تعد الموسيقى العربية من أهم مجالات الإبداع الموسيقى العالمي، لذ فقد اتجه بعض المؤلفين الغربيين فى غمار بحثهم المثير عن مصادر جديدة للرنين الموسيقى نحو الموسيقى العربية، كمصدر لإثراء الموسيقى العربية المعاصرة، كما أدرجت دراسة الموسيقى العربية بأغلب جامعاتها الأمريكية والأوروبية، حتى إنها أصبحت موضة ثقافية فى الغرب فى عصرنا، وهذا فى حد ذاته تحول مهم يستحق التسجيل والمتابعة فى علاقات الشرق والغرب الموسيقية لما يمثله هذا الاتجاه فى الموسيقى العربية من حلقة إيجابية بين الشرق والغرب0 ........................................... .. مجمل البحث الأكاديمى للأستاذ الدكتور (شادى محمود) فى أطروحته للدكتوراه عام 2003.السمات الأساسية للموسيقى العربية وتأثيرها على بعض مؤلفات الموسيقى الغربية المعاصرة ... تأتى هذه الدراسة كمحاولة للكشف عن صفحات حوارية منسية بين الانبهار بموسيقى الغرب وعقدة الشعور بالنقص ازاءها وما ادى إلى موجة من التنكر لتراث الموسيقى العربية عند البعض، ثم جاء رد الفعل المتوقع فظهرت فئة من الدارسين والمهتمين بشئون الموسيقى تنادى بالحفاظ على تراث الموسيقى التقليدى والشعبى والعودة إليهما، ليس كركن من أركان الهوية الثقافية فحسب، بل على أساس لا غنى عنه لأى تجديد أو تطور موسيقي. وبالتالى ظهرت ثلاثة مواقف مختلفة، فهى إما موقف تقبل منبهر بموسيقى العرب، خاضع لها، أو موقف رفض متزمت متقوقع إلى حد السلفية ضدها، أو فى أفضل الحالات (وأندرها) موقف مستنير متوازن يحسن تقييم العناصر البناءة لتحقيق اندماج عضوى بين العالميين الموسيقيين الشرقى والغربي. وهى كلها تعكس حيرة الموسيقى العربى واضطراب علاقته بماضيه وتراثه وحاضره الموسيقى وفضلًا عن مستقبله. ولا خوف على تراث الموسيقى العربية من التحولات الغربية الجديدة، إذا تناولها المؤلفون الغربيون بحكمة وبصيرة، ومن منطلق متوازن، ولذلك فقد اتجه بعض المؤلفين الغربيين المعاصرين، وفى غمار بحثهم المثير عن مصادر جديدة للرنين الموسيقي، نحو الموسيقى العربية وسماتها الأساسية كمصدر لإثراء الموسيقى الغربية فى أوروبا وأمريكا، معتمدين على التراث الموسيقى العربى بما يضمه من عناصر لحنية تستمد من ذخر هائل من المقامات لكل منها تكوينه الخاص ،هذا بالإضافة إلى الضروب الإيقاعية والقوالب الآلية والغنائية والمتعددة والمتنوعة. كما أن إدماج الآلات العربية كمضمون شرقى مع وسائل الصياغة الغربية يؤكد أن هذا الاتجاه فى موسيقى الغرب إحدى الحلقات الإيجابية بين الموسيقى العربية والموسيقى الغربية.ومع بدايات القرن العشرين اهتم العديد من الموسيقيين الغربيين باستكشاف مواطن الجمال فى موسيقى الشرق. وقد جاء اهتمامهم بالتعبير فى هذه الموسيقي، وساعدهم على ذلك أن معظمهم من دول شرقية مثل روسيا والصين واليابان والهند، ومنهم من درسها عن كثب مثل (بيلا بارتوك) المجرى الذى درس الموسيقى التركية والعربية والآسيوية على السواء، وحدد فى دراسته ضرورة عدم الربط بين موسيقى الشعوب العربية والمفهوم الأوروبي، ولكنه ربط بين موسيقى كل شعب وبيئتها الناتجة منها وتاريخها وآلاتها الموسيقية وتراثها الموسيقي، وجعل من هذه النظرية وسيلة لتغيير ملامح الموسيقى الأوروبية عندما تحاكى موسيقى الشرق وتنقلها بدلا من تغيير ملامح الموسيقى الشرقية وتحريفها عند نقلها للغرب. .. ولقد كانت المحاولات فى نهاية القرن العشرين تؤكد قوة التأثير النفسى للموسيقى العربية على الموسيقى الغربية وخاصة عندما حاول كل من: آلان منكن Alan Menken الأمريكي، وموريس جار Maurice Jarre الفرنسى إدخال سمات الموسيقى العربية داخل أعمالهم الموسيقية، كالموسيقى التصويرية وحفلات الأوبرا وافتتاحيات مجمع الموسيقى بلوس أنجلوس .. هذا بالإضافة إلى محاولات جيمس هورز James Horner فى إدخال السمات الأساسية للموسيقى العربية فى فيلم (قناع زورو) The Mask of Zoro كل هذه المحاولات الغربية فى الموسيقى العربية والعديد مازال مستمرًا حتى الآن كانت من أجل المزيد من القيم والعمق والأصالة والتعبير عن طريقة لتشريق موسيقى الغرب. ويؤكد الباحث د. شادى فى رسالته العلمية، أنه رغم اهتمام مؤلفى الموسيقى الغربية باستخدام السمات الأساسية للموسيقى العربية فى أعمالهم للوصول إلى أفكار موسيقية جديدة وقيم تعبيرية غير مألوفة للمستمع الغربي، نجد أن الموسيقى العربى يحاول مجتهدًا اعتماد الصيغ الغربية كمقياس نموذجى لتطوير إنتاجه. .. اشتهر العرب بالتجارة منذ القدم وأن ما اشتهرت به الدولة الإسلامية من امتداد شاسع مكنها من أن تقصد ببضائعها وسلعها أقاليم فى أوروبا وحملت تلك السلع تقاليدها وفنونها وكانت الموسيقى بعض تلك التقاليد والفنون، وكان العرب يصنعون الآلات الموسيقية فتصدر تجاريًا الى أوروبا. .. لقد انطلقت الأغنية (الموشحة) إلى العالم الغربى من (الأندلس) فنسجت على منوالها القوالب الغنائية المتعددة التى انتشرت فى أوروبا كلها. كما أثر العرب بعد فتحهم (لصقلية) فى النصف الأول من القرن الثالث الهجرى فى هذه البلاد وفى تقاليدها الفنية على وجه الخصوص ومنها فن العمارة والموسيقي، وقد وجدت فى مكتبات صقلية مخطوطات موسيقية مهمة تركت أثرها فيما بعد على التقاليد الموسيقية فى تلك البلاد. وكان أيضًا (للحروب الصليبية) أثر واضح فيما يتعلق بأشكال المؤثرات العربية على أوروبا إذ تركت تقاليد جديدة تعلمها الغربيون من العرب ومن بينها العديد من الأشكال الموسيقية والرقصات العربية الشعبية والتقليدية. ومن أبرز المؤلفات الموسيقية الغربية فى القرن العشرين ظهر فيها التأثير العربى بشكل واضح ما يلي: شهر زاد (رمسكى كورساكوف ( 1844 – 1908) وهذه الموسيقى قد استوحاها من منبعين أولا: قراءاته وتأثره بقصص ألف ليلة وليلة وثانيًا: استماعه إلى الموسيقى الشرقية من البلاد الإسلامية التى فتحها الإسلام فى آسيا. الحركة الثانية من السيمفونية السادسة (تشايكوفسكي) (1840-1893) من ضمن أسباب اقتراب موسيقى تشايكوفسكى من أذن المستمع العربى هو الفتح الإسلامى الذى وصل إلى آسيا الصغرى فتأثرت هذه البلاد بالإيقاعات والألحان العربية. اسكتشات قوقازية من المجموعة 710 (لإيفانوف) (1859 – 1935) بعد أن عاش المؤلف الموسيقى إيفانوف عشر سنوات بالقوقاز سمحت له بالتعرف على الموسيقى الشرقية والأجواء الإسلامية، وهذه الموسيقى ترمز إلى حياة القوقاز وخاصة فى الصورة الثالثة المسماة فى المسجد نجد لحنا جميًلا يصور الأذان.موسيقى (أطفال الملجأ) لجان فيليب 1927 وهى موسيقى شرقية مستوحاة من الموشحات الغربية والإيقاعات العربية العرجاء ولكن فى نسيج لحنى أوركسترالى فى مقام الليديان والمؤلف الفرنسى الأصل. كونشرتو الحرب (ليماكازامكل) .1960 هو موسيقى إيطالى حصل على الجنسية الأمريكية وألف هذا الكونشرتو بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 لدق طبول الحرب ضد العرب، مستخدمًا آلات القانون والعود والطبلة ودفعها بأدوار أساسية داخل الأوركسترا من خلال حفنة المقامات النهاوند والكرد.