حكاية هذا الأسبوع على الطريقة الإسكندرانى ، أى تفوح منها رائحة البحر واليود، وتسمع فيها صوت الأمواج وهى تحنو على الشواطئ الرملية بينما تُقبلها فى غدوها ورواحها، حكاية عن مكان ساحر وجميل هو قصر وحدائق المنتزه بالإسكندرية وهو المكان الذى يعُد موقعاً رائعاً كان من الممكن أن يكون مقصداً سياحياً عالمياً من الطراز الأول يشابه أهم المتنزهات والمقاصد السياحية العالمية مثل حديقة الهايد بارك بقصورها فى لندن أو حدائق التولييرى فى باريس.. مكان هو جزء من الجنة إن أحسن الاعتناء به وتنظيمه وتطويره وإبراز جمالياته ليوضع على الخريطة السياحية العالمية كما يقول اللواء أحمد المخزنجى رئيس مجلس إدارة شركة المنتزه للسياحة والاستثمار، وهو المشروع الذى ينتوى العمل عليه من خلال إعداد مشروع فرنسى لتطوير منطقة الحدائق والقصر وتطوير البنية التحتية للمكان بشوارعه وحدائقه والشواطئ والكبائن وإعداد مصدات مياه لحماية الشواطئ الموجودة. وحكاية هذا الأسبوع من خلال عرض مجموعة من الصور للقصر ترجع لبدايات القرن العشرين وتعرض للمكان الساحر الذى كان يُعتبر المقر الصيفى لملوك مصر بدءاً من الخديوى عباس حلمى الثانى وحكاية حبه لزوجته الثانية النمساوية الجميلة الأميرة جويدان، والملك فؤاد، ثم أخيراً الملك فاروق، وقد كان المكان الأخير الذى أقام به قبل خروجه من مصر عام 1952، وفى القصر وشواطئه وعلى رماله حكايات كثيرة عن الملك وبناته الثلاث ( فريال وفوزية وفادية ) ولهن صور كثيرة وهن يمرحن ويلعبن على الشاطئ وداخل أحواض الاستحمام الكبيرة ويبنين قصورا من الرمال ككل الأطفال ومنها صورة نادرة وهن يضعن العلم الملكى على بيت من الرمال عرضها أحد الأشخاص للبيع على الإنترنت من مجموعة الصور الملكية التى التقطها المصور رياض شحاتة المصور الشخصى للملك فاروق وأسرته. ولإنشاء القصر قصة طريفة يحكيها أحمد شفيق باشا رئيس ديوان الخديوى فى كتابه «ذكرياتى فى نصف قرن» فيقول إن الخديوى عباس حلمى فى أثناء وجوده فى الإسكندرية كان يخرج إلى النزهة مع بعض رجال الحاشية وكان غالبا ما يقصد سراى الرمل على آخر الخط الحديدى بالرمل ومنها يركب وصحبه الدواب إلى جهات مختلفة للتنزه فى ضواحى الثغر.. لاسيما طريق سيدى بشر إلى شاطئ البحر ، وفى إحدى الليالى المقمرة أمر الخديوى بإعداد ثمانين حماراً لنركبها ليلا فى الصحراء على شاطئ البحر ، وأمر أن ترافقنا الموسيقى الخديوىية وعدد رجالها 45 رجلا وهم يعزفون بموسيقاهم حتى وصلنا إلى سيدى بشر وبعدنا عنها قليلا ، ولما سمع العربان هذه الموسيقى التى لا عهد لهم بها.. هرعوا إلينا.. فلما علموا بوجود أميرهم (الخديوى) صاحوا بالتهليل على عادة العربان.. ورافقونا فى رجوعنا مسافة طويلة ثم عدنا وقد أعجب الخديوى بالبقعة المجاورة لسيدى بشر بألسنتها الجميلة الداخلة فى البحر وتسرب الماء بين ثنياتها الصخرية فى خرير ساحر فعزم على التوغل فيها لمشاهدتها عن قرب. ويستطرد أحمد شفيق باشا ويقول: وفى اليوم التالي, تجاوزنا فى تجوالنا سيدى بشر بمسافة كبيرة وكنا ثلاثة مع الخديوى رولييه بك السكرتير الخصوصى و على بك شاهين معاون التشريفات وأنا, وسرنا حتى بلغنا مكان أعُجب الخديوى بمنظره تكتنفه رابيتان عاليتان وبينهما ضلع صغير وفى طرفه الشمالى جزيرة صغيرة وهنا أمر الخديوى بالإناخة (توقف الحمير) فنزلنا عن رواحلنا تجاه هذا الموقع الجميل, ورأى سموه أن ننزل نحن فى قارب صيد كان متروكاً على الشاطيء لنرتاد هذه الجزيرة وما حواليها ونتعرف على ما فيها، وما يحف بها، وهكذا نفذ الرجال المطلوب حتى أشار لهم الخديوى بالعودة، ومنذ ذلك اليوم تقرر فى ذهن الخديوى أن تكون النقطة التى اكتشفها وأعجب بها مصيفاً له وأن ينشيء بها قصرا أنيقا هو قصر المنتزه وكان على إحدى الرابيتين العاليتين مدافع قديمة من عهد والى مصر محمد على باشا حيث كانت تستخدم لحماية الشواطيء فى تلك المنطقة, كما أقام أمامها مزولة (ساعة رملية) نقش عليها بيتان من شعر الشيخ على الليثى ، أما الرابية الأخرى فقد كان بها قشلاق (مركز) لخفر السواحل اشتراه الخديوى من الحكومة وبنى مكانه قصر الحرملك ووراء الرابيتين كان يقوم بيت منعزل صغير يملكه ثرى سكندرى من أصل يونانى يدعى (سينادينو) حيث كان يدعو إليه أصدقاءه فى ليالى الصيف المقمرة، فيقضى فيه أوقاتا للراحة فى ظل تلك الطبيعة الساحرة, فاشترى منه الخديوى هذا المنزل، كما اشترى أرضا واسعة من الحكومة ومن الأهالى لتكون ملحقات للقصر الجديد لتبلغ مساحتها حوالى 370 فدانا زرعت كحدائق ومتنزهات كما اتخذ من الخليج ميناء للسراى، وهو الميناء الذى كان يرسو أمامه اليخت الشهير المحروسة (اليخت الخاص بالعائلة العلوية) كما ربط الجزيرة بالشاطيء بجسر إيطالى على الطراز القوطى، وبنى على الجزيرة كشكا كلاسيكيا للشاى. وقد أشرف الخديوى بنفسه على تنظيم الحديقة الغناء حيث قام بانتقاء أنواع الأشجار التى غرست بها وكذلك قام بالإشراف على تخطيط الطرقات والممرات، كما ألحق بالحديقة منحلا ومعملا للألبان وحظائر للكلاب الخصوصية ومزرعة للدواجن. وقد أطلق عليها وعلى القصر معا مسمى واحدا هو قصر المنتزه, وفى سبب اختيار ذلك المسمى يقول أحمد شفيق باشا: كنا ذات يوم بحضرة الخديوى وكان بيننا محمود شكرى باشا رئيس الديوان التركي, فطلب منا سموه أن ننتخب (نختار) اسما للقصر الجديد فأخذ كل منا يقترح اسماً وكان اقتراح محمود شكرى باشا أن يُسمى القصر باسم قصر المنتزه فارتاح سموه إلى هذا الاسم وأطلقه عليه من ذلك الحين. والله.. الله.. على مصر وقصورها وحكاياتها زمان.