ما كنا نصدق تلك الواقعة لو لم نرها بأمهات العيون.. أعني ضرب أحد المواطنين وركله في كل مكان من جسده بأحذية الجند الثقيلة, وتجريده من ملابسه حتي صار كما ولدته أمه, ثم سحله علي أسفلت الشارع مرة ومرتين وثلاث مرات, و لمدة أربع دقائق( هي التي شاهدنا فيها خمسة أفراد من قوات الأمن المركزي متلبسين بالصوت والصورة يعذبون مواطنا أمام قصر الاتحادية. لن أستخدم مفردات الإدانة التقليدية التي لابد ستنثرها الأقلام علي الصفحات اليوم وفي الأيام المقبلة, ولن أرفع عقيرتي بنداء لعقاب الجنود أوقادتهم أو حتي وزيرهم( علي الرغم من إدانته الإعلامية الفورية للحادث وأوامره بالتحقيق فيه) ولكنني سأذهب إلي ماهو أبعد من ذلك, وأعني مسئولية رئيس الوزراء المصري الذي يقود حكومة مسئولة تضامنيا فيما هو مفترض وبجميع أعضائها مع وزير الداخلية( سياسيا وأخلاقيا) عن تلك الفاجعة التي ستتداولها وسائط الإعلام الدولية ومواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها من عجائب كوكب الأرض, ودليلا علي الوحشية المفرطة( لا شيء آخر).. إن الحكومات في العالم كله موجودة لتسعد مواطنيها وتحقق لهم كرامتهم الإنسانية, ولا يمكن تصور أن إنشاء الحكومة يكتسب في مصر بالذات معني آخر, فيسمح بتجريد أحد المواطنين من كرامته منهجيا علي النحو الذي جري وفي البلد الذي قام بتغيير نظام الحكم منذ عامين لأسباب أربعة ضمنها( الكرامة الانسانية)!.. وطبعا سنستمع إلي تبريرات خائبة كثيرة تتكلم عن أن قوات الأمن مضغوطة, وأن التعب والاستفزاز تمكنا من نفوس ومشاعر أفراد قوات الشرطة, ويحدثنا البعض حول الخروج عن السلمية كذريعة لما حدث, وستتكلم مجموعة أخري من المبرراتية عن أنه( حادث فردي) وغير قابل للتكرار.. وهذا كله لو أذنتم هراء! ما شهدناه من خلال الشاشات وعلي الهواء مباشرة يقول إن الحادث لم يك فرديا, وأنه بجميع مفرداته قابل للتكرار, ثم إن الخروج عن السلمية كان يحدث في آونة سابقة, ولكنه لم يقابل بمثل هذا الشذوذ المنحط. وأخيرا فإن التذرع بمستوي ثقافة العساكر أو الضغط العصبي عليهم ينضم هو الآخر لزرافة الأسباب الفاشلة التي يمكن أن يسوقها أي مسئول في هذا البلد, إذ لو كان مستوي ثقافة الجند محدودا أو معدوما, ولو انفلتت أعصابهم إلي ذلك الحد, فلا تنشروهم في الشوارع, ولا تسلحوهم بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع, وتصدروا إليهم الأوامر بالتعامل مع المواطنين.. أنتم الذين حققتم في أولئك الجند مواصفات مزاجية وشخصية ومهنية سمحت لهم بتجريد مواطن من كرامته علي النحو الذي جري, وهو ما يمثل( بدءا من اللحظة) عبئا ثقيلا جدا علي الحكم والإدارة في هذا البلد, ولا ينفع فيه اعتذار أو عقاب, وإنما تقدم فيه التنازلات السياسية للرأي العام واحدا تلو الآخر حتي يرضي.. إذا رضي. المزيد من أعمدة د. عمرو عبد السميع