة اليهود.. منة شلبي وإياد نصار ثنائي يستمر في تعرية جرائم الاحتلال ضد صحاب الأرض    وزيرة الثقافة تلتقي رئيس الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا لبحث تعزيز التعاون    ريال مدريد يعلن إصابة سيبايوس    وكيل تعليم الجيزة يفاجئ مدارس الحوامدية وأبو النمرس بزيارة ميدانية    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 22فبراير 2026 فى المنيا    الهند ترجئ المحادثات التجارية مع أمريكا بعد قرار المحكمة العليا بإلغاء الرسوم الجمركية    شقيق إسلام يكشف تفاصيل حالته الصحية بواقعة الملابس النسائية بميت عاصم    البورصة تخسر 37 مليار جنيه في بداية التعاملات    مطروح تشن مداهمات علي تجار الألعاب النارية بشهر رمضان المبارك    متحدث الوزراء: مؤشرات أداء شهرية للمحافظين وقياس رضا المواطنين.. والتعديات على الأراضي الزراعية أولوية قصوى    تجديد حبس عاطل متهم بقتل صديقه وتقطيع جسده وإلقاء أشلائه داخل أحد المصارف بالعياط    إنزاجي: كان علينا استغلال طرد مدافع اتحاد جدة.. ولم نلعب بالمستوى المأمول    جامعة المنصورة تحصد المركز الأول في بطولة بورسعيد الشتوية للسباحة بالزعانف    سقوط بخسارة ثقيلة لميسي وإنتر ميامي في انطلاقة الدوري الأمريكي    وزارة التضامن الاجتماعي تقر قيد 6 جمعيات فى 3 محافظات    المتحدث العسكري: قبول دفعة جديدة من الأطباء للعمل كضباط مكلفين بالقوات المسلحة    وجبات خفيفة بين الإفطار والسحور تساعد على التركيز في المذاكرة    إحالة 12 عاملا بمجمع عيادات أبو بكر الصديق في شبين الكوم للتحقيق لتغيبهم عن العمل    ما حكم إخراج الرجل زكاة الفطر عن زوجته التي تعمل؟ الإفتاء تجيب    كراسي متحركة ومكاتب خاصة.. الجوازات ترفع شعار حقوق الإنسان لخدمة الصائمين في رمضان    ظهور مفاجئ ل وائل عبد العزيز يشعل أحداث «وننسى اللي كان»    أمان الصائمين خط أحمر.. حملات ال 24 ساعة تكتسح الطرق السريعة وتلاحق "السرعة والتعاطي"    رمضان: شهرُ المحبة والإيمان..بقلم :محمد فتحى السباعى    3.7 مليون سيدة استفدن من الفحص الشامل ضمن مبادرة «العناية بصحة الأم والجنين»    رفع 120 حالة إشغال بمنطقة أطلس بحي غرب بمدينة أسوان    حكم الأكل والشرب في الإناء المكسور.. ما الذي أباحه النبي صلى الله عليه وسلم وما الذي نهى عنه؟    موسكو تعلن إسقاط 86 مسيرة أوكرانية وتتهم كييف باستهداف المدنيين    مسار أهل البيت    نجوم «دولة التلاوة» يحيون ليالى رمضان بمسجد الإمام الحسين    كيف يكون المحافظ محافظًا؟    المجالس المحلية.. تكليف رئاسى لا يحتمل التأجيل    موعد أذان المغرب فى اليوم الرابع من شهر رمضان بالمنوفية    مصرع شاب علي يد ابن عمته بالمنوفية    أسعار الذهب اليوم الأحد 22 فبراير 2026    ترامب: أمريكا سترسل سفينة مستشفى إلى جرينلاند    بدءًا من اليوم| وزارة المالية تطرح «سند المواطن» بعائد 17.75% شهريًا    الأهلي يدرس عودة وسام أبوعلي.. تفاصيل العرض والتحضيرات القادمة    الجيش الباكستاني يشن هجمات جوية داخل الأراضي الأفغانية    الرئيس البرازيلي: مجلس الأمن الدولي بحاجة لإصلاحات    كرة يد – الأهلي والزمالك يفوزان على الجزيرة وسموحة    موقف مؤلم من 18 سنة| سمية درويش تروي تفاصيل خلافها مع شيرين    مارك جيهي: لا أريد أن يأخذ هالاند مكاني في الدفاع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تحقيق السبت
وللصابرين مثابا‏..‏
نشر في الأهرام اليومي يوم 02 - 10 - 2010

من لايأكل من عرق جبينه‏..‏ لايملك مصيره‏!‏ الفلاح المصري صانع الحضارة ينقرض‏..‏ يهرب من أرضه وعرضه‏..‏ يبيع ما يمتلكه من فدادين طين‏..‏ ويذهب يؤجر عافيته‏. ساع في مكتب‏..‏ تمرجي في مستشفي‏..‏ يسرح بعربة فول أو بطيخ‏..!*H*‏ شرد العقل مني وتمرد الوجدان واكتأب الشجن‏..‏ وأنا أكاد اصطدم والليل يحكم قبضة الظلام علي الكون كله‏..‏ بأطفال غطاهم ملاك النوم تحت عباءته أمام عشة مطوية الجناح محنية الرأس‏..‏ عند قمة حقل لا زرع فيه ولا ماء‏..‏ يجلس في حراستها جدهما شيخ عجوز عاش حتي يري عوز أولاده وضني أحفاده‏..‏ تخدمه وترعاه بما بقي في جسدهما الذي وهن العظم منه من عافية رفيقة دربه وطريقه وأم عياله‏..‏
صاحت بي الجدة العجوز‏:‏ حاسب يا سيدنا حتدوس العيال‏..‏ أنت رايح فين في العتمة دي وطريقك فين يا دي الجدع؟
قلت‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏..‏ حد يسيب العيال في سكة الناس كده‏!‏
الشيخ المعمم الذي أخفت الظلمة ملامحه يتكلم‏:‏ دي عشتنا ودي أوضتنا ودي جميزتنا ودي ساقيتنا اللي ماتت واندفنت بالحياة‏!‏
قلت له وأنا مازلت واقفا‏..‏ مستندا بيدي إلي العشة المجدولة من سعف النخل‏:‏ موش دي برضه ساقية من السواقي اللي فضلت تنعي ألف ليلة وألف عام؟
السيدة الطيبة تبادر بدعوتي للجلوس‏..‏ أسندت ظهري للكوخ الهرم بكسر الراء وارحت ساقي المكدودتين‏..‏
يتكلم الشيخ العجوز من خلال فم يكاد يكون خاليا من الأسنان‏:‏ وهو فيه يا سيدنا الأفندي مية دلوقتي عشان تنعي وتسقي وتروي وتشبع العيال‏,‏ كل حاجة نشفت نشفتها علينا الحكومة النكدية‏..‏
مددت قدمي حتي آخرهما في طين جدول ماء جف لا أعرف منذ متي‏..‏ ربما من أيام المجاعة التي تحدث عنها فيلم لاشين أيام المماليك وتقاتل فيه مائة شحاذ علي حمامة صغيرة‏..‏ فمات منهم تسعون وربما أكثر وطارت الحمامة إلي حال سبيلها‏!‏
في وقت واحد وفي صوت واحد نطق الشيخان‏..‏ الرجل وامرأته‏:‏ انت مين بسلامتك وجاي منين ورايح فين؟
العجوز وحده‏:‏ باين عليك ابن ناس كده‏..‏ زي باهوات وباشوات زمان‏!‏
قلت باسما‏:‏ زي عبود باشا وطلعت حرب باشا‏..‏ واللي زي باشوات السيما زكي رستم وعباس فارس وسليمان نجيب وبشارة وكيم؟
قال العجوز‏:‏ موش القصد يابني‏..‏ قصدي نطمن لك ونديلك الأمان‏..‏ أصل ولاد الحرام كتير‏!‏
قلت‏:‏ اصلي يامولانا كنت جاي أزور قرايبي في البرلس أصلهم مدوخيني وراهم طول عمرهم‏..‏ والعربية عجلتها فرقعت‏!‏
السيدة العجوز بشهقة‏:‏ أخدت الشر وراحت‏!‏
قلت‏:‏ ولما لقيت العشة بتاعتكم منورة في الضلمة‏..‏ قمت سبت السواق يبدل العجلة وجيت أتوانس واتآنس بيكم‏!‏
العجوزان في صوت واحد‏:‏ يامرحب يامرحب‏..‏
‏.......................‏
‏.......................‏
الليل في ساعتي يقترب من منتصفه‏..‏ وأنا أحمد الله أنه هداني إلي نور فانوس أضبش العينين معلق بدوباره علي باب هذا الكوخ الذي ظهر لي فجأة كوميض نور فنار قديم من قلب مستنقع العتمة الذي يلف المكان كله‏..‏ بعد ان فعلت سيارتنا فعلتها وتوقفت عند قمة الحقل الذي يخفيه ويحتضنه في صدره كقطة تلحس قطيطتها لتخلصها من لسعات الهوام اللئام‏..‏
الشيخ العجوز وزوجته كأنهما بلا سن‏..‏ خرجا من دائرة السنين إلي حقب القرون‏..‏ لا تعرف كم عمر كل منهما وكم عمرهما معا وسط هذه العتمة وهذا الظلام الذي يعانق ظلاما‏..‏ كأن صاروخا بسبعة أرواح قد حملنا إلي ما فوق الأوزون إلي سماء سوداء بلا نجوم‏..‏
يطلب الشيخ من زوجته أن تضع كوز الشاي علي نار الموقد البدائي‏..‏ ترد عليه‏:‏ ليس عندنا نار‏:‏
بنظرة من أرنبة أنفه قال لي‏:‏ مامعاكش والنبي عود كبريت؟
قلت له‏:‏ أنا لست مدخنا‏..‏ يعود يسألني‏:‏ ولا حتي نارجيلة‏!‏
قلت‏:‏ النارجيلة عندما تقابلني‏..‏ أنا لا أسعي إليها‏!‏
قال‏:‏ يعني مافيش قدامنا إلا نولع ورقة من الفانوس قبل ما يخلص جازه
ما هي إلا دقائق وكانت أكواب الشاي البلدي المعتبر الذي له رغاوي وقطع النفس علي النار جاهزا للشرب‏!‏
في خاطري وأنا أشرب أحلي كوب شاي في حياتي أن أسأل الشيخ والشيخة عن الصغار الغارقين في نوم عميق‏..‏ قبل أن أنطق بالسؤال وكأنه كان يقرأ أفكاري قال الشيخ‏:‏ دول أحفادي‏..‏ ناموا بعد ما شبعوا عياط من الجوع‏..‏ أبوهم راح من بدري يجيب الأكل والزاد‏..‏ لحد دلوقتي ماجاشي‏!‏
الجدة بقلق‏:‏ آني عارفة اتأخر ليه ابو مسعد‏..‏ موش عوايده؟
أسألها‏:‏ امال امهم فين؟
قالت بأس‏:‏ بعيد عنك ربنا افتكرها بدري‏..‏
اسألها‏:‏ هو كان راكب إيه؟
قال الشيخ‏:‏ راكب مركب بقلع ومجاديف‏!‏
قلت في نفسي دون سؤال للشيخين الهرمين تحسبا لاحراجهما‏:‏ غريبة مركب إيه‏..‏ هو ما فيش قطر ولا أتوبيس ولا حتي عربية بالنفر‏!‏
‏.......................‏
‏.......................‏
شرد العقل مني وطار في عتمة الليل إلي أعشاش بلا أفراخ وبلا أمهات وبلا دفء‏..‏ وأنا أعجب لنفسي ولهذه الأسرة المصرية التي بات أحفادها جياعا‏..‏ حتي أن المشهد الذي أصبحت واحدا من صناعه قد ذكرني بحكاية الخليفة الفاروق عمر أعدل الخلفاء الراشدين مع المرأة التي وجدها تغلي ماء في قدر علي النار يفور ماؤه وأطفال صغار من حولها يصرخون جوعا وهي تطالبهم بالصبر حتي يستوي الطعام‏..‏ وسألها الفاروق عمر‏:‏ ماذا بالقدر للصغار؟
قالت‏:‏ ماء‏..‏ مجرد ماء يغلي‏!‏
يسألها‏:‏ وماذا يأكل الصغار؟
قالت‏:‏ لسوف يتعبون من البكاء والصراخ فينامون‏!‏
يسألها الفاروق‏:‏ ينامون جوعي؟
قالت‏:‏ حتي يقر الخليفة عينا وهو يري أطفال أمة الاسلام جوعي بلا طعام‏!‏
بكي يومها الفاروق‏..‏ وذهب إلي بيت المال وعاد وعلي ظهره أكرر علي ظهره جوال من الدقيق‏..‏ دفع به إلي الأم وقال لها‏:‏ اطعمي الصغار‏!‏
سألته‏:‏ من أنت ياعبد الله؟
قال‏:‏ خليفة رسول الله‏!‏
‏.......................‏
‏.......................‏
أتحفني الشيخ العجوز بآخر كوب من الشاي الفلاحي المعتبر‏..‏ وهو الكوب المعسل أكثر‏..‏
سألته‏:‏ أنا أعرف يا سيدنا ويا مولانا‏..‏ إن الحالة جيم عندكم‏..‏ يعني نعم أنتم تعانون‏.‏
يقاطعني‏:‏ دعني أسقيك من بئر معاناتنا‏..‏
قلت‏:‏ اسقنيها بأبي أنت وأمي‏..‏ كما قالتها أسمهان؟
قال‏:‏ أنتم تشترون منا القمح بثمن بخس وتستوردون من الخواجات والفرنجة بأعلي سعر وبالدولار واليورو‏!‏
هل هذا صحيح؟‏..‏
يسألني؟
قلت‏:‏ صحيح تماما‏!‏
قال‏:‏ ألا تعرف أن مصر كانت من أكبر منتجي الدخان في العالم‏..‏ وأن محمد علي هو الذي أدخل زراعة الدخان إلي مصر‏..‏ ليصدره إلي أوروبا ويستورد ما تحتاجه مصر من سكر وسلاح وعلم وأدب؟
قلت‏:‏ أعرف يا شيخنا وعمنا‏..‏
قال‏:‏ ألا تعرف أيضا يا سيد العارفين أن مصر كانت سلة غذاء العالم حتي ما بعد الميلاد لسنوات طويلة‏..‏ وأن كليوباترا ملكة مصر في السنوات الأخيرة قبل الميلاد‏..‏ قد أذلت روما وأركعت يوليوس قيصر ومارك أنطونيو علي ركبتيهما عندما منعت السفن المصرية أن تحمل القمح المصري إلي روما‏..‏
قلت‏:‏ وكان هذا هو السبب الرئيسي في اندفاع يوليوس قيصر ومارك أنطونيو لغزو مصر لمحاربة كليوباترا واستئناف توريد القمح المصري إلي أوروبا‏!‏
قال الشيخ‏:‏ ولم تعد السفن المصرية تحمل القمح المصري الذي زرع بعافية وعرق الفلاح المصري إلي روما‏..‏ إلا بعد رحيل مارك أنطونيو انتحارا وكليوباترا بلدغة الأفعي؟
‏........................‏
‏........................‏
مبهور غاية الانبهار بهذا الشيخ العجيب الذي طلع لي في البخت في ليلة مدلهمة‏..‏ وأنا أجلس والليل حامينا وساترنا ممددا داخل حقل غير ذي زرع علي الطريق المسافر إلي بحيرة البرلس حتي ينتهي عم مساعد سائق العربة من استبدال الإطار التالف بآخر سليم حتي الحق بآخر من بقي من فرع العائلة الكريمة الذي هاجر من القناطر الخيرية طلبا للرزق في أوائل القرن الماضي‏..‏
الشيخ العجيب يوالي إطلاق سهامه‏:‏ ألا تعرف يا عزيزي أن محمد علي باشا هو باعث نهضة مصر في التاريخ الحديث كله‏..‏ وأنه لولاه لعاشت مصر في عصور الظلام العثماني الذي أسدل أستاره السوداء الممزقة علي مصر كلها وقتل الإبداع والخلق وأوقف عجلة التطور الحضاري التي ادخلت مصر في عصر الظلام عام‏1517‏ ميلادية وهو عام غزو سليم الأول القائد العثماني لمصر‏..‏ وظلت مصر تتخبط في الظلام الفكري والإبداعي نحو ما يقرب من ثلاثة قرون‏..‏ فأرسل البعثات العلمية إلي أوروبا‏..‏ وخرج من عباءته الشيخ محمد عبده وعلي باشا مبارك ومن بعدهما قاسم أمين‏..‏ ووصل بجيوشه التي قادها ابنه ابراهيم باشا البطل الكبير الذي نسيناه والذي لولاه ما وصلت أقدام جند مصر إلي قلب أوروبا‏..‏
وفي عهد محمد علي باشا بدأ إنشاء القناطر الخيرية علي النيل‏+‏ ورش السفن المحاربة‏+‏ مدارس في كل بلاد القطر المصري‏+‏ بعثات علمية في مختلف الفنون والآداب إلي أوروبا‏+‏ مستشفي قصر العيني كبداية لسلسلة من المستشفيات علي أعلي مستوي علاجي وتمريضي‏+‏ غزو الجزيرة العربية والسودان حتي أعالي النيل‏+‏ الوصول بجند مصر حتي أبواب الأستانة‏+‏ غزو الشام كله ولولا تدخل انجلترا وفرنسا التي أوقفت طموحاته في اتفاقهما علي تقسيم العالم بينهما في عام‏1830..‏ لكان العلم المصري الآن يرفرف فوق الأستانة ثم تركيا واليونان والبوسنة والهرسك‏..!‏
‏.......................‏
‏.......................‏
دور شاي ثان طيب المذاق تقدمه لنا الزوجة الطيبة‏..‏ والليل يزداد سوادا ووحشة وسائق الحافلة لم ينته بعد‏..‏
الشيخ الأعظم كما لقبته وسعد هو بهذا اللقب مازال يحاور ويداور ويناور بالكلمات والأفكار‏..‏
سألته‏:‏ أين تعلمت يا سيدنا؟
قال‏:‏ في كتاب القرية‏..‏ قرية عبد اللاه
سألته‏:‏ ثم‏!‏
قال‏:‏ ثم ذهبت إلي المدرسة التي أقامها علي باشا مبارك في كل مدن مصر‏..‏
سألته‏:‏ ثم؟
قال‏:‏ ثم دخلت الأزهر الشريف وحصلت علي العالمية‏..‏
سألته‏:‏ ثم؟
قال‏:‏ ثم أمضيت سنوات عمري في تعليم شباب الأزهر في مدارسه ومعاهده‏.‏
سألته‏:‏ وكيف انتهي الحال رجل دين وثقافة مثلك إلي السن في العراء ومعك أحفادك يبيتون علي الطوي‏!‏
قال‏:‏ حتي يعود أبوهم ويحمل عياله‏!‏
قلت‏:‏ طيب يا مولانا‏..‏ ومتي يعود أبوهم ليحتضن لحمه وضناه؟
قال‏:‏ الجواب عندك أنت وأمثالك من أصحاب الكلمة في القاهرة‏.‏
قلت له‏:‏ أنا‏..‏ ازاي بس؟
قال‏:‏ يا عزيزي الفلاح المصري صانع الحضارة ينقرض‏..‏ يهرب من أرضه وعرضه‏..‏ يبيع ما يمتلكه من فدادين طين‏..‏ ويذهب يؤجر عافيته‏..‏ ساع في مكتب‏..‏ تمرجي في مستشفي‏..‏ يسرح بعربة فول أو بطيخ‏..!‏
قلت له‏:‏ علي ايه ده كله؟
قال‏:‏ يا سيدي الدولة تحارب الفلاح الآن‏..‏ تحاول أن تطرده من داره من فدادين أرضه بتضييق الخناق عليه‏!‏
أسأل‏:‏ بم؟
قال‏:‏ بسلاح مياه الري الذي لا يصل فدادين أرضه التي يزرعها وإذا وصل فتكون إما مخلوط بمياه الصرف الزراعي أو الصحي أبهما أقرب‏+‏ وإذا لم يصلح هذا السلاح‏..‏ فلدي الحكومة الموقرة سلاح السماد الذي تحتكره الآن وتبيعه للفلاح بأعلي الأسعار‏!‏
قلت له‏:‏ وإيه كمان يا مولانا؟
قال‏:‏ أولادي أخذوا أرضا من الإصلاح الزراعي يزرعوها من الخمسينات يعني من ستين سنة‏..‏ النهاردة الإصلاح رفع إيده‏..‏ وأصحاب الأرض الأولين قبل الثورة رفعوا قضايا كسبوها ولازم الفلاحين اللي أخذوا الأرض يرجعوها‏..‏ بقي ده اسمه كلام‏!‏
قلت‏:‏ يعني الثورة باي باي‏!‏
