أسعار الأسماك والخضراوات والدواجن.. 7 يناير    30 دقيقة تأخرًا في حركة قطارات «القاهرة - الإسكندرية».. الأربعاء 7 يناير    توقعات بزيادة الحد الأدنى للأجور خلال المرحلة المقبلة| تفاصيل    قرار حكومي جديد يخص أسر شهداء ومصابي القوات المسلحة والشرطة والحالات الإنسانية    إصابة 7 عسكريين أمريكيين خلال عملية اختطاف مادورو في كاراكاس    خبير علاقات دولية: مصر والسعودية توحدان الرؤى لحماية أمن الدول العربية    طقس اليوم: دافيء نهارا شديد البرودة ليلا.. والعظمى بالقاهرة 23    الفنانة منى هلا تتهم قائد سيارة بمضايقتها بسبب الخلاف على أولوية المرور بأكتوبر    تحريات أمن الجيزة تكشف ملابسات مصرع طفل غرقا في حوض بئر بالواحات    أسطورة منتخب كوت ديفوار يقيم منتخب مصر ويحذر الأفيال من هذا الثنائي (فيديو)    تعاون بين سيمنز وإنفيديا لنقل الذكاء الاصطناعي من المحاكاة إلى واقع الإنتاج    محافظ سلطة النقد يبحث مع رئيسة البنك الأوروبي سبل دعم القطاع المصرفي الفلسطيني    بث مباشر هنا Barcelona VS Athletic.. ازاي تشوف ماتش برشلونة أتلتيك بلباو النهارده من غير اشتراك؟    التعاون معنا أو "مصير مادورو"، إدارة ترامب تحذر وزير الداخلية الفنزويلي    دعاء أم يشعل السوشيال.. حنان ترك تتصدر تريند جوجل بعد رسالة مؤثرة لابنها    نيكول سابا تشعل السوشيال ميديا من جديد.. إطلالة مثيرة للجدل ونجاح فني متواصل    إيمان البحر درويش يتصدر جوجل.. تساؤلات واسعة تعيد الحديث عن أزمته الصحية    محمد علي السيد يكتب: أنا يا سيدي مع الغلابة!!    رامي وحيد يكشف حقيقة جزء ثاني لفيلم حلم العمر» ويرد على هجوم المؤلف نادر صلاح الدين    إصابة فلسطينيين واعتقال آخرين في قرية الرشايدة شرق بيت لحم    فرنسا تعلن عن تفاصيل عدد القوات الأوكرانية بعد انتهاء النزاع    اشتعال النيران في صهاريج نفط في «بيلجورود» الروسية بسبب هجوم أوكراني    اليوم، الإدارية العليا تواصل استقبال طعون جولة الإعادة في ال 19 دائرة الملغاة    المسلمون يشاركون المسيحيين احتفالاتهم.. ترانيم وقداس عيد الميلاد المجيد بكنائس سوهاج    فيديو | بالزغاريد والفرحة والدعوات.. أقباط قنا يحتفلون بأعياد الميلاد    وسط إقبال كبير للأقباط.. أجراس كنائس سوهاج تدق وتُعلن بدء قداس عيد الميلاد المجيد    أول تحرك من وزارة الصحة بعد فيديو وفاة مريض داخل مستشفى شهير بأكتوبر بسبب الإهمال    د. أشرف صبحي: ماراثون زايد الخيري نموذج رائد لتكامل الرياضة والعمل الإنساني    محافظ القليوبية يشارك في قداس عيد الميلاد بكنيسة العذراء ببنها.. ويؤكد على قيم الوحدة الوطنية    نائب محافظ المنيا يطمئن على مصابي حادث الطريق الدائري بمستشفى الصدر    قرار هام بشأن مطرب المهرجانات إسلام كابونجا بسبب «انا مش ديلر يا حكومة»    فلسطين.. 