نعم.. هذا يحدث فى مصر عام 2018.. إذ أصدرت مصلحة الشهر العقارى والتوثيق بوزارة العدل قرارا منذ أربعة أسابيع، يقضى بضرورة تبصيم ذوى الشأن على التوكيلات بجوار التوقيعات، ضمانا لعدم التزوير الذى تفشى أخيرا، ورصدت حالات الأجهزة الرقابية التى تهتم بمعايير السلامة فى المحررات المختلفة المنظر أصبح مسخرة أمام المستثمرين الأجانب، إذ صار على كل طالب توكيل مثلا أن يتجاوب مع موظف يسأله: تبصم يابيه، ثم يحدد له مكان البصمة، وأصبح على كل من يحاول الحصول على توكيل أن يسير بيد ملوثة «مهببة» أو تفوح منها روائح الجاز والبنزين بعد محاولات مضنية لإزالة آثار الأوساخ من على الأيدي.. وهكذا يلجأ العالم كله إلى ما يسمى بالحكومة الاليكترونية، بينما راحت بعض الجهات الحكومية المصرية تفرض على مواطنيها أو الأجانب من مستثمريها «البصم» وتصدر قرارا ينص علي: «عند اتخاذ إجراء من إجراءات التوقيع أو التصديق على توقيعات ذوى الشأن من المحررات العرفية، يتعين ضرورة الحصول على بصمة ذوى الشأن بجوار التوقيع، ويلغى ما يخالف من تعليمات سابقة».. هذه مأساة, ففى الوقت الذى لم تتوقف فيه سلطاتنا السنية عن الحديث الزرب الخلاب حول تطبيقها لنظام الحكومة الاليكترونية، سمحت فيه لإحدى إداراتها بفرض «البصم» على المتعاملين معها، لابد أن هناك وسائل متحضرة لمنع استشراء التزوير، وإن لم توجد فعلى الحكومة البحث عن طريق محترم لضمان ذلك.. وهل نحن أقل أمانا من أى دولة فى العالم لا تلجأ لتبصيم الناس؟ لماذا تنفرد البيروقراطية المصرية باللجوء إلى هذه الاختراعات؟، العالم كله يخطو نحو التقدم، فيما يحب بعض موظفينا معانقة التخلف.. لابد أن يفهم مخترعو مثل تلك الإجراءات أن ما يتقبلوه ويستسيغونه ويرونه أمرا عاديا، لا يتقبله الآخرون من الذين تفرض عليهم الظروف التعامل مع هيئة من هيئات الحكومة.. ثم إن بلدا مثل بلدنا يتكلم آناء الليل وأطراف النهار عن الاستثمار.. و«حاسب ياجدع على الاستثمار» و«اوعى يا أفندى الاستثمار» ومع ذلك لا يفكر لحظة واحدة فى تذليل الصعوبات الإجرائية التى تواجه المستثمرين وتجبرهم على «البصم» عام. لمزيد من مقالات د. عمرو عبد السميع