قال‏:‏ حاجة زي كده
قلت‏:‏ زدني هما وغما يا مولانا‏!‏
قال‏:‏ ماشي بس كده‏..‏ حدانا يعني عندنا فلاحين في الصعيد والحسينية وشرق القناة‏..‏ راحوا استصلحوا أراضي بعرقهم من أربعين سنة والأرض دلوقتي حاجة كده زي جنة رضوان‏..‏ الحكومة ليه وليه تسيبهم في حالهم‏..‏ قالت لهم‏:‏ تعالوا نقيم الأرض ونبنيها لكم عشان تبقي ملككم وملك عيالكم‏..‏ قالوا‏:‏ ليه لأ اتفضلوا هاتوا العقود؟
جابولهم العقود‏..‏ وقدام السعر كتبوا سعر الفدان النهارده؟ وإلا يطردوهم من أرضهم‏..‏ يرضي مين ده بذمتك؟‏..‏
الشيخ الطيب يضرب كفا علي كف‏:‏ يا سيدي قول لعم نظيف اللي شطب علي البلد وجاب عاليها واطيها‏:‏ ارحل بقي يا راجل‏..‏ بعدما خربتها وقعدت علي تلها‏!‏
قلت له‏:‏ يا عم الشيخ برضه رئيس وزراء الحكومة الالكترونية له أعمال طيبة‏!‏
قال شاخطا في وجهي‏:‏ هات لي عمل واحد بس يوحد الله ممكن نقول عليه حاجة كويسة تتكتب في ميزان حسناته؟
والحقيقة بحثت في دفاتري ودفاتر رفاقي في المهنة عن عمل واحد يمكن أن يضاف إلي حسنات الرجل الحكومية‏.‏ بحثت في شئون الأكل فوجدت الأسعار نار السكر زاد والزيت زاد والأرز زاد واللحمة ذبحت الناس كلهم والمواصلات زحام وبلطجة وقلة أدب ورفع أسعار يوماتي واللي عاجبه‏!‏
حوادث الطرق قتلاها أكثر من قتلي مصر في كل الدنيا ومازالت عجلة الموت تدور‏..‏
حتي التعليم الجامعي كل جامعاتنا خرجت من التصنيف العالمي وأصبحنا في السبنسة وحتي السبنسة كرتونا منها‏!‏
ومدارسنا‏..‏ ودعوا لعمنا الدكتور احمد زكي بدر ربنا يقويه‏!‏
والصحة بلاش والنبي ننكد علي صديقنا الدكتور حاتم الجبلي‏..‏ وملف نواب العلاج لم يغلق بعد‏!‏
والتليفزيون والنبي حاجة تضحك‏..‏ بيصرفوا ثمانية ملايين جنيه‏..‏ جنيه ينطح جنيه لممثل طلع علي المعاش وبيجوزوه في المسلسل طبعا عروسة لسة بنت بنوت‏..‏ نفس المبلغ أو أقل قليلا لممثلات قرشانات لزوم زكاة رمضان‏..‏
يا عمنا وصديقنا أنس الفقي وزير الإعلام‏..‏ ليه بس بعزقة الملايين دي في شهر الصيام والقيام‏.‏
‏..................‏
‏..................‏
أترك شيخنا الجليل وأم أولاده في العراء باحثا عن سائقي وسط مستنقع العتمة‏..‏ وجدته يتسامر مع رجل طول بعرض‏..‏ قال لي بمجرد أن لمحني في الظلمة‏:‏ الحمد لله الراجل الشهم ده قام بالواجب وصلح عجلة العربية أخذها بتوك توك للبلد القريبة ورجع بيها من شوية‏..‏
قلت لهما‏:‏ أصلي كنت قاعد مع راجل طيب وست تتحط علي الجرح يطيب‏..‏
قال الرجل الشهم‏:‏ ده جدي ودي جدتي‏!‏
قلت‏:‏ وسايب ولادك في العراء بالليل لحد دلوقتي‏..‏ دول قلقانين عليك‏!‏
قال‏:‏ أنا رايح لهم‏..‏ ما تخدوناش معاكم في سكتكم لبلدنا القريبة دمرو الحدادي
يالها من رحلة‏..‏ الجد والجدة وخمسة من الصغار وأبوهم وأنا‏..‏ والليل ساترنا وعمنا الشيخ مبتسما لأول مرة منذ أن التقينا قبل خمس ساعات‏{!‏

[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.