جميعنا نعرف أن مصر لا تعاني وأكرر: لا تعاني من مشكلة زيادة سكانية, بقدر ما تعاني من مشكلة سوء توزيع سكاني; بمعني أننا نملك مساحات هائلة من الأراضي, ولكننا نصر إصرارا علي العيش في شريط ضيق لا يتعدي6 بالمائة من مساحة الأرض!! كلام قديم متكرر, ولكنه حقيقي!! وجميعنا نعرف أن هذه الزيادة السكانية تتركز في مدن بعينها, وفي مقدمتها قاطبة مدينة القاهرة, ما بين عدد رهيب من السكان يسكنونها, وما بين مترددين عليها حتما, مما يضاعف من أعداد الناس والسيارات.. إلي آخره, فيما قتلناه بحثا أيضا ولم نصل فيه إلي حلول, وفيما تفاقمت بسببه مشكلات أخر كثيرة أقلها انهيار الخدمات, وأعظمها حدة الثورات, وأكرر: حدة الثورات; فمدينة ثائرة يسكنها نحو نصف مليون نسمة مثلا ليست بالطبع كمدينة ثائرة يسكنها نحو25 مليون نسمة أو يزيد عن ذلك( كثيرا)!! وجميعنا نعرف أن العواصم عموما بطبيعتها جاذبة للسكان بالقياس إلي بقية المدن!! وجميعنا نعرف أن القاهرة بالذات جاذبة للسكني دونا عن كثير من عواصم دول العالم; شأنها شأن أي عاصمة خدمية في دولة نامية, مركزية اداريا, تتعذر فيها الخدمات عموما إن لم تندر في كثير من المدن بنفس الدولة, بما يستحيل معه إقناع الناس بالانتقال من القاهرة إلي سواها من المدن مهما أمطرنا الناس بوعود وردية حالمة; فالناس تعرف جيدا أن الخروج من العاصمة معناه الخروج من الجنة إلي سعير شح الخدمات وانهيار مستوياتها فضلا عن تدني مستويات الترفيه وقلة فرص العمل.. إلي آخر ذلك من عيوب العيش في الدول النامية التي لا يرتبط فيها الرزق بالمدن عموما فحسب وإنما بالعاصمة تحديدا!! وجميعنا نعرف أن استمرار هذا الوضع( الشاذ) علي ما هو عليه معناه الوحيد شلل تام مرتقب للحياة, وتفاقم للأوضاع سنة بعد سنة وجيلا بعد جيل!! وجميعنا نعرف أن فكرة انشاء مدن قريبة من القاهرة لم تكن سوي فكرة فاشلة ضاعفت المشكلة الرئيسية ولم تسهم أبدا في حلها; وجعلت من القاهرة ما يشبه مدينة كبيرة تضم عددا من مدن أزادت من أحمال هذه المدينة البائسة بأهلها, وأزادت من مركزيتها, وحولتها بطول النهار والليل إلي مرتع لسكان تلك المدن المجاورة, لا يفارقونها أبدا إلا بغرض النوم في مدنهم المزعومة تلك, ثم سرعان ما يعودون إليها ما إن يبزع خيط النهار بغية العمل والتكسب والحصول علي أجود أنواع الرفاهية( المتاحة) و(ما تيسر) من خدمات!! وجميعنا نعرف أن جل اهتمام أي حكومة( فيكي يا مصر) هو حل مشكلات العاصمة التعسة التي ارتبطت الصورة الذهنية عن مصر كلها بها; فمن أحبها أحب مصر,ومن كرهها كره مصر,لدرجة أن اسم القاهرة نفسه أصبح مجرد اسم علي الورق, وأصبح الاسم المتداول للمدينة علي ألسنة الناس هو مصر!! الدولة كلها تم اختزالها في هذه المدينة, فحملت هذه المدينة اسم الدولة كلها!! ومن ثم,فإنك قد تكتشف معي أننا قد فكرنا في كل شيء علي مدي العشرات والعشرات من سنين عمرنا الفائت وعمر أجيالنا, غير أننا لم نفكر ولو لمرة واحدة في الحل الأمثل لهذه الجدلية; علي اعتبار أنه حل يفرضه أبسط أنواع التفكير المنطقي من وجهة نظري, ألا وهو أن تترك الدولة الناس علي حالهم في القاهرة وتشرع فورا في بناء عاصمة جديدة( بجملة) المدن التي تسمح ببنائها, من نوعية تلك المدن التي تجري من تحتها الأنهار, وتحيطها وتتخللها الحدائق الغناء والأعناب وملاعب الجولف والبلابل والعصافير!! ولكن يبقي السؤال حائر: هل ترانا نبني تلك العاصمة الجديدة في الدلتا أم في الصحراء أم عند مشارف البحر أم عند مشارف خط الصعيد مثلا ؟ أم ترانا نبنيها كالعادة بجوار مدينة القاهرة علي أمل أن ينتقل إليها الناس طوعا: فمنها استخدمنا نفس الخدمات,ومنها( اسمنا) بنينا عاصمة جديدة ؟ هذا هو نمط التفكير( البليد) الذي يحرك أحداث حياتنا في كل مرة, فتكون النتيجة أننا نظل دائما وقوفا في أماكننا!! فما رأيك, إذا كنت قد اتفقت معي علي حتمية انشاء عاصمة جديدة, أن نفكر بطريقة مختلفة ولو لمرة واحدة, فنشيد هذه العاصمة في قلب سيناء هذه المرة ؟! ثم ما رأيك أن نفكر بطريقة واقعية ولو لمرة واحدة فنطلق علي هذه المدينة اسم( مصر)؟ فمنها نكون قد جذبنا الناس إلي منطقة يتحتم علينا أن نجذب الناس والاستثمار إليها إن عاجلا أو آجلا, ومنها نكون قد وفرنا علي أعدائنا مشقة التخطيط والتجهيز لانفصال سيناء عن مصر؟ ومنها نكون قد تخلصنا من ازدواجية اسم العاصمة إلي الأبد, وهذا أضعف الإيمان!! وقد يقول قائل بأن هذه الفكرة فكرة( خزعبلية); بمعني أنها فكرة حالمة غير واقعية باهظة التكاليف, ولهذا القائل أقول: وكم تساوي تكلفة هذه الفكرة في مقابل تكلفة استعادة سيناء عسكريا بعد( احتلالها) أو ربما بعد انفلاتها أمنيا ثم( انفصالها)؟ ثم كم تساوي تكلفة هذه الفكرة في مقابل تكلفة ذلك الشلل الرهيب الذي يتوعدنا إذا ما استمر معه حال العاصمة الحالية علي ما هو عليه ؟ وبالمناسبة,فإن طلوع الإنسان للقمر كان في البدء مجرد فكرة( خزعبلية) أيضا!! المزيد من أعمدة أشرف عبد المنعم