«تجارة الموت تأبى الاستسلام».. باتت هذه العبارة هى الوصف الأمثل لنشاط سماسرة الهجرة غير الشرعية فى الإسكندرية، على الرغم من استبسال أجهزة الأمن وحرس الحدود فى وقف أنشطتهم ودحرهم قبالة شواطئ المدينة. فى سبيل حصول عصابات الهجرة غير الشرعية، على المال، لا يتورعون عن المتاجرة بأحلام شباب لا تتعدى أعمارهم العشرين عامًا ظنوا خطأً أنهم سيحققون الثراء السريع بدول جنوب أوربا وخاصة ايطاليا واليونان وفرنسا، مما جعلهم فريسة سهلة السقوط فى شباك «مافيا التهريب» عبر مياه البحر المتوسط فى رحلة محفوفة بالمخاطر تنتهى إما بالموت غرقاً داخل مركب متهالكة تحمل أضعاف حمولتها أو بالسقوط فى يد قوات حرس الحدود وفور وصولهم شواطئ العواصم الأوروبية. وقد نشطت تجارة الهجرة غير الشرعية بصورة ملحوظة عقب ثورة 25 يناير بسبب الانفلات الأمنى الذى شهدته مصر فى ذلك الوقت، إلا أن الأجهزة الأمنية وقوات حرس الحدود نجحت فى توجيه ضربات قوية لسماسرة وتجار الموت، الذين اتخذوا من المدن الساحلية وخاصة محافظة الإسكندرية مسرحًا لجرائمهم. ووفقًا للإحصائيات الرسمية المنشورة، فإن فى عام 2010 تم ترحيل 500 شاب، وفى عام 2011 تم تحرير 24 قضية تضم 1300 شاب، وفى 2012 ضبط 703 قضايا وإحباط تهريب1500 شاب، وفى 2013 تم ضبط 979 قضية وإحباط هجرة 1200شاب، وفى 2014 تم ترحيل38 شابا وإحباط هجرة2600 شاب، وفى2015 تم ضبط 246 مرحلا وإحباط تهريب 4200 شاب، وفى عام 2016 تم ضبط 434 قضية وإحباط تهريب 12 ألف شخص. إحدى المراكب المتهالكة وخلال هذا العام نجحت الأجهزة الأمنية فى الإسكندرية فى القبض على عدة تشكيلات عصابية تخصصت فى تهجير الشباب بطريقة غير شرعية، وبحوزتهم أجهزة G P S الخاصة بتوجيه السفن وجهاز سونار خاص بالكشف عن الأعماق ومراكب صيد كبيرة معده لنقل المهاجرين، وهو ما سلط الضوء من جديد حول خطورة هذه الظاهرة، التى لم تكن الأولى ويبدو أنها لن تكون الأخيرة. وتشير التقارير الأمنية فى الإسكندرية الصادرة عقب إلقاء القبض على السماسرة والكشف عن هويتهم، إلى أن أغلبهم يعملون بمهنة الصيد، وتتركز منافذ انطلاق قوارب الهجرة بسواحل مناطق أبى قير شرق المدينة، ومنطقة الجمرك وخليج المكس والدخيلة غربها. يقول ف. السيد، صياد بمنطقة بحرى التابعة للجمرك، وهى تعد من أبرز المناطق التى يقطنها الصيادون، إن قاطنى المنطقة يعلمون جيدًا وجود رحلات هجرة غير شرعية ومن يعملون بها فهو أمر متعارف عليه منذ خمسين عامًا، مشيرًا إلى أن هذه الرحلات غير المشروعة يعمل بها بعض الصيادين القدامى لكونهم يحفظون طريق البحر عن ظهر قلب، مع وجود مافيا كبيرة ورجال أعمال يقفون وراءهم، على حد قوله. ويوضح «السيد» أن هناك نوعين من السماسرة الأول من يقوم بدور الوسيط، والأخر ممن يملكون مراكب شراعية، والتى لا تكون معدة للإبحار لمسافات طويلة لكونها مخصصة للصيد فقط، ويتم تحميلها بسعة تختلف من مركب لأخرى بحد أدنى 50 مهاجرًا إلى ما يقرب من 250 مهاجرا، مقابل مبالغ مالية تبدأ من 20 ألف جنيه إلى 50 ألف جنيه للمصريين وتصل الى 10آلاف دولار لغير المصريين. ويؤكد «السيد» إن عملية تهريب المهاجر تستغرق من شهر إلى ثلاثة أشهر تقريباً، تبدأ بالبحث والتحرى عن هوية الراغب فى السفر خشية أن يكون من أفراد الشرطة ويسعى للإيقاع بهم، وعقب الاستقرار على الأشخاص يتم تسكينهم فى وحدات سكنية قريبة من مكان الانطلاق، وبعد الاتفاق على موعد التحرك يبدأ السمسار فى تحريك المهاجرين فى شكل مجموعات لا تزيد عن 7 إلى 10 أفراد وصولاً إلى الشاطئ. ويشير إلى أن السمسار يتسلم نصف المبلغ عند الاتفاق والنصف الأخر قبل انطلاق المركب، ويفاجأ المهاجر بمركب على حمولتها أكثر 150 شخصا آخرين ولا يملك قراراً سوى خوض التجربة. ويقول مجدى وهو صياد بمنطقة أبى قير، إن عمليات التهريب تؤثر سلبًا عليهم، حيث تفرض القوات البحرية وقوات حرس الحدود إجراءات أمنية مشددة لإحكام السيطرة على الشواطئ، كما تحدد أوقاتا للسماح بدخول وخروج الصيادين بالميناء. وأضاف مجدى إن عدد الساعات المسموح الصيد فيها تصل إلى أثنتى عشرة ساعة غير أنها لا تعد كافية بالنسبة للصيادين، الذين يعتبرون أن ساعات منتصف الليل أفضل أوقات الصيد، مشيرًا إلى أن ذلك تسبب فى تراجع كمية الأسماك. وفى المقابل، ينفى أشرف زريق، شيخ الصيادين فى منطقة أبى قير، إن يكون للصيادين علاقة بتلك العصابات، مؤكدًا أن من يقومون بتهريب الشباب يأتون من محافظات مجاورة ويقومون بحجز وحدات سكنية بالقرب من الشوطئ لتسهيل مهمتهم. وأضاف «زريق» وفى النهاية أصبحت هذه التهمة توجه إلى الصيادين الباحثين عن لقمة عيشهم فقط، مؤكدًا أن الصيادين يخضعون إلى الإجراءات الأمنية بمنتهى التعاون حتى يمكن القضاء على تلك الظاهرةالتى تهدد أرزاق وسمعة الصيادين