استعدادات مكثفة بمحافظة الدقهلية لانتخابات الشيوخ    رئيس مجلس النواب: إعادة موظفي مجلس الشوري بذات درجاتهم وحقوقهم المالية والوظيفية    اتحاد نقابات عمال مصر يشكل غرفة عمليات لمتابعة التصويت الخارجي في انتخابات "الشيوخ"    تخفيض 200 جنيه.. أسعار جديدة للتصالح في مخالفات البناء بالموسكي    الذهب يرتفع 3 جنيهات في ختام تعاملات اليوم.. وعيار 24 يسجل 909 جنيهات    الشقيقة الكبرى.. وزارة الصحة اللبنانية تشكر الرئيس السيسي على المساعدات العاجلة    مدرب أبها ومبولحى وجوستافو الأفضل فى شهر مارس بالدوري السعودي    رئيس البرلمان: «إعلان القاهرة» جاء فى وقت ابتعاد المجتمع الدولى عن ممارسة دور فاعل فى ليبيا    كارتيرون يعود لمران الفترتين فى الزمالك بسبب مواجهة الاتحاد    شيلونجو: جوميز طالبني بالحفاظ على اللعب السريع مع الإسماعيلي    غياب 8 لاعبين.. الاتحاد السكندري يستعد لاستئناف الدوري أمام الزمالك    أزمة لمنافس الأهلي.. تقارير: الوداد يفتقد مدافعه شهر ونصف    خبر في الجول - رئيس المصري يتدخل لحل الأزمة بين العشري والثنائي طقطق وسيمبوري    بسبب "توظيف الأموال".. اتهام عامل بقتل زوجته في المنيا    5 أسر تطلب توفير بديل لمنزلهم المجاور لعقار المحلة المنهار    في 24 ساعة.. أمن المنافذ يضبط 6 قضايا تهريب بقيمة 3 ملايين جنيه    الوطنية للانتخابات تعلن القواعد المنظمة لعمل اللجان العامة في سباق مجلس الشيوخ    هتافات المتظاهرين من قلب بيروت: "إرهابى إرهابى..حزب الله إرهابى"..فيديو    هالة صدقي متضامنة مع اللبنانيين: "أول شمعة حب بأول يوم صيام للعذراء"    محمود حميدة يسترجع ذكريات تصوير فيلم الثعالب بصورة مع جمال إسماعيل من 27 سنة    أسامة هيكل يشارك في ندوة الممارسات الإعلامية خلال جائحة كورونا ب جامعة القاهرة    47 مرشحا يتنافسون على 7 مقاعد فردية بالشرقية في اتنخابات مجلس الشيوخ    تحديد موعد وصول بيانيتش إلى برشلونة    برشلونة يستقبل نابولي لمحاولة إنقاذ الموسم    رجال الأعمال: ارتفاع مؤشر PMI يعكس قوة أداء الاقتصاد المصري    مرصد الأزهر يدين التفجير الانتحاري بالعاصمة الصومالية "مقديشو"    التدخل في الانتخابات الأمريكية    الحكومة العراقية تُعلن تفاصيل زيارة الكاظمى إلى واشنطن    طقس الغد: حار رطب على الوجه البحري واضطراب في الملاحة البحرية    بالصور.. "أزهرية البحر الأحمر": امتحانات معهد القراءات بدون شكاوى    تأجيل محاكمة متهمي أحداث مسجد الفتح    اعرف نتيجتك هنا رابط موقع نتائج التاسع في سوريا 2020 .. برقم الاكتتاب    رئيس مدينة سفاجا تطالب بالتعاون بين أصحاب الورش لرفع معدل النظافة في المنطقة الصناعية    فصل التيار الكهربائي اليوم عن عدة مناطق بالغردقة لصيانة المحولات    "الإسكان" تُعلن تفاصيل كراسة شروط حجز 2649 قطعة أرض مقبرة    دينا فؤاد: سعيدة بردود الأفعال على فيلم "ساعة رضا" وتصدره تويتر    فيديو| عروس بيروت تروي تفاصيل اللحظات الأخيرة قبل الانفجار    صور| "أفراح القبة" تواصل نجاحها على المسرح العائم بالمنيل    "أعمدة بناء الدولة" موضوع خطبة الجمعة المقبلة من "عمرو بن العاص"    ضبط 1735 كيلو ملح "فاسد" بكفرالشيخ    تغريم 74 سائقا لعدم الالتزام بارتداء الكمامة في الشرقية    تأجيل محاكمة يوسف بطرس غالي في «فساد الجمارك» ل 6 سبتمبر    الكشف عن الصور الأولى لمسلسل «ماوراء الطبيعة» | صور    هجوم لبناني على