«الشللية فى العمل» تنظيم غير رسمي يبنى على علاقات المصلحة أو العلاقات الشخصية أو الصداقة .. إلخ، والشللية أخطر الأمراض التي تعانيها مؤسسات العمل عندنا، حيث تتجذر فى ثقافتنا العربية التفاعلات الاجتماعية، فضلا عن تثمين صلات القرابة والصحبة خارج نطاق العمل والسمات المشتركة والمصالح المتبادلة وانسحابها داخل العمل، وهو ما يؤثر يقينا بالسلب على بيئة العمل. وهناك دراسات علمية تؤكد أن الشلة بمرور الوقت تهيمن على المكان وتفرض توجهاتها، بل وسيطرتها على متخذ القرار، ولاسيما إذا كان ضعيفا أو كان واحدا من أفراد الشلة وهذه هى الطامة الكبرى، إذ تكون الشلة هى صاحبة القرار والمهيمنة على مقاليد الأمور بالمؤسسة، وما على رئيس العمل إلا اعتماد ما تراه وما يحقق مصالحها وفق أجندة غير معلنة ليس من بين بنودها للأسف مصلحة العمل، وتزداد الشلة بمرور الوقت استقواء بدءا من تنسيق المواقف قبل أى اجتماع (عملية التربيط) مرورا بتوجيه القرارات فى أثناء المناقشات والمداولات، وانتهاء بالضغط لكي تحقق أهدافها غير المعلنة. وليس افتئاتا على الحقيقة القول إن الشلة تكيل الأمور بمكيالين، فإذا ارتكب أحد أفرادها خطأ على سبيل المثال فإنها تحاول قدر استطاعتها التعتيم على هذا الخطأ حتى ولو وصل إلى حد الفساد ، فإذا افتضح الأمر تكتل أفراد الشلة للدفاع عن زميلهم من منطلق (أنصر أخاك ظالما أو مظلوما) بمفهومه الجاهلي بدعوى الحرص على سمعة المؤسسة وعدم نشر «الغسيل غير النظيف» خارجها، وعلى النقيض من ذلك فإذا وقع أى زميل آخر من خارج الشلة فى الخطأ حتى لو كان عن طريق السهو، فالويل والثبور وعظائم الأمور فى انتظاره. إن حلم الشلة وهدفها الأثير أن يصبح المدير واحدا من أفرادها، فإذا حدث ذلك فقل على المؤسسة السلام، إنك إذا أردت تخريب مؤسسة فما عليك إلا أن تزرع شلة أو شللا بداخلها، فالشلة أشبه بفيروس مدمر لمقومات الشفافية والحوكمة وإتاحة الفرصة للأكفاء الذين فى مقدورهم تحقيق تقدم ملموس للمؤسسة، ويرى دكتور صالح سليمان الرشيد خبير الإدارة أن الشلة هي مافيا بالفعل، وإننا بحاجة إلى إعلان الحرب على الشللية فى مؤسساتنا، وإذا لم ننتصر على هذه الآفة، فلا أمل فى إصلاح حال أو تحقيق طموحات.. نحن فى حاجة الآن إلى أنظمة واستراتيجيات وحلول موجهة تحديدا بالتعامل مع الشللية وأعوانها، فحربنا المؤسسية على الشللية لا تقل أهمية عن حروبنا العسكرية، وانتصارنا على أعدائنا يبدأ من داخل مؤسساتنا، ونزعم أن هذا هو العلاج الناجع لفيروس (الشللية)، وغني عن البيان أن الشلة تحاول بشتى الطرق المباشرة وغير المباشرة، المشروعة وغير المشروعة إقصاء كل من يدافع عن المصلحة العامة لأنه يغرد خارج السرب من منظور هذه الشلة. قارن بين ما يحدث فى مجتمعاتنا العربية وما بها من آفات مؤسسية على رأسها الشللية وأعداء النجاح وعدم إتقان العمل، وبين ما يحدث فى المجتمعات المتقدمة التي لا تعانى هذه الآفات، فهناك يطلبون من كل طالب وظيفة أن يقدم سيرته الذاتية وخطابات تزكية من أساتذته فى الجامعة التي تخرج فيها أو من مديريه السابقين، ومن أهم معايير التقييم القدرة على الانضواء ضمن (فريق عمل) .. وشتان الفرق بين فريق العمل الذي يبني، والشللية فى العمل التي تهدم، فمتى نتعلم هذا الدرس؟. د. محمد محمود يوسف أستاذ بجامعة الإسكندرية