إذا صح القول فإن بلادنا العربية تحتاج اليوم الي ما يمكن تسميته الاستقلال الثاني, والمقصود به تحرير العقل في مواجهة الخرافة, وتحرير الانسان وضمان حقوقه في مواجهة الاستبداد, ففي عصر يهيمن فيه العلم والثورة التكنولوجية يتحول العالم فيه إلي قرية صغيرة, ويتغير مفهوم الزمان والمكان بالمعني التقليدي, وفي زمن تحقق فيه العقلانية نجاحات علي الغيبيات وتضع مقولات الغيبيات خارج التاريخ, تظل الساحة العربية مرتعا لفكر خرافي ليشكل انتصارات متتالية منذ عقود عدة, يترافق مع حالات من الارتداد عما كانت المجتمعات العربية قد حققته علي صعيد الفكر المستنير. هذا الوعي الخرافي المتجزر والمتجدد في زخفه خير برهان علي محدودية التقدم الحضاري العربي بمفهومه الواسع للعلم والثقافة والاقتصاد والاجتماع. ومما لاشك فيه ان انهيار مشاريع التحديث العربية التي كانت قد شهدت صعودا مع قيام أنظمة الاستقلال قد ساهم بشكل كبير في انبعاث الفكر السلفي والغيبيات واستحواذها علي العقول ومن المؤسف له أن العقل العربي قد تمت برمجته علي عدم التفكير, وفي الحالات النادرة عندما يفكر فهو لايرتكب من الاخطاء إلا أسوأها. في هذا المجال يمكن ان نطرح سؤالا عن مدي حاجة الأنظمة العربية القائمة الي ثورة عقلانية وعلمية تكتسح المخلفات الموروثة من الأفكار والعادات والتقاليد البالية: نحو مجتمع ملائم لمقتضيات العصر؟ وللأسف لا يقع الجواب في باب الإيجاب, فمثل هذه التحولات ستعمق الوعي العربي بحقيقة الأنظمة وسياساتها ومسئولياتها عن التخلف المريع الذي تقيم فيه مجتمعاتها, وقد يفتح شهية الشعوب الي التغيير وازاحة القوي القائمة علي السلطة. من هنا كان تفضيل القوي السائدة علي رأس الأنظمة لسيادة حالة الخمول الذهني والعقلي عبر تشجيع الفكر الخرافي الذي يضع المواطن في حالة من الاسترخاء والاستسلام للواقع. اليوم يرجح أن تذهب حالنا الي الأسوأ وإلي المزيد من شحن الصراعات والاستعداء والاستباحة مادامت ثمة قوي لايهمها سوي امتيازاتها, تهمل بناء أوطان حرة يعتز بها كل منتم اليها وتشجع اندفاع البشر نحو ملاذات متخلفة طائفية وعشائرية لتسهيل السيطرة عليها, ومادام ثمة أطراف تروج للعصبيات الايديولوجية والتعصب السياسي الأعمي وتبيح ظواهر الالغاء والاقصاء والاعتداء علي حقوق الناس وحرياتهم وتكرس في الشارع حالة من اليأس والإحباط لتسهيل نشر الأحقاد والكراهية والطعن بالآخر. ويحضرني في هذا السياق التعليق الساخر للاستاذ جهاد الخازن في جريدة الحياة اللندنية للحالة التي الت اليها أوطاننا العربية, فقد ذهب إلي ان هناك مدنا عربية لو تعرضت لهجوم نووي لتحسن شكلها!! وأن بعض الدول العربية لايفيد في شيء إلا كعلامة تحذير, وأن بعض القادة العرب يجعل قادة آخرين يبدون وكل منهم كأنه شارل ديجول! كما أن أفضل ما في دولنا العربية هي حدودها, والشباب قد يغامر بالسباحة شمالا الي أوروبا مع خطر ان يأكله السمك علي البقاء دون عمل أو أمل. الكل يشكو والكل علي حق, ومع ذلك المصري الذي يشكو يحب ان يحمد ربه انه ليس في ليبيا, والليبي الذي يشكو يجب ان يقول انه علي الأقل ليس في السودان, والسوداني الذي يشكو يجب ان يحمد ربه مرتين انه ليس في الصومال! ما أشبه الحاضر بالماضي وما أشبه اليوم بالبارحة, وكأننا نقف الان أمام الأجواء أو المنافسات ذاتها التي شهدتها منطقتنا بداية القرن المنصرم حين كانت ضعيفة ومنهكة وثمة قوي خارجية تتنازع النفوذ وتتقاسم فيما بينها ما كان يسمي تركة الرجل المريض يومها لم يعشش اليأس في النفوس وبدا لنخبة من المثقفين والمفكرين العرب ان الحالة التي نعيشها ليست قدرا لا حول لنا منه ولا قوة, فلجأت حين ذاك الي احياء الفكر القومي وتغذية النضال التحرري لتزرع الأمل في النفوس وتمكن الأجيال اللاحقة من امتلاك روح التغيير, وكسب مرحلة مهمة من النماء والتطور, فهل هناك من أمل في بعث هذه الروح من جديد لكي نتمكن من تحرير الانسان بعد ان تمكنا في السابق من تحرير الأوطان. د.عماد اسماعيل