شمس الكويتية والأخيرة ترد بفيديو مثير    وكيل أوقاف السويس: لن نسمح باستغلال المساجد في الدعاية الانتخابية    بعد تصريحات ربيع ياسين.. صابر ليلا كورة: رفضت التوقيع للأهلي على "بياض"    تنسيق الجامعات 2020.. تعرف على توقعات الحدود الدنيا لتنسيق القطاعَين الطبي والهندسي    إطلاق اسم «طبيب الغلابة» على ثاني أكبر ميادين الشروق    محافظ أسيوط يتفقد أعمال كشط الأسفلت بشارع الثورة وامتداد كورنيش النيل تمهيدًا لرصفه    بدء التجارب البشرية لأول مصل إيطالي لكورونا 24 أغسطس    منظومة الشكاوى تتلقى أكثر من 10 آلاف استغاثة طبية خلال شهر يوليو 2020    معيط: موازنة العام الحالي تضع أولوية للإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية    حكم التسبيح باليد اليسرى.. تعرف عليه من المفتي السابق    الحكومة: تراجع ملحوظ فى عدد الشكاوى الخاصة بالاشتباه أو الإصابة بكورونا    زوجها مدمن مخدرات وتريد الطلاق.. أمين الفتوى يوضح كيفية التعامل معه    الصين تصف العقوبات الأمريكية على هونج كونج ب"الوحشية"    فضل الفرح بطاعة الله    تعرف على حد القذف فى الإسلام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الثقافتان
نشر في الأهرام اليومي يوم 09 - 05 - 2019

عندما نتحدث عن الثقافتين فى بلاد الغرب، فإننا نعنى بذلك شيئا محددا, وعندما نتحدث عنهما فى بلادنا فإننا نعنى شيئا آخر. فى عام 1959 ألقى تشارلز بيرسى سنو فى جامعة كمبردج محاضرة بعنوان «الثقافتان». أثارت المحاضرة الكثير من الجدل، وقام صاحبها بتطويرها ونشرها فى كتاب، قام المركز القومى للترجمة بنقله للعربية. انتقد المؤلف فى هذا الكتاب الانقسام فى ثقافة الإنجليز بين أصحاب الثقافة العلمية من دارسى الرياضيات والفيزياء وعلوم الحياة، وأصحاب الثقافة الأدبية من دارسى العلوم الإنسانية والاجتماعية. أظهر المؤلف الطريقة التى يعوق بها هذا الانقسام تقدم الأمة الإنجليزية علميا وثقافيا، وطالب بتطوير نظام التعليم بما يسمح بردم الفجوة بين الفريقين.
ماذا نقول لو حاولنا تطبيق أفكار تشارلز بيرسى سنو على الواقع المصري؟ هل لدينا شرخ وانقسام ثقافى فى مجتمعنا؟ هل الانقسام الثقافى عندنا بين أصحاب العلوم الطبيعية وأصحاب الإنسانيات، أم أن الانقسام بين الثقافتين عندنا له شكل آخر؟ نظامنا التعليمي، المأخوذ فى جانب كبير منه عن النظام الانجليزي، يؤدى إلى انقسام عميق بين العلوم والآداب، وما بدعة التشعيب إلى رياضيات وعلوم وآداب فى المرحلة الثانوية سوى سبب ومظهر يدل على هذا الانقسام. مع هذا فإن الانقسام بين أصحاب العلوم وأصحاب الآداب ليس هو الأكثر جدية وخطورة فى ثقافتنا, فالانقسام الأكثر خطورة عندنا هو ذلك الحادث بين أصحاب الثقافتين الدينية والمدنية, وهو نفسه الانقسام بين الثقافتين القديمة والعصرية، الشرقية والغربية، الموروثة والوافدة.
حدث هذا الانقسام عندما ظهر لدينا نظامان للتعليم يدفع كل منهما الأمة وثقافتها فى اتجاه مخالف للآخر، أحدهما دينى والآخر مدني. غير أن الأمر لم يكن بهذه الحدة منذ البداية، على العكس، فقد كانت هناك مرحلة بدت فيها ثقافتنا مرشحة للتطور بشكل يوازن ويجمع بين القديم والجديد. فطوال المائة عام الأولى من النهضة الوطنية الحديثة، والتى بدأت بشروع محمد على باشا فى تحديث التعليم المصري، كان خريجو معاهد التعليم الدينى هم الخزان البشرى الذى أتى منه التلاميذ المصريون فى مدارس النظام الجديد.
ويقدم الدور الذى لعبه الأزهرى رفاعة الطهطاوى فى تجديد الثقافة المصرية والعربية نموذجا للأثر الرائع الذى يمكن أن ينتج عن تجسير الفجوة بين الثقافتين. ذهب رفاعة الطهطاوى إلى باريس، وهناك اطلع على النموذج الغربى فى المجتمع والثقافة، فكتب لنا «تخليص الإبريز فى تلخيص باريز». بعد سنوات ألف الطهطاوى كتابا عن سيرة الرسول الكريم سماه «نهاية الإيجاز فى سيرة ساكن الحجاز»، وهو الكتاب الذى قدم فيه أول معالجة حديثة لسيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. بين هذين العملين ترجم الطهطاوى وألف العشرات من الكتب والمقالات التى قدمت القديم والجديد، الموروث والوافد، فى وحدة متكاملة، ليس فيها انشقاق أو انقسام. فى مرحلة تالية تم إنشاء الجامعة التى بدأت أهلية عام 1908، وفى الخامس من مايو عام 1914 حصل طه حسين على درجة الدكتوراه من الجامعة المصرية.
كانت هذه هى أول درجة دكتوراه تمنحها الجامعة، فاكتملت بهذا دورة النهضة العلمية والتعليمية التى بدأت مائة عام قبل هذا التاريخ، عندما فتح محمد على عام 1816 مدرسة الهندسة فى القلعة، وما تلى ذلك من افتتاح المدارس التجهيزية والعليا المتخصصة، وإرسال البعثات العلمية لبلاد أوروبا. ركز محمد على جهوده فى تخريج الضباط والتكنوقراط المهندسين والأطباء وأمثالهم، غير أن طه حسين حصل على الدكتوراه برسالة كتبها عن أبى العلاء، بما يدل على أن النخبة من أهل البلاد قد شبت عن الطوق، وطورت فهمها للنهضة ومستلزماتها، وأدركت أهمية التركيز على النهضة الفكرية والثقافية، لتضاف للتركيز على امتلاك عناصر القوة المادية.
بإنشاء الجامعة دخلت الثقافة المصرية والعربية فى مرحلة ازدهار جديد، وظهر جيل الآباء المؤسسين للفكر العربى الحديث، وهو الجيل الذى أسس تقاليد جديدة جمعت بين الثقافتين الإسلامية الموروثة والغربية الوافدة، فقام بمعالجة الموروث الثقافى باستخدام أدوات التحليل التى طورها الغرب. هذا هو الإسهام الأكبر الذى قدمه طه حسين وأحمد أمين للثقافة العربية الحديثة. كتب طه حسين عن أبى العلاء وابن خلدون والشعر الجاهلى وسيرة النبى والشيخين أبوبكر وعمر والفتنة الكبرى, وأنتج أحمد أمين أول موسوعة شاملة عن الحياة العقلية فى الحضارة الإسلامية، فتكون لدينا لأول مرة مكتبة عربية عصرية تتناول موروثنا العربى الإسلامي.
اصطنع الآباء المؤسسون طريقة جديدة فى النظر والكتابة، فجاءت طريقتهم مختلفة عن القداسة والتبجيل التى اعتاد الأزهريون إضفاءها على الثقافة الموروثة، ومختلفة أيضا عن الكتابات التى ألفها البحاثة الغربيون من خارج الثقافة العربية الإسلامية. المؤكد أنه لم يكن بإمكان الآباء المؤسسين القيام بهذا الدور دون التمكن من مصادر الثقافة العربية، فقد درس طه حسين وأحمد أمين فى الأزهر قبل تعرفهما على أساليب التفكير الغربى الحديثة فى الجامعة المصرية وفى أوروبا. فى الأزهر تمكن الطهطاوى وطه حسين وأحمد أمين من مصادر التاريخ والفكر الإسلامي، وتآلفوا مع المصطلح والطرائق الخاصة بالكتابة والتعبير فى المصادر الإسلامية، وبينما لديهم الشعور بامتلاك الثقافة العربية الإسلامية، فقد درسوها بعمق بعد أن تربوا عليها. لقد تصرف الرجال الثلاثة بما يجدر بالملاك أن يتصرفوا به فى أملاكهم، فحافظوا عليها وأصلحوها، وجاء نتاج عملهم خاليا من الانقسام والتشققات.
المشكلة بدأت بعد ذلك، عندما اتسعت الهوة بين نظامى التعليم الدينى والمدني, وتوقفت حركة الذهاب والإياب بين النظامين؛ وتم تسييس العلاقة بينهما، وتجميدها فى صراع الأيديولوجيات السياسية, فتكونت لدينا أجيال من خريجى التعليم الحديث ليس لديهم سوى إلمام ضعيف بمصادر الثقافة العربية الإسلامية؛ فيما واصل الأزهر إنتاج خريجين لا يملكون من المعرفة الحديثة سوى قشور, فظهرت الثقافتان، وتعمقت الهوة بينهما، وأصبحنا كما لو كنا نركب حصانين يسيران فى اتجاهين متعارضين فى الوقت نفسه.
لمزيد من مقالات د. جمال عبد الجواد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.