مثلما يتعرض البشر للأمراض المزمنة تتعرض أيضا المؤسسات والوزارات والمصالح الحكومية وجميع شركات القطاعين "عام وخاص" إلى أوبئة وفيروسات وميكروبات تفقد الأجهزة المناعية القدرة على مقاومتها، فتترنح وتعانى مر المعاناة من وعكات مؤلمة وخطيرة تصيب فى مقتل، ولم يعد ينفع معها حتى الآن - أمصال أوعقاقير، إذ لا بديل أو مفر عن العزل أو البتر، من يجرؤ على أن يلجأ إلى مثل هذه الإجراءات فى وقتنا هذا، من زماننا هذا، فى بلدنا هذا؟ وإذا كان فيروس "إيبولا" المنتشر في غرب القارة الإفريقية يعد الأخطر والأكبر، وبخاصة فى المناطق النائية بغينيا وليبيريا ونيجيريا وسيراليون وهي من الدول الأفقر في العالم، وأعراضه تبدأ عادةً بالظهور بعد يومين إلى ثلاثة أسابيع من الإصابة بالفيروس، وتتمثل في حمى والتهاب الحلق وآلام العضلات والمفاصل وصداع، وعادة ما يتبع ذلك غثيان وقيء وإسهال، ثم انخفاض وظائف الكبد والكلي، وتلى ذلك مرحلة النزيف التى غالبا ما تؤدى إلى الوفاة، فإن "إيبولا" الذى ينخر داخل المؤسسات والشركات وجميع أماكن العمل عندنا هو الفساد الإدارى الذى يؤثر على جودة الأداء، ويفكك مفاصل أصحاب الكفاءة، ويصيب المجيدين بالغثيان والمخلصين لعملهم بالإحباط، فتنخفض الهمم الوظيفية، وتطرد أو تجنب الكفاءات، وهو ما يؤدى إلى فشل ذريع فى تحقيق النتائج المرجوة، والأرباح المتوقعة، وبالتالى يحدث النزيف المستمر الذى لا يعرف له حتى هذه اللحظة علاج لإيقافه، ولا يصبح أمامك وأنت تقف مكتوف الأيدى أمام صرح عملك الذى أفنيت فيه عمرك، وأخلصت له جهدك وتراه يتهاوى ويلفظ أنفاسه الأخيرة إلا أن تقرأ عليه الفاتحة، وتقول على المجتهدين ممن ضيعوا زهرة عمرهم تفانيا وإخلاصا لعملهم "يا رحمن يا رحيم". ويمكن لنا أن نختصر الفساد الإدارى فى "الشللية" رغم وجود أسباب أخرى ولكنها تأتى فى مراتب تالية، و"الشللية" هذه وباء، وتنظيم شيطانى غير رسمى، وقوة خفية تؤثر على دولاب العمل وتبعثره بمهارة لا مثيل لها، فتجد كل "ضلفة" فى جهة، والمفصلات "مفككة، والأرجل "مخلعة"، والمفاتيح مبعثرة. و"الشاسيه" هش لا يتحمل أن تضع فوقه "قفص جوافة"، أما القطع الوحيدة التى تجدها بحالة المصنع فهى "الشماعات" التى سوف يعلق عليها المسئولون والجوقة و"شلة المحبظاتية" والمنتفعين أسباب فشلهم الذريع. هذا التنظيم غير الرسمي ما هو إلا مجموعة من العلاقات المتشابكة بين أفراد التنظيم أنفسهم، مما يؤثر على الأداء ويضعفه، فالولاء والانتماء ليس للمؤسسة ولكن للقيادات والرءوس الكبيرة، وتكريس كل شيء لهم، والعمل على خدمتهم، وربما القيام بأمور يندى لها الجبين فى سبيل الحصول على جواز المرور، وحصد جميع الامتيازات العينية والمزايا المادية، أما معايير تقييم بقية العاملين فتتراجع وتتنحى جانبا، لأنها من وجهة نظرهم - أمور شكلية، وليس هذا وقتها. حقا. عندما يغيب العمل المؤسسى، وتغيب معه المعايير الموضوعية، وتكتسب الأعمال أهميتها وأولويتها بمدى المصالح والخدمات، وتقديم فروض الولاء والطاعة للكبار، يصبح كل شيء مباحا حتى الكرامة والنخوة والشرف. إن الشللية داخل أى مؤسسة تشكل هيكلا إداريا موازيا بالغ الضرر، يسعى لإعاقة إنفاذ الهيكل الإدارى الأساسى والطبيعى والذى أنشئ لخدمة أهداف المؤسسة وموظفيها، ولهذا تقع على إدارات المؤسسات مسئولية تحقيق هياكلها المشروعة والمعلنة، حتى يشعر موظفوها بالأمن والاستقرار والحماية لهم ولأسرهم، وأن سلم الارتقاء الوظيفى مازال متاحا أمام الكفاءات والخبرات، ولم تقم شلة المنتفعين بخلع درجاته للاحتفاظ بها.