أنا رجل بسيط من إحدي قري الصعيد عمري65 سنة وأعمل في الزراعة أجيرا لأني لا أملك قيراط أرض واحدا, ورزقني الله بثمانية أبناء( خمسة أولاد وثلاث بنات) أصغرهم عمر16سنة, وطوال الأعوام الثلاثين الماضية كنت أنا وزوجتي وابني البكر ندخر من قوت يومنا لبناء مكان يؤوينا وأكرمنا ربنا قبل سنوات قليلة بإقامة بيت بالطوب الأحمر, لكننا سقفناه بجذوع النخل والجريد والطين مثل معظم بيوت الأرياف. ولرغبتي في أن يبقي ابني الكبير مساعدا لي بالعمل أجيرا مثلي في القرية وخوفا من أن يهجرنا الي القاهرة أو غيرها من محافظات الدلتا والوجه البحري, فقد قمت بتزويجه في سن مبكرة وبقي معنا في البيت, ورزقه الله بثلاثة أولاد فزاد عددنا كثيرا, ومع تقدمي في العمر, وهن جسدي وضعفت قواي ولم أعد أعمل كما كنت من قبل, وصار ابني الكبير هو عائل الأسرة, والمسئول عني وأمه وأخوته ومدارسهم وزوجته وأطفاله الثلاثة, وظللنا ندعو له في كل وقت وحين أن يوفقه الله ويرزقه رزقا واسعا طيبا, وعشنا أياما سعيدة مطمئنين وراضين وقانعين بلقيمات تقيم صلبنا وجلابيب تستر عوراتنا ونحلم بمواصلة رحلة الكفاح والعمل علي تربية أحفادي الصغار وبناء منزل جديد لتزويج أبنائي الكبار, ومع حلول شهر رمضان وبسبب شدة الحر عندنا في الصعيد, صار العمل في صناعة الطوب اللبن يجري ليلا, فبعد الافطار وصلاة العشاء والتراويح يذهب ابني للعمل في ضرب الطوب وبناء القمائن, ويعود قبل الفجر لنتناول جميعا السحور ثم يعود ثانية الي قمائن الطوب لينتهي عمله مع شروق الشمس. وفي ليلة13 رمضان, جاء ابني قبل الموعد المعتاد للسحور طالبا من زوجته تجهيز لقمة سريعة رافضا الانتظار لتناول السحور معنا مثل كل ليلة, وهرعت أمه لمساعدة زوجته في إعداد الطعام وإعداد كوب الشاي, بينما استلقيت أنا علي كنبة قرب البوابة مستمتعا بنسمة هواء عليلة, وفجأة وفي ثوان صادمة مرعبة شلت عقلي وألجمت لساني وكأنني نائم وأحلم بكابوس بشع, اهتز البيت وسمعت صرخة مكتومة وصوت هدير لم أفهم مصدره إلا بعد أن وجدت نفسي واقفا في الشارع وعيناي علي البيت.. لقد انهار سقف المطبخ علي ابني وزوجته وأمه.. ولا استطيع أن أصف تفاصيل تلك اللحظة المشئومة بعد أن وقعت علي الأرض مغشيا علي, بينما الجيران وسكان البلدة سارعوا الي مساعدة رجال الدفاع المدني في استخراج جثتي ابني وزوجته.. ومازالت هناك بقية أنفاس تدب في صدر أمه. انني لا أقرأ ولا أكتب.. وإنما جاءني أحد جيراني وطلب مني أن أملي عليه مأساتي ليكتبها إليك فربما يكون نشرها سببا في خير لأحفادي وأبنائي ودعوات لي بأن يلهمني ربنا الصبر والسلوان وأن يتقبل ابني وزوجته شهيدين ويسكنهما فسيح جناته. اللهم إني أعوذ بك من أن أشكو قضاءك وقدرك الي عبيدك, ولكنها الأسباب التي أمرتنا بأن نأخذ بها ولا حول ولا قوة إلا بك. {{ وأقول لكاتب هذه الرسالة: وما تدري نفس ماذا تكسب غدا, وما تدري نفس بأي أرض تموت, صدق الله العظيم, وعلينا أن نؤمن بأقدارنا التي لا حيلة لنا لتغييرها ولا جدوي من الإعتراض عليها.. فعليك أن تستعين بالله وأن تواصل عملك متسلحا بالصبر علي بلواك لكي تربي أبناءك وأحفادك, ولسوف يدبر الله سبحانه وتعالي لكم الأمر فهو الرزاق ذو القوة المتين, وسوف يأتيك رزقهم من حيث لا تحتسب, وإنا لله وإنا إليه راجعون.