إدارة ترامب توافق على طلب إيران نقل المحادثات من تركيا    نائب وزير الإسكان يلقي كلمة خلال فعالية ينظمها البنك الدولي وشركاء التنمية الدوليين بالتعاون مع الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء    بيان عاجل من النائب العام الليبي بشأن مقتل سيف الإسلام القذافي    فلسطين.. استشهاد شاب برصاص الاحتلال في أريحا    ترامب يدعو إلى طي صفحة فضيحة إبستين ويؤكد: الوثائق المنشورة برأتني    مأساة على طريق بيلا بكفر الشيخ.. مصرع 3 شباب في حادث دراجات نارية    ارتفاع أسعار النفط مع تراجع الدولار والاتفاق التجاري بين الهند وأمريكا    البيت الأبيض: محادثات بين الولايات المتحدة وإيران هذا الأسبوع    ترامب يصف جوستافو بيترو ب «الرائع» بعد أسابيع من تهديده بعمل عسكري ضد كولومبيا    اليوم، انقطاع المياه عن بعض المناطق في الدقهلية لمدة 4 ساعات    «ترامب» يُوقّع قانون الإنفاق الحكومي ويُنهي الإغلاق الفيدرالي    رسميًا.. أحمد عبد القادر يوقع للكرمة العراقي في الانتقالات الشتوية    60 دقيقة متوسط تأخيرات قطارات الصعيد.. الأربعاء 4 فبراير    حملة مكبرة لرفع إشغالات بمدينة كفر البطيخ بدمياط وإعادة الانضباط للشوارع (صور)    محافظة الجيزة ترفع إشغالات وتعديات الباعة الجائلين بشارع العريش    إخلاء سبيل سائق التاكسي ومشتري الهاتف بعد حبس المتهم بقتل وتقطيع جثة فتاة في الإسكندرية    رحيل والدة نورهان شعيب.. رسالة وداع مؤثرة تطلب فيها الدعاء وتكتفي بالعزاء هاتفيًا    الصحة: إنقاذ ذراع مريضة فشل كلوي وجراحة دون تخدير بمستشفى روض الفرج    حكام مباريات اليوم في الدوري المصري، أبرز سموحة وبيراميدز والزمالك وكهرباء الإسماعيلية    بنزيمة: الهلال يشبه ريال مدريد في آسيا.. والفوز بالألقاب أمر مهم لي    تفاصيل اقدام طالب على إنهاء حياتة بسبب نتيجة الشهادة الإعدادية في المنيا    ضبط 5 أشخاص لترويج وتعاطي المخدرات بعين شمس    بعد منعه من الظهور.. هاني مهنا يعتذر عن تصريحاته: تداخلت المواقف والأسماء بحكم السنين    وزير الثقافة يشهد حفل ختام معرض القاهرة للكتاب.. ويكرم «المتميزين»    6 ملايين و200 ألف زائر لمعرض القاهرة الدولي للكتاب    بمشاركة مصرية وعربية.. أيام الشارقة التراثية تشعل «وهج الأصالة»    رموز وعشاق الفن التشكيلي يشاركون محمد عبلة معرضه «الرسم على الماء» بجاليري ضي الزمالك    محافظ الجيزة يعقد اللقاء الأسبوعي لبحث شكاوى المواطنين    محافظ الجيزة يشهد فعاليات اليوم العالمي للأسرة والسلام    برشلونة يعبر ألباسيتي ويتأهل لنصف نهائي كأس ملك إسبانيا    بهدفين في مرمى ألباسيتي.. برشلونة يتأهل إلى نصف نهائي كأس ملك إسبانيا    مارسيليا يعبر رين ويتأهل لربع نهائي كأس فرنسا    أسهم التكنولوجيا تدفع البورصة الأمريكية إلى التراجع في ختام التعاملات    رتب مشاهداتك فى رمضان.. أين يعرض مسلسل رجال الظل عملية رأس الافعى؟    مهرجان أسوان للفنون ينطلق فى دورته ال13 بعاصمة الثقافة الأفريقية.. 14 فرقة دولية ومحلية تقدم ديفيليه فني وعروضا مبهرة بحضور سفير كندا.. وتجاوب كبير من الوفود الأجنبية والمواطنين بالسوق السياحى.. صور    محامي شيرين عبد الوهاب يحذّر من التعامل مع صفحاتها على السوشيال ميديا: لم تُبع    إصابة 3 أشخاص في تصادم دراجتين ناريتين بدكرنس في الدقهلية    افريقية النواب تضع خطة عملها بدور الانعقاد الأول للفصل الثالث    متحدث الوزراء ل "إكسترا نيوز": ميكنة التأمين الصحي الشامل تضمن جودة الخدمة وتقلل الزحام    ضبط تلاعب في أسطوانات الغاز في دمياط    استبعاد الجزيري وإيشو ومحمد السيد من قائمة الزمالك للقاء كهرباء الإسماعيلية    موعد مباريات اليوم الأربعاء 4 فبراير 2026.. إنفوجراف    لوكمان: أعد جماهير أتلتيكو مدريد بصناعة الفارق.. واللعب في الدوري الإسباني متعة    خطوة بخطوة، طريقة عمل الباستا فلورا بسهولة    بسبب الصيانة، انقطاع مياه الشرب عن قري ومدن الفيوم غدا    متحدث الشباب يكشف أسباب طلب البرلمان تعديل قانون الرياضة (فيديو)    رئيس الوفد يفتح باب التظلمات من الفصل المخالف للائحة    إدارة شرق تفتتح معرضا لقسم الموهوبين والتعلم الذكي بالإسكندرية    وزير التربية والتعليم يوجه المديريات بتسليم الكتب للطلاب دون تأخير    على من يجب الصوم؟.. أمينة الفتوى تجيب    ما حكم العمل كصانع محتوى والتربح من الإنترنت؟.. أمين الفتوى يجيب    القومي للأشخاص ذوي الإعاقة يلتقي مساعد وزير العدل لحقوق الإنسان    الأزهر للفتوى: تحويل القبلة يؤكد وسطية أمة الإسلام والعلاقة الوثيقة بين المسجدين الحرام والأقصى    الفلسطينيون القادمون من غزة يشكرون الرئيس السيسي: الله يحفظه ويبارك فيه    رئيس جامعة المنوفية يستقبل طالبات من البرازيل في تجربة تدريب طبي    رئيس الوزراء يتابع مستجدات ميكنة منظومة التأمين الصحي الشامل    الحكومة تسحب مشروع قانون المرور لتقديم نسخة جديدة ل"النواب"    دعاء استقبال شهر رمضان.. كلمات إيمانية لاستقبال الشهر الكريم بالطاعة والرجاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إبراهيم باشا.. نابليون الشرق
هزم الأتراك وفتح بلاد الشام
نشر في الأهرام اليومي يوم 23 - 02 - 2018

أسر قائد الجيش التركى.. وحرمه تردد محمد على من إحتلال أسطنبول

كان والى عكا عبدالله باشا يجعل من بلاده مأوى لكل الفارين من حكم محمد على حتى بلغ عددهم ستة آلاف شخص. وكتب إليه محمد على يطلب إعادتهم إلى مصر. فرد عليه هذا الوالى بجفاء شديد: إن هؤلاء رعايا السلطان، وشأنهم هنا كشأنهم فى مصر، وإن شئت فاحضر لأخذهم.
فأجابه محمد علي: سأحضر لأخذ الستة آلاف وواحدا فوقهم ! يقصد عبدالله باشا نفسه والى عكا.
...............................................................وبالفعل تحرك إبراهيم باشا قائدا لجيش مصر واحتل يافا وضرب حصارا حول عكا لتبدأ معارك الشام تلك التى نبهت الدول الكبرى إلى خطورة مصر وقائدها الأسطورى إبراهيم باشا الذى أطلقوا عليه نابليون الشرق. ففعلوا كل الوسائل لإيقاف هذا الفاتح الذى لم يهزم فى أى معركة، وعندما أعيتهم الحيل تكتلوا وأجبروا محمد على على أن يسحب جيوشه، تلك التى أصبحت بقيادة إبرهيم باشا على بعد 50 فرسخا فقط من إستانبول. ولا يوجد ما يمنع القائد المظفر من إسقاط عاصمة الخلافة واحتلالها غير تردد محمد على باشا الكبير .
رهينة لدى السلطان
إبراهيم باشا الذى ولد عام 1789 هو الابن البكر لمحمد على من زوجته أمينة الشوربجى التى أنجبت له إبراهيم وطوسون وإسماعيل وتوحيدة ونازلى. ومنذ صغره ظهرت عليه إمارات التميز والتطلع للمعرفة وكان محمد على ترك الأسرة، وجاء إلى مصر مع الحملة العثمانية، وعندما أصبح واليا عام 1805 أحضر الأسرة وكان عمر إبراهيم 16 سنة فاصطحبه إلى القلعة وعينه حاكما عليها، لكن حادثا كبيرا كان ينتظر الشاب اليافع سيكون له الأثر فى تشكيل اسطورته بعد ذلك. فإذا كان لكل إنسان حادث ما يشكل اسطورته الخاصة التى تحكم مجرى حياته، فإن قيام محمد على بإرسال ابنه إبراهيم كرهينة لدى السلطان العثمانى ضمانا لالتزاماته الحالية المطلوبة. كان لها أثرها فى مشاعر هذا الشاب جعلته يكره الأتراك بشدة، ويحب المصريين، يحس أنهم مثله رهائن لدى السلطان الظالم يفعل بهم ما يشاء إذا لم يدفعوا الجباية فعمل على أن يحرر مصر من هذه التبعية الفاشية، وأن ينزل بالاتراك الهزائم فى كل معاركه.
عاد إبرهيم إلى مصر فى ديسمبر 1807 عقب فشل حملة فريزر بعد أن قضى عاما فى تركيا. فعينه والده «دفتر دار» أى وزير مالية، ثم أرسله إلى الصعيد والوجه البحرى لتوطيد أركان الدولة بعد حدوث اضطرابات هناك.
كان دور إبراهيم باشا فى البداية تأسيسيا لا غنى عنه، ولا يستطيع القيام به طوسون الذى عرف عنه التهور والاندفاع، أو إسماعيل الذى عرف عنه الاستهتار، بينما كان إبراهيم يتسم بالدهاء وقوة الحجة لا يلجأ للعنف إلا عندما لا يجد للحيلة سبيلا. على حد قول الدكتور رءوف عباس.
وقد منحه السلطان العثمانى الباشوية ذات الثلاثة أذناب عام 1817 نجاحه عسكريا كما منحه ولاية جدة والحبشة ومشيخة الحرم المكى والمدينة المنورة حتى أصبح أعلى رتبة من محمد على، وربما أراد السلطان بذلك أن يضع بذرة عداء بين إبراهيم ووالده طبقا للدكتورة لطيفة سالم.
بداية حروب الشام
كان تحطيم الأسطولين المصرى والعثمانى من قبل الدول الأوروبية فى موقعة نفارين انذارا لمحمد على ليعيد ترتيب أوراقه بعيدا عن الدولة العثمانية التى أصبحت الرجل المريض. وبدأ يخطط ليحل محلها، وكان منذ فترة يوجه ناظريه إلى الشام يوسع حدود دولته وعرض الأمر على إبراهيم باشا فقال له: إن مصر لن تأمن على نفسها إلا إذا كانت حدودها الشرقية آمنة حتى جبال طوروس، وان ضم الشام ليس هجوما لكنه تأمين ودفاع عن مصر.
وهنا التقت الإراداتان السياسية للأب والقتالية للابن فى ضرورة استقلال مصر عن الخلافة العثمانية المتداعية.
وفى سيره نحو الشام وتحقيق حلمه وأسطورته أحكم إبراهيم باشا حصار عكا برا وبحرا وراح يرميها بالقنابل وصمدت المدينة التى استعصت على نابليون لكن عندما دخل شهر مايو من العام التالى أحس والى عكا أنه لا مفر من التسليم فألقى هو والحامية السلاح وربط منديلا فى عنقه دلالة على الاستسلام والخضوع.
ويقول داود بركات فى كتابه «البطل الفاتح إبراهيم باشا»: إن إبراهيم كان كريما معه رفعه بيديه وقال له: ذنبك لا يغتفر، أنت تجرأت على محمد على وهو أكبر حلما! فرد الوالى كل أخطائى أنى اعتمدت على الباب العالى الذى لا يزيد شرفه فى نظرى على شرف المومس، ولو أنى عرفت ذلك لاتخذت الحيطة ولما كنت اليوم ملقى بين يديك.
وبعد أن سقطت عكا غضب السلطان العثمانى محمود الثانى غضبا شديدا، ولم يجد أمامه سوى السلاح الدينى ليستخدمه ضد محمد على فأمر بأن يعقد المجلس الشرعى فى 13 إبريل 1832 والذى كان يضم ثلاثة مفتين واثنى عشر قاضيا وتسعة من أئمة السراى السلطانية. ثم أصدر هؤلاء المشايح حكما بتجريد محمد على وولده إبراهيم من جميع الرتب والمناصب الديوانية وألقاب الشرف الممنوحة لهما من لدن أمير المؤمنين، ثم القصاص منهما مع سائر من شاركهما فى العصيان والخروج على طاعة السلطان.
وضحك محمد على من هذا الحكم وقال أمام قناصل الدول: هل يسمح السلطان لنفسه أن يحاربنى باسم الدين، وأنا أحق منه بمهبط الدين والوحى، لأنى انقذت الحرمين الشريفين وأعدت للدين سلطانه وأنا الآن أحكم مكة والمدينة المنورة.
دخل إبراهيم باشا دمشق فى يونيو 1832 ثم زحف على حمص وحلب التى كانت آخر ما يريده محمد على لو قبل السلطان العثمانى ذلك وقبل أن يدخل إبراهيم حلب كتب إلى والده: ها قد فتحنا الشام التى يقول المصريون إنها جنة، فماذا يريدون منا فوق ذلك.
كان إبراهيم باشا هو القائد الاسطورى الذى تبحث عنه مصر دائما، تنفض عن نفسها رداء الضعف والتخلف، كما فعلت مع صلاح الدين وبيبرس من قبل، وها هو إبراهيم باشا يحمل علم مصر منتصرا منذ سنة 1814 إلى 1840 فى حروب اليونان وجزيرة العرب والشام والسودان والأناضول، وكان إبراهيم باشا الذى يتكلم العربية والتركية والفارسية قادرا على قيادة جيش من الفلاحين وتدريبهم على الوسائل القتالية الحديثة. كما كان دائما فى مقدمة جيشه ومثل القدوة لهؤلاء المصريين الذين أحبهم وسمح لهم بالترقى إلى رتبة يوزباشى (نقيب) فى الجيش ضد رغبة والده الذى كان يحرم الترقى على المصريين.
محمد على مترددا
انفتح الطريق امام الجيش المصرى لتحقيق انتصارات غير مسبوقة بقيادة بطله الاسطورى لكنه اصطدم بتردد والده، وتكشف المراسلات بين إبراهيم باشا ووالده (محمد على ) مدى الاختلاف بين القائدين، فإبراهيم باشا يؤمن بالقوة، بينما محمد على رجل سياسى يناور مرة ويتردد مرات، خوفا من الموقف الدولى، لكن الأيام تبين أن إبراهيم كان الابعد نظرا.
فبعد فتح الشام كتب إبراهيم باشا إلى والده يستأذنه فى الزحف على قونية والاستانة أيضا، وأن يحمل خطباء المساجد على إلقاء الخطبة باسمه لكن محمد على بدا مترددا خوفا من تدخل الدول الأوروبية وقناصل فرنسا وانجلترا والنمسا الذين يحيطون به، فكتب إلى إبراهيم: «تقول لى فى كتابك إنك تريد أن تمسك المعدن وهو حام، وأنك تريد أن يخطب باسمى فى جميع المساجد، فأعلم يا ولدى أنا لم نصل إلى مركزنا إلا بقوة الوداعة، وخفض الجانب.
وبعد ثلاثة أشهر من التردد سمح محمد على لإبراهيم بالزحف على قونية ثم الإنسحاب منها. فكتب إليه إبراهيم: يجب علينا حسب أوامرك أن نتقهقر إلى الوراء بعد الاستيلاء على قونية فالشائع أن الصدر الأعظم يزحف علينا بقوة كبيرة فإذا تقهقرنا عزوا ذلك إلى الجبن والخوف.. فأقره والده على رأيه ولكن بشرط ألا يتجاوز قونية، فالدول لا تنظر بعين الرضا إلى ما وراءها.
واستطاع الجيش المصرى أن يهزم الجيش التركى هزيمة منكرة فى قونية وأن يأسر ثلاثة آلاف جندى، وعندما وصل الخبر إلى محمد على أمر بإقامة الأفراح وإطلاق المدافع لمدة ثلاثة أيام. لكنه ظل مترددا فى الزحف أكثر من ذلك، وعلم إبراهيم باشا أن السلطان عين رشيد باشا صدرا أعظم وولاه قيادة جيش كبير لقتاله.
فكتب إلى والده يقول:
يا والدى.. منذ عشرين يوما ابحت إلى إعلان سقوط السلطان والآن تحرمه على انما كانت فائدة الرجوع وتغيير الرأى من جانبنا لا يجوز لنا أن ننسى أن جيشا قويا باسلا مثل جيشنا لا يحتمل سياسة التردد وجس النبض، وهى السياسة التى لا تعرف الانتفاع من وراء الواقع على أن هذا الجيش لا يستطيع الوقوف طويلا مكتوف الأيدى ونحن ذهبنا اتباعا لأوامرك، لقد أمرتنى قبل الآن أن أقف فى حلب، ثم سمحت لى بالتقدم إلى قونية، فدعنا الآن يا والدى نهزم جيش العدو الأعظم.
وبرغم ذلك رأى محمد على أن يكتب إلى الانجليز قائلا: إذا أرادت انجلترا أن نقف موقفنا الحالى فإنى قادر على أن أكره على ذلك.
وزحف رشيد باشا على رأس جيش تركى كبير لملاقاة إبراهيم باشا الذى كان زميلا له فى حرب المورة ويعرفان بعضهما جيدا. وقبل المعركة طلب من إبراهيم الانسحاب حقنا للدماء فرد عليه إبراهيم باشا أن تبعة ذلك تقع على من أمرونا به.
وبدأت المعركة فى 21 ديسمبر وكان إبراهيم باشا يعرف أخلاق خصمه الذى ينقض مثل الصقر. فتظاهر بالخوف منه وسحب قواته إلى ما وراء قونية فى مكان يمكنه من أخفاء الميمنة والميسرة. ثم انقض الجيش المصرى على اليمين والشمال فمزقوا الجيش التركى شر ممزق، ووقع رشيد باشا قائده فى الاسر.
خلع السلطان حالا
ينقل داود بركات عن الوثائق المصرية أن إبراهيم باشا ومحمد رشيد باشا الذى وقع فى الأسر اتفقا على خلع السلطان محمود الثانى وتعيين ابنه عبدالمجيد بدلا منه.
وكتب إبراهيم باشا إلى والده: استطيع أن اصل إلى الاستانة ومعى محمد رشيد باشا وأستطيع خلع السلطان حالا، وبدون صعوبة لكنى مضطر لأن أعرف هل تسمح لى بتنفيذ هذه الخطة حيت اتخذ الوسائل اللازمة. لأن مسألتنا لن تسوى إلا فى أسطنبول. فالواجب أن نذهب إليها حتى نملى إرادتنا.. وإن من العبث أن نقف عند قونية ولا نتقدم إلى الأمام، وأن رجال الاستانة لن يقبلوا بعقد الصلح معنا إلا إذا دخلنا عليهم العاصمة كما فعلوا مع الروس. وأنا لولا الأمران الأخيران اللذان تلقيتهما منك لكنت الآن على أبواب أسطنبول. إنى لأسأل نفسى ما هو الداعى الذى دعا إلى إهدار تلك الأوامر؟ أهو الخوف من أوروبا أم شيء لا أعرفه التمس منك ان تنيرنى فى هذه المسألة قبيل انفلات الفرصة من أيدينا.
فلما وصل الكتاب إلى محمد على أذن إلى إبراهيم بالتقدم، وتقدم بالفعل حتى وصل إلى كوتاهية وهناك وصله كتاب من والده يأمره بالتوقف مرة أخرى. وهو يعلم يقينا أنه لا يوجد جندى واحد للسلطان فى الطريق إلى أسطنبول.
وشعر السلطان بالخوف بعد هزيمة آخر جيوشه وأرسلت روسيا تعرض عليه مساعدتها البرية والبحرية لكن ذلك كان يحتاج شهرا على الأقل بينما الجيش المصرى على بعد خمسة أيام من الاستانة، وكتب إبراهيم باشا إلى أبيه يرجوه قائلا:بحق حبنا للأمة الإسلامية وغيرتنا الدينية، أرى الواجب المحتم علينا لا العمل لمصلحتنا فقط، لكن العمل فوق كل شيء وقبل كل شيء لمصلحة هذه الأمة كلها، من أجل ذلك يجب علينا خلع السلطان المشئوم، ووضع ابنه ولى العهد على العرش، ليكون ذلك بمثابة محرك يحرك هذه الأمة من ثباتها العميق، فإذا اعترضت على بأن أوروبا تعترضنا، قلت لك إننا لا ندع لها الوقت للتدخل، وبذلك ينتفى الخطر من ذلك الجانب، لأن مشروعنا ينفذ قبل أن يعرف، وبذلك نضع أوروبا أمام الأمر الواقع، وإذا كانت أوروبا تغتنم الفرصة لإشباع مطامعها من هذه الدولة فأية تبعة تقع علينا؟ وهل نستطيع أن نمنعها من تحقيق خطة تسعى لتحقيقها منذ 84 سنة؟ ولا وقت عندى لتلقى شيء منك أو من أسطنبول يحرم على التقدم. وقبل أن يصل إبراهيم إلى بورصة وموديانا تلقى الأمر من والده بأن يقف مرة أخرى، وبعد مفاوضات شاقة بين قناصل الدول ومحمد على ورسل السلطان نجحت فرنسا فى أن تصل بالطرفين إلى صلح كوتاهية عام 1833 الذى تنازلت بموجبه الدولة العثمانية لمحمد على عن الشام مع ولايته لمصر وكريت، ومنحت إبراهيم أدنة مع ولاية الحجاز.
وكانت تلك أحد أخطاء محمد على الكبيرة التى أضاعت عليه فرصة لن تتكرر بالاستيلاء على الاستانة ووراثة الخلافة العثمانية.
فرصة للمؤامرة
منح تردد محمد على الفرصة للدولة العثمانية والدول الأوروبية للتكتل ضده وإخراجه من الشام، ولم يكن ما حصل عليه كثيرا، قياسا بالانتصارات الكبيرة للجيش المصرى ووقوفه على مسافة 50 فرسخا من الاستانة. فسعت هذه الدول إلى تحجيم النفوذ المصرى وتزعمت بريطانيا الموقف، فكان محمد على يصرخ ويقول إينما أتجه أجد بريطانيا أمامى.
وكانت البداية باشعال الثورات ضد الجيش المصرى، ثم تحركت القوات التركية لاسترداد الشام فى يونيو 1839 وانتصر الجيش المصرى على التركى فى معركة نصيبين واستطاع إبراهيم باشا أن يفرض سيطرته التامة على هذه الأراضى الشاسعة نحو تسع سنوات تقريبا.
وبعد هذا الانتصار لم تجد الدول الأوروبية مفرا من أن تتدخل بشكل حاسم ضد مصر خاصة بعد أن استسلم الاسطول العثمانى لمحمد على بالإسكندرية عقب تولى السلطان عبدالمجيد عرش السلطنة 1839.
كانت الخطة تقوم على ضرب مشروع محمد على وأبعاد التدخل الروسى من منطقة البسفور وتأجيل أطماع الدول الأوروبية مؤقتا فتم إبرام معاهدة لندن 1840 التى وقعتها بريطانيا وروسيا والنمسا والدولة العثمانية. وأجبرت محمد على على الانسحاب من الشام والجزيرة وأن يسمح له يحكم مصر وراثيا. وعندما رفض محمد على الاتفاقية فى البداية. قام الأسطول الانجليزى بضرب بيروت وعكا، وأصدر السلطان فرمانا بعزل محمد على وتوليه عزت باشا خلفا له، واستولى الأتراك على بيروت وعكا.
الانسحاب الكبير
بعد قبول محمد على معاهدة 1840م صدرت الأوامر إلى إبراهيم باشا وجيشه الذى يبلغ 65 ألف مقاتل بالانسحاب والعودة إلى مصر، وكانت عملية صعبة جدا بسبب تربص الأتراك والانجليز والثوار بالجيش المنسحب. وقسم إبراهيم باشا جيشه ثلاثة أقسام لكل واحد طريق يبعد عن الطرق التى يتربصون فيها واستطاع أن يفلت من أيديهم حتى قالوا فى وصف إرتداده إنه ربح أكبر معركة سلمية بالارتداد طبقا لداود بركات وتحمل الجيش متاعب كبيرة لانه كان يسير فى الصحراء واضطروا أن يعيشوا أياما على أكل العشب.
واتسمت فترة حكم إبراهيم للشام التى أمتدت نحو 10 سنوات بالعدل، فكان يتفقد رعاياه ليقف على كل كبيرة وصغيرة، ويحكم فى المظالم أحيانا بنفسه، ومن شدة صرامته خشى الناس عقابه بعد أن تصدى للخارجين على القانون بكل قوة. وفتح باب الوظائف أمام المسيحيين وأصبحوا أعضاء فى مجالس الشورى التى أنشأها. كما شجع الصناعة وأهتم بالصحة والخدمات لكن كانت أكبر العقبات التى أججت الثورة ضده بعد ذلك التجنيد الإجبارى الذى فرضه محمد على لاستتباب الأمن.
وكان تأثير حكومة محمد على وإبراهيم باشا فى سوريا لم يضع مع إنسحاب الجيش المصرى لأنها أحدثت طبقا للمؤرخ السورى سليمان أبوعزالدين انقلابا عظيما فى نظام الحكم وأدخلت أنظمة فى الإدارة والقضاء والجندية، وكان لذلك تأثيرات جمة فى حياة البلاد الاجتماعية والأدبية والاقتصادية والسياسية.
استقبال حافل من ملوك أوروبا
بعد وصوله إلى مصر لم يستسلم إبراهيم باشا ولا محمد على إلى المؤامرة الغربية، وإنما قاما بعمل مشروع القناطر الخيرية لتوفير المياة والطاقة وكان المشروع حدثا أبهر العالم فى القرن التاسع عشر.
وحدث أن اشتد مرض الدوسنتاريا على إبراهيم باشا وسافر للعلاج بإيطاليا متخفيا، لكن ما أن اكتشفت شخصيته كما يروى الكاتب محمد عودة حتى انتفضت إيطاليا شعبا وحكومة للحفاوة بنابليون الشرق، كما فوجئ إبراهيم باشا بدعوة من جلالة الملك لويس الثامن عشر ملك فرنسا لزيارته، وخرجت باريس كلها للاحتفال بالبطل المصرى، وقارنته بالإسكندر وقيصر ونابليون.
كما فوجئ بجلالة الملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا وإمبراطورة ما وراء البحار تدعوه دعوة رقيقة للنزول ضيفا عليها. وقد استقبله ورافقه زوج الملكة، وعقد مجلس العموم واللوردات جلسة خاصة لاستقباله وتحيته. وحرص كل القادة العسكريين وأمراء البحر الذين حاربوه على المشاركة فى حفلات ومأدب تكريمه.
وكانت آخر حفلة أقيمت لإبراهيم باشا هى حفلة رئيس الوزراء اللورد بالمرستون خصمه اللدود الذى عبأ أوروبا لكى تقضى عليه وخلال هذه الاحتفالات طلب إبراهيم باشا زيارة المدن الصناعية وأحواض بناء السفن فى فرنسا، ومصانع يوركشاير ولنكشاير وأحواض السفن فى لندن.
وأثناء العودة جعل طريقه على بلاد البرتغال حيث لقى الملك والملكة. وأهداه الملك وسام البرج والسيف.
النهاية الحزينة
وانجب إبراهيم باشا ثلاثة أولاد: أحمد وإسماعيل (الخديو إسماعيل) ومصطفى وقد وقر فى وجدان المصريين هذا البطل القوى إبراهيم باشا الذى مازال تمثاله باقيا فى أشهر ميادين مصر لم يجرؤ أى نظام على إزالته. وبرغم أنه وصل إلى الحكم فى حياة والده بعد أن أشتد المرض الزهايمر على محمد على عام 1848م إلا أن القدر لم يمهله ليحكم مصر طويلا. حيث أصيب بالتهابات خطيرة فى الرئة، وكان يتقيأ دما مما أدى إلى وفاته عن عمر 59 عاما فى حياة والده بعد أن حكم ستة أشهر فقط. وبعد ذلك بعام توفى محمد على عام 1849م عن 82 عاما. فارتبط مصيرهما فى الحياة والموت.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.