للذين قد لا يعرفون - وما أكثرهم - فإن ضبط الكلام ليخرج من حلوقنا مهندما محترما منظما، هو عملية غاية فى الصعوبة تتطلب مرانا وتدريبا وممارسة تستغرق وقتا طويلا. إن من السهل جدا أن يدلدق المرء منّا من فمه دفقات صوتية يحسبها كلاما وما هى بالكلام. والمصريون، المعروفون بألمعيتهم وذكائهم الفطرى الموروث طيلة تاريخهم، نجحوا فى التوصل إلى تسميات عديدة يطلقونها على هذا النوع من الدلدقة، فيصفونه بأنه هلفطة، أو هرتلة، أو هطالة.. ويحبذ المهذبون تسميته بالغثّ من القول. ومن الشائع أن تلك الهلفطات تكون مقبولة، بل ومبررة، إن هى صدرت عن شخص محدود التعليم، قليل الثقافة، بدائى التفكير، لكن أن ترد الهرتلة على ألسن الوجهاء ذوى الشأن المشاهير الذين يتوقع منهم العامة الرصانة والحصافة والوقار، فإن اللوم عندئذ يكون حادا جدا، ولاذعا مؤلما إلى درجة التقريع.. بل وقد يبلغ الأمر حد العرض على النيابة ! .. فما مناسبة هذا الحديث الماسخ الآن ونحن فى أيام مفترجة؟ مناسبته يا محترم ما صدر ليلة رأس السنة على لسان أختنا الفنانة الحقيقية المطربة شيرين عندما أرادت الهزار ومداعبة الحاضرين فقالت: والله أنا خسارة فى مصر!.. ثم أدركت الفنانة الشهيرة أنها أخطأت فى محاولتها أن يكون دمها خفيفا فخرجت تبكى وتعتذر صارخة: واللهِ ما كنت أقصد.. مع أنها تكررت منها من قبل هذه القفشات البلدى غير مرة، وفى أكثر من مناسبة، فلقيت استهجانا كبيرا. وللعلم.. نحن لسنا هنا فى عارض التوبيخ أو اللوم أو أكل العيش على حساب البنيّة المسكينة، وإنما فقط نحن نهمس فى أذنها، على سبيل لفت الانتباه والنصح إن هى تقبلت النصح: يا سِت الستات.. أنت مطربة مشهورة ومحبوبة وصوتك نادر النبرات وموهبتك لا يمارى فيها أحد.. ومن ثم فإن كل كلمة تخرج من فمك محسوبة عليك.. فربنا يخليكِ حاسبى على كلامك فليس كل ما يشعشع فى العقل ينطق به اللسان.. خاصة لو أنكِ كنتِ وسط جمع من الناس عيونهم تبحلق فيكِ وينصتون! وبطبيعة الحال، فإن هذا الاستسهال فى دلق الكلام من حناجرنا دونما تمحيص ولا تدقيق قبل إطلاقه (ليس من المطربة المشهورة فحسب بل من الجميع) له أسبابه التاريخية، والمجتمعية الاقتصادية، والتعليمية.. بل والسياسية أيضا. فأما بالنسبة للتاريخ، فإنه معروف عنا - نحن المصريين - أننا ناس بتوع نُكتة، ونحب المزاح وإطلاق الدعابات والقفشات الحيّاني، والتريقة على أنفسنا وعلى مخاليق ربنا. ولقد ارتبط طابعنا القومى بهذه العادة فباتت عادتنا الأصيلة ولا نشتريها.. حتى إنك لتجد من نكاتنا القديمة ما اقتنصته شعوب مجاورة لنا فنسبته إلى نفسها زورا وبهتانا. وفيما يتعلق بالسبب المجتمعى الاقتصادى فإن غالبية المصريين على اختلاف طوائفهم كانوا - ومازالوا - فقراء أبناء فقراء، مما يضطرهم إلى التنكيت تخلصا من كرشة النفَس والغم والكروب التى يفرضها عليك الفقر وضيق ذات اليد. والمعنى هنا أن التنكيت تحول مع الأيام إلى احتياج مجتمعى يعيننا على احتمال صعوبة الأيام والهموم (التى بالكوم) والتى نحملها فوق كواهلنا.. وإلا انفجرنا لا قدر الله. .. وأمّا التعليم، والذى يدك منه والأرض، فإنك إذا طلبت من امرئ لم يتلق تعليما محترما لائقا بالعصر أن يتعقل ويضبط كلامه فإنك تكون كمن يصرخ فى قربة مثقوبة. أليس ضبط الكلام جزءا من انضباط العقل وسلامة المنطق والتفكير؟ وهل يوفر لنا هذا الضبط وتلك السلامة سوى التعليم السليم (وإن كنت لا تصدّق فانظر إلى مدارسنا الآن وكيف يخاطب فيها الطالب معلمه.. بل وكيف يرد عليه المعلم !). وبالنسبة للسبب السياسي، فإنه يحلو أحيانا للبعض من المتثاقفين غواة الرطرطة فى الكلام والثرثرة الفارغة أن يزعموا (ولله الحمد نحن لا نصدقهم!) أن ما يسمونه بكبت الحريات والتضييق من الكبار على الصغار (فى كل المستويات) هو ما يؤدى بهؤلاء الأصغر سنا ومقاما وسلطة إلى لى عنق الكلام، وإلى التورية والكناية والتلغيز (أى الكلام المتغطى) لإبلاغ رسائلهم دون أن يصيبهم العقاب.. (وطبعا نحن لسنا مع تلك الفرية حتى لا يفهمنا أحد كده ولّا كده)! على أية حال، ولكى نجيب من الآخر، فإن كلامنا هذا، فى يومنا اللى موش فايت هذا، ليس موجها إلى شيرين، ولا إلى أحد بعينه، بل إلى كل من أمسك بميكروفون، أو جلس أمام كاميرا، أو وقف على مسرح لمواجهة الحشود. يا ناس.. أنتم قدوة الناس فاحرصوا حفظكم الله على ضبط كل ما تبعثره أفواهكم.. وحبذا فى هذا السياق لو أنكم وزنتم كلماتكم بميزان الذهب. وطبعا من نافلة القول تكرار أن لكل مقام مقالا.. وأن ما يصلح للبوح وأنت فى قعداتك الخاصة ليس بالضرورة يصلح وأنت تواجه حشدا ما.. وإلا فصمتك أجدي. وسيكون السؤال هنا: طيب.. وماذا أفعل لأضبط كلامى فلا يوردنى لسانى موارد التهلكة؟ خذ عندك يا سيدى. أولا، قبل خروجك إلى الجمهور اهمس لنفسك بصوت حازم صارم: لن أتكلم إلا فى حدود المهمة التى أنا بصددها، سواء كانت غناءً أو تمثيلا أو حتى خطابا سياسيا. وثانيا، احرص على أن تقاوم رغبتك فى الاستظراف وإطلاق القفشات، وتيقن من أن بين الجالسين من يترصد لفلتة لسان منك واحدة ليفضحك ويأكل على مؤخرة رقبتك خبزا. ويبقى ثالثا أن تعد جيدا لما ستقوله قبل رفع الستار أو تشغيل ضوء الكاميرا الأحمر.. واعلم أن الهرتلة تكلفتها مرتفعة جدا.. فحذار! لمزيد من مقالات ◀ سمير الشحات