7 إصابات بالاختناق والضرب خلال اقتحام بلدة عقابا شمال طوباس    أمم إفريقيا - رياض محرز: عرفنا كيف نصبر أمام الكونغو.. وجاهزون لنيجيريا    المتهم بقتل حماته يمثل جريمته في مسرح الجريمة بطنطا    رئيس المحطات النووية ومحافظ مطروح يبحثان دعم مشروع الضبعة    رئيس مياه القناة يشدد على استغلال الأصول غير المستغلة وتقليل تكلفة التشغيل    صدور «ثلاثية حفل المئوية» للكاتبة رضوى الأسود في معرض القاهرة للكتاب 2026    طلاق نيكول كيدمان وكيث أوربان رسميا بعد زواج دام 19 عاما    مقتل شخص خلال احتجاجات لليهود المتشددين ضد التجنيد    الأسهم الأمريكية تعزز مكاسبها قبل ختام التعاملات    جمعة: منتخب مصر «عملاق نائم»    ارتفاع عدد ضحايا حادث موكب حفل الزفاف بالمنيا إلى 3 وفيات و16 مصابا    يوفنتوس يكتسح ساسولو بثلاثية في الدوري الإيطالي    خطاب التماسك الوطني.. ماذا قال الرئيس السيسي في الكاتدرائية؟    وفاة المطرب ناصر صقر بعد صراع مع السرطان    وزير الزراعة: مضاربات في السوق على أسعار الكتاكيت.. والارتفاعات غير مبررة    فريق إشراف من الصحة يتابع سير العمل بمستشفى حميات التل الكبير بالإسماعيلية    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    محافظ أسوان يشيد بنجاح 6 تدخلات قلبية فائقة بالدقة بمستشفى النيل بإدفو    طريقة عمل الأرز المعمّر، الحلو والحادق طبق مصري بنكهة البيت    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    وضع خارطة طريق لإطلاق منصة رقمية لمركز الفرانكفونية بجامعة عين شمس    المهمة الخاصة ورحلة الحياة ..بقلم/ حمزة الشوابكة.    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    الجزائر في اختبار صعب أمام الكونغو الديمقراطية.. من سينجو ويبلغ دور الثمانية؟    بث مباشر مباراة مصر وبنين.. صراع أفريقي قوي واختبار جاد للفراعنة قبل الاستحقاقات الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المغالطات في قصة زهرة الخشخاش
نشر في الأهرام اليومي يوم 01 - 09 - 2010

تناثرت في الفترة الأخيرة معلومات كثيرة مغلوطة بمناسبة السرقة التي حدثت في متحف محمد محمود خليل وحرمه‏,‏ وقد يدهش البعض حين يعلم أن اللوحة التي سرقت ليس اسمها زهرة الخشخاش‏,‏ وأن اسم صاحبها لا ينطق فان جوخ‏,‏ وأنها ليست من بين أعماله المهمة‏,‏ وأنها لا تساوي الآن‏55‏ مليون دولار‏,‏ كما أنها ليست لوحة مزيفة أيضا‏.‏
أما أكبر المغالطات التي ترددت حول هذا الموضوع فهي أن محمد محمود خليل أوصي بأن تتحول مجموعته الفنية إلي متحف للشعب‏,‏ وهو ما لم يحدث علي الإطلاق‏.‏
فاللوحة المقصودة التي لا تزيد مساحتها علي‏53‏ سم‏*64‏ سم وردت لأول مرة في السجل الرسمي لمجموعة محمد محمود خليل بالاسم الذي اشتريت به وهو‏vaseetfleurs‏ أي آنية وزهور‏,‏ ولست أعرف لماذا أطلقنا عليها اسم زهرة الخشخاش؟ ربما كوسيلة لوصف موضوعها‏,‏ برغم أن الزهور الصفراء التي تملأ الآنية وتشكل قلب اللوحة ليست زهرات الخشخاش الحمراء‏,‏ وإنما زهور أخري صفراء اللون تعرف باسم‏genet‏ بالفرنسية و‏gennet‏ بالإنجليزية وهي من فصيلة المارجريت ويطلق عليها بالعربية اسم زهرة الوزال‏,‏ ولا يوجد في الآنية إلا زهرتان وحيدتان من نوعية الخشخاش في الركن الأيسر السفلي من اللوحة‏.‏
لذلك فحين ذهبت اللوحة ضمن مجموعة محمد محمود خليل إلي فرنسا للترميم عام‏1994‏ وعرضت المجموعة بعد ذلك كاملة في متحف أورساي بباريس عرضت باسمها الأصلي وهو آنية وزهور وأضيف إليها عنوان فرعي هو‏genetsetcoquelicsts‏ أي زهور وزوال وخشخاش ولم تعرض اللوحة باسم زهرة الخشخاش‏.‏
أما عن اسم الفنان الذي أبدع اللوحة فهو يعرف في بلده هولندا باسم فان خوخ وليس فان جوخ‏,‏ وهذه اللوحة ليست من أهم أعماله فقد رسمت عام‏1886‏ في بداية وصول الفنان إلي باريس واهتمامه في ذلك الوقت بالزهور‏,‏ وهي لا تحمل السمات الفنية التي ميزت أعماله فيما بعد وجعلت منه أحد أشهر الفنانين في العالم‏,‏ ويري مؤرخو الفن أنه كان متأثرا فيها بأعمال فنان ريفي من مرسيليا يدعي أدولف مونتشيللي‏(1824‏ 1886),‏ كان فان خوخ يكن له إعجابا كبيرا في تلك المرحلة الأولي من حياته‏,‏ ومن يريد بيان التشابه بين هذه اللوحة وأعمال مونتشيللي لا يحتاج للذهاب بعيدا‏,‏ ففي متحف محمد محمود خليل نفسه توجد لوحة لمونتشيللي بنفس مساحة لوحة فان خوخ تقريبا تحمل عنوان باقة من زهور الحقل في آنية‏,‏ وتشير بوضوح إلي تأثير هذا الفنان علي لوحة فان خوخ موضوع حديثنا‏.‏
ولقد توصل فان خوخ‏(1853‏ 1890)‏ إلي أسلوبه الفني الخاص خلال السنتين التاليتين علي رسمه لهذه اللوحة‏,‏ وقد أمضاهما يرسم كل أنواع الزهور خاصة زهرة عباد الشمس التي اشتهر بها ورسمها‏,‏ كما لم يرسمها أحد من قبل فأصبحت هي علامته المميزة‏,‏ ولقد بيعت إحدي تلك اللوحات منذ بضع سنوات بنحو مائة مليون دولار‏,‏ وكان هذا هو أعلي سعر حققته أعمال فان خوخ في سوق الفن الدولية‏,‏ أما بقية أعماله فتتراوح أسعارها ما بين الخمسين مليونا والمائة مليون‏.‏
علي أن تعدد أسماء لوحة فان خوخ لا يشكك بأي حال من الأحوال في أصالتها‏,‏ كما أن كونها ليست من أعظم أعمال الفنان لا يقلل بأي حال من الأحوال من قيمتها‏,‏ فتوقيع الفنان علي أي سطح ملون يساوي في حد ذاته الملايين‏,‏ من هنا فإنه لا يمكن التهوين من فداحة حادث السرقة المؤسف الذي وقع‏,‏ ولا ينبغي الالتفات لما يقال من أن اللوحة كانت مزورة اعتمادا علي أنها سرقت عام‏1977,‏ وأن ما تم إعادته كان نسخة مزورة منها‏,‏ فتلك مغالطة أخري من المغالطات التي ترددت في الأيام الأخيرة‏.‏
وتعود هذه القصة لعام‏1988‏ حين قرأ الأديب الراحل يوسف إدريس عن أن لوحة لفان خوخ تمثل زهورا بيعت بإحدي قاعات المزاد في لندن ب‏43‏ مليون دولار‏,‏ وكان الكاتب الكبير الدكتور يوسف إدريس رحمه الله شديد الانفعال في ردود أفعاله‏,‏ كما هو معروف‏,‏ فكتب علي الفور علي صفحات الأهرام في شهر يونيو من ذلك العام يقول إن اللوحة التي أعيدت لنا بعد السرقة هي نسخة مزيفة‏,‏ وإن اللوحة الأصلية قد بيعت أخيرا في لندن‏,‏ مما أثار زوبعة هائلة في ذلك الوقت‏.‏
ولما كنت آنذاك وكيلا لوزارة الثقافة ومسئولا عن العلاقات الثقافية الخارجية فقد كلفني الوزير فاروق حسني باستجلاء الأمر‏,‏ فأرسلت رسميا لقاعتي كريستي و سوذبي في لندن أسأل عن لوحة فان خوخ التي بيعت أخيرا فجاءني ما يفيد أنها كانت إحدي لوحاته الصغيرة المعروفة المصدر ولم تكن مسروقة‏,‏ وأن الزهور التي كانت بها كانت زهور إيريس وليست الزهور التي في لوحتنا‏.‏
والحقيقة أنه قد تم إرسال أوصاف لوحتنا عند سرقتها إلي البوليس الدولي‏,‏ ولم يكن من الممكن للوحة أن تباع في أي مكان عام وأوصافها موجودة لدي الإنتربول‏,‏ فما بالك ب كريستي و سوذبي وهما أكبر قاعتين في العالم‏.‏
أما شهادة الأصالة الأهم في رأيي فهي تلك التي توصل إليها فاروق حسني حين اتفق في عام‏1994‏ مع متحف أورساي بباريس علي ترميم مجموعة اللوحات الفرنسية الموجودة في مصر والخاصة بمتحف محمد محمود خليل وحرمه ومتحف الجزيرة وهي مجموعة مهمة‏,‏ وعمل الصيانة التي عادة ما تحتاجها اللوحات الفنية بين آن وآخر في مقابل أن تعرض المجموعة كاملة في متحف أورساي بباريس في نهاية ذلك العام قبل عودتها للقاهرة‏.‏
فإلي جانب عملية الترميم خضعت لوحات المجموعة التي تمثل ثروة تقدر بمئات الملايين لعملية توثيق علمية‏,‏ تم من خلالها تتبع تاريخ كل لوحة وعرضها علي الخبراء للتأكد من أصالتها‏,‏ وهكذا تم التأكد مثلا من أن تمثال بلزاك الموحود ضمن المجموعة هو بالفعل للمثال الكبير رودان برغم أنه لا يحمل توقيعه‏.‏
وقد أصدرت فرنسا بهذه المناسبة كتابا ضخما حول المجموعة المصرية سمته لوحات القاهرة المنسية‏Lesoubliesducaire‏ أصبحت اللوحات المصرية بموجب ذلك جزءا من الكتالوج العالمي لفنون القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين‏,‏ أما بالنسبة لنا فقد كانت تلك هي الشهادة الدامغة بأصالة مجموعتنا من عقر دار الفن الفرنسي‏.‏
لذلك لم أفهم كيف يتحدث أحد ثانية عن أن لوحاتنا مزيفة أو أن لوحة فان خوخ المسروقة مزيفة؟ إن السعر الموضوع علي اللوحة وهو‏55‏ مليون دولار هو ذلك الذي قدرته جهات التأمين الفرنسية لهذه اللوحة حين ذهبت لفرنسا‏,‏ وكان ذلك منذ‏16‏ عاما‏,‏ مما يعني أن سعرها يمكن بسهولة أن يكون قد تضاعف الآن‏,‏ فهل كانت ستدفع فرنسا هذا المبلغ في لوحة مزيفة؟
ومع ذلك فلم تكن لوحة فان خوخ هي أغلي لوحات المجموعة التي تضم روائع لديلا كرواه وأنجرو تولوز لوتريك ورونوار وديجا ومونيه ومورو ورودان وغيرهم‏,‏ وقد قدرت لوحة بول جوجان الشهيرة الحياة والموت علي سبيل المثال بأكثر من لوحة فان جوخ حيث وصل سعرها إلي‏83‏ مليون دولار في ذلك الوقت‏.‏
ومن الغريب أن من يطلقون هذه الأقاويل هم الذين ينددون بحادث السرقة‏,‏ فكيف نأسف علي سرقة ما هو مزيف؟ لقد كانت اللوحة أصلية بشهادة بيوت الخبرة الفرنسية وحادث السرقة لا يمكن التقليل من شأنه‏,‏ فهو حادث فادح مثله مثل أي حادث سرقة آخر للأعمال الفنية في العالم‏,‏ وهي حوادث كثيرة ومتكررة حيث يقدر متوسط أحداث السرقة في المتاحف الفرنسية وحدها ب‏35‏ حادثا في كل عام‏,‏ ومعظم هذه الأعمال مازالت مفقودة حتي الآن‏,‏ وقبل سرقة لوحة فان خوخ من متحف محمد محمود خليل بثلاثة أيام فقط‏,‏ أي في يوم‏18‏ أغسطس الحالي سرق من متحف بلفور بمدينة بروج في بلجيكا تمثال للفنان السريالي سلفادور دالي يزن عشرة كيلوجرامات وضعه أحد الزوار في حقيبة‏!!‏ وخرج به من المتحف دون أن تصوره الكاميرات ودون أن تنطلق أي صفارات من أي نوع‏,‏ وفي مايو الماضي سرق من متحف الفن الحديث بباريس لوحات قيمتها‏127‏ مليون دولار لبيكاسو وماتيس ومودلياني وبراك بعد أن تم قطعها من إطارها بالطريقة نفسها التي سرقت بها لوحتنا‏,‏ ولم يتم العثور علي أي منها حتي الآن‏.‏
ويقدر عدد اللوحات المسروقة التي مازالت مفقودة حتي الآن بما لا يقل عن‏200‏ لوحة من بينها ست لوحات لفان خوخ وحده تضاف إليها بالطبع لوحته التي سرقت يوم‏21‏ أغسطس الحالي من عندنا‏.‏
ويقول الخبراء إن سرقة اللوحات ليست مستحيلة برغم كل إجراءات الأمن الإلكترونية والحراسة الآدمية‏,‏ لكن الصعوبة هي في محاولة بيعها‏,‏ ففي حالة متحف الفن الحديث بباريس تمكن اللصوص من الوصول إلي النافذة الوحيدة في المبني التي لم يكن عليها جهاز إنذار وتمت السرقة في اللحظات الفارقة ما بين تغيير دورتي حراسة‏.‏
أما قصة تحويل منزل محمد محمود خليل وحرمه إلي متحف فهي الأخري يكتنفها الكثير من المغالطات التاريخية‏,‏ حيث لم يرد في وصية صاحب البيت أي شيء حول التبرع به للدولة ولا تحويله إلي متحف‏,‏ والذي حدث هو أن محمد محمود خليل بك‏(1877‏ 1953)‏ وهب القصر الواقع في الجيزة والمبني علي طراز معماري يجمع بين‏(‏ النيوكلاسيك‏)‏ و‏(‏ الآر نوفوه‏)‏ إلي زوجته الفرنسية إميليين هكتور لوس بما يحتويه من أثاث ومن أعمال فنية‏,‏ وذلك بعقد رسمي مسجل في‏19‏ ديسمبر‏1947,‏ أي قبل وفاته بست سنوات‏.‏
وكان هذا التصرف في ملكية القصر الكائن برقم‏1‏ شارع كافور البالغة مساحته نحو‏8‏ آلاف متر هو التصرف الرابع في ملكية القصر‏,‏ فقد بناه في بداية القرن العشرين أحد أفراد عائلة سوارس اليهودية‏,‏ وهي غير عائلة ساويروس المصرية‏,‏ وكان لصاحبه نشاط كبير في مجال البنوك والأعمال لكنه لم يرزق بأطفال فانتقلت ملكية القصر حسب وصية صاحبه روفائيل مناحم سوارس إلي ابنة زوجته بعد وفاته عام‏1909‏ ثم بيع القصر إلي أحد أفراد العائلة المالكة عام‏1925‏ إلي أن اشتراه في الأربعينيات سعادة محمد محمود خليل بك ليهبه بعد وفاته عام‏1953‏ إلي زوجته الفرنسية وليس للدولة‏.‏
لكن ما إن توفي محمد محمود خليل وزير الزراعة السابق ورئيس مجلس الشيوخ والوفدي الكبير حتي اكتنف الصراع كل تركته التي كانت تقدر بالملايين‏.‏
كان أطراف هذا الصراع الذي ذاع آنذاك في الصحف والمجلات ثلاثة‏:‏ أولا الزوجة الفرنسية التي آل إليها القصر بما فيه‏,‏ ثانيا السيدة سعاد راشد إحدي سيدات المجتمع التي تزوجها محمد محمود خليل لفترة قصيرة علي زوجته الفرنسية وأنجب منها ابنا واحدا هو عمرو ثم طلقها‏,‏ وثالثا الدكتور خليل عزمي ابن عم محمد محمود خليل الذي دفع بأنه وريث شرعي وأن المتوفي لم يكن له أبناء‏,‏ فكيف حدث كل ذلك؟
لقد شككت سعاد راشد التي كانت ظروف زواجها من محمد محمود خليل في أوائل الأربعينيات يشوبها الكثير من الغموض‏,‏ في عقد الهبة الذي آل به القصر إلي الزوجة الفرنسية‏,‏ وذلك علي أساس أنه نص علي أنه في حالة وفاة الزوجة الفرنسية في أثناء حياته لا يرث القصر عنها أقاربها الفرنسيون‏,‏ وإنما يعود إلي صاحبه الأول محمد محمود خليل‏,‏ وهذا يعني انتفاء صفة الملكية الكاملة للزوجة الفرنسية‏,‏ ومن ثم يعتبر القصر إرثا ضمن تركة محمد محمود خليل‏,‏ ويرثه ابنه الوحيد من سعاد راشد والبالغ آنذاك تسع سنوات‏.‏
ثم تدخل فجأة الدكتور خليل عزمي في الدعوي القضائية التي كانت قائمة بين الزوجتين معلنا في المحكمة أن محمد محمود خليل كان قد بعث لوالد خليل عزمي بخطاب من باريس قال فيه إنه سيجري عملية جراحية هناك وأنها ستتسبب في منعه من الإنجاب وأنه بذلك يستحق ثلاثة أرباع التركة لأن عمرو خليل بذلك لا يكون ابن مورثه‏.‏
لكن خليل عزمي توفي في أثناء نظر القضية في مارس‏1958‏ دون أن يقدم الخطاب المذكور مما أفاد دعوي سعاد راشد التي أثبتت أن محمد محمود خليل نفسه لم ينكر أبوته لعمرو وأنه كان يصرف لها نفقة شهرية للإنفاق عليه قدرها خمسون جنيها في ذلك الوقت‏,‏ أي ما قد يساوي خمسة آلاف جنيه الآن‏,‏ وأن الابن ظل يحمل اسم أبيه منذ مولده‏.‏ وبعد سنتين من وفاة الدكتور خليل عزمي وفي شهر مارس نفسه توفيت إميليين هكتور لوس الزوجة الفرنسية لمحمد محمود خليل عن‏84‏ عاما في أثناء نظر القضية‏,‏ وما إن انتهت مراسم جنازة الزوجة الفرنسية التي كانت قد أشهرت إسلامها قبل ذلك بسنوات ودفنت في القبر الذي بناه زوجها بالإمام الشافعي حتي وقف محاميها الأستاذ حسن الإبراشي يقرأ أمام الورثة المشدوهين ومندوبي بيت المال الذين جاءوا لتحصيل الضرائب علي القصر تفاصيل وصية موكلته‏,‏ مؤكدا أنه ليست هناك تركة للورثة‏,‏ وبالتالي ليست هناك ضرائب تحصل عليها لأن المتوفاة أوصت بالقصر وجميع محتوياته من لوحات وتحف وأثاث إلي الدولة ليتحول إلي متحف
وأورد حسن الإبراشي نص الوصية التي قالت‏:‏ ويهمني هنا أن أوضح أنني قد أردت بهذه الوصية أن أعبر عما أشعر به في الصميم من حب لمصر التي صارت لي وطنا منذ زواجي بالمرحوم محمد محمود خليل‏,‏ وأني أذكر ما أحاطني به من عطف وما شملني به من عناية كزوج مخلص بادلني حبا بحب‏,‏ ولقد رأيت من حقه علي أن أخلد ذكراه في نفوس مواطنيه كجندي من أبر جنود مصر الأوفياء‏,‏ ومن أجل ذلك فإنني أقرن وصيتي بشرط أقتضيه من الحكومة‏,‏ وهو أن يجعل من المنزل والتحف الذي يضمه متحفا باسم محمد محمود خليل وحرمه علي أن يفتح هذا المتحف للجمهور‏,‏ وإذا رأي أن توضع تعريفة دخول فلتكن زهيدة بحيث يكون الدخول ميسورا للجميع‏.‏ وحتي ذلك الحين لم يكن القضاء قد بت في موضوع الهبة التي آل القصر بمقتضاها إلي السيدة إميليين لوس‏,‏ فاعترضت سعاد راشد علي تنفيذ الوصية وفرضت المحكمة الحراسة علي القصر وصدر حكم بتعيين وزير الثقافة آنذاك الدكتور ثروت عكاشة حارسا علي القصر إلي أن تصدر المحكمة حكمها في القضية‏.‏
وتوجه الأستاذ حسن الإبراشي المحامي إلي القصر الجمهوري بالقبة يوم‏26‏ مارس‏1960‏ وكتب في دفتر التشريفات كلمة رجا فيها أن تنال هدية موكلته الموصية للدولة حسن القبول‏,‏ فأفتي مجلس الدولة للمحكمة بصحة عقد الهبة وتحول القصر إلي متحف محمد محمود خليل وحرمه‏,‏ حسب وصية الزوجة الفرنسية التي أحبت مصر أو كرهت الزوجة المصرية وليس بوصية صاحب القصر‏,‏ وكانت تعريفة الدخول آنذاك خمسة قروش التزاما بوصية الواهبة‏.‏
لكن ما لم تلتزم به الدولة في وصية السيدة إميليين هكتور لوس هو أنها لم تبق علي القصر كمتحف‏.‏
ففي عهد الرئيس أنور السادات تم نقل جميع محتويات القصر إلي قصر الأمير عمرو إبراهيم أمام نادي الجزيرة بالزمالك وألحق القصر بمنزل الرئيس في الجيزة بعد أن تم عمل نفق أرضي يوصل بينهما وذلك بالمخالفة لشروط وصية حرم محمد محمود خليل التي وهبت القصر للدولة بشرط أن يتحول إلي متحف وليس إلي مكاتب لموظفي رئاسة الجمهورية‏.‏
وأذكر أنني في ذلك الوقت نبهت عمرو ابن محمد محمود خليل وهو زميل دراسة بمدرسة فيكتوريا كولدج إلي تلك المخالفة وقلت له إنه الوحيد الذي يستطيع أن يعارض هذا القرار‏,‏ لكن المحامين الذين تم استشارتهم آنذاك أفتوا بأن الهبة لم تكن من مورث عمرو خليل وإنما من زوجته الفرنسية التي لا تمت لعمرو بصلة‏,‏ وبذلك فهو يعتبر قانونا غير ذي صفة‏,‏ وهكذا استمر القصر ملحقا بالرئاسة دون اعتراض من أحد طوال فترة حكم السادات‏.‏
لكن بعد رحيل الرئيس السادات تم استعادة القصر من رئاسة الجمهورية بقرار من الرئيس مبارك وأعيدت إليه محتوياته من الأعمال الفنية والأثاثات‏,‏ وخضع القصر في عهد الوزير فاروق حسني إلي عملية ترميم شاملة أعيد بعدها افتتاحه مرة أخري للجمهور كمتحف حسب وصية واهبته‏.‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.