وزارة «التعليم العالي» تستقبل 4 ملايين طالب بالفصل الدراسي الثاني للمعاهد والجامعات    الصور الأولى من حادث انهيار سور دير أبو فانا بالمنيا    معرض «كنوز مطروح» يفتح أبوابه لاستقبال الجمهور ببنها الأحد المقبل    وزير الخارجية من ليوبليانا: سلوفينيا بوابة واعدة لتعزيز حضور الصادرات المصرية في أوروبا    مصر تعلن دعم إستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية وايران    الليلة.. الأقصر تستقبل ابنة ترامب وزوجها في جولة سياحية بالمحافظة    تشييع جثمان سيف الإسلام القذافى لمثواه الأخير فى بنى وليد بليبيا.. أنصار النظام السابق يطالبون بتحقيق عاجل وشفاف فى جريمة الاغتيال.. ومصدر يكشف ل اليوم السابع: تمت تصفيته ب28 طلقة بعد تعطيل كاميرات المراقبة    الدوري الممتاز، مودرن سبورت يتعادل سلبيا مع الجونة في الشوط الأول    مؤتمر جوارديولا: يجب أن أدين من يقتل الأبرياء.. وهالاند أفضل مهاجم في العالم    الزمالك يهزم طلائع الجيش فى انطلاق المرحلة الثانية بدورى محترفى اليد    ضبط 4 سيدات بتهمة التعدي على عاملة داخل محل بالإسكندرية    إحالة عاطل للمحاكمة بتهمة فرض إتاوات على المواطنين من أجل ركن السيارات    جنى عمرو دياب تقدم أغنية باللغتين العربية والإنجليزية في إعلان    ليلة في حب يوسف شاهين بالمعهد الفرنسي.. نقاد ومبدعون: سينماه خالدة مثل أدب شكسبير    وكيل الصحة بالدقهلية يستقبل مساعد الوزير بموقع مستشفى شربين الجديد    علامات تؤكد أن طفلك مريض بجرثومة المعدة    الجيش الإسرائيلي يقوم بعمليات نسف موسعة للمنازل في غزة    أسعار الفراخ فى رمضان.. رئيس شعبة الدواجن يبشر بخفضها بعد طفرة الإنتاج    وزارة «التضامن» تبدأ تحصيل قيمة تذكرة الطيران للفائزين بقرعة حج الجمعيات الأهلية    ترامب يربط تمويل 16 مليار دولار في نيويورك بوضع اسمه على مطارات ومحطات    رئيس الحكومة اللبنانية يتسلم الورقة الأولية للخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية    محمد عثمان الخشت: التسامح المطلق شر مطلق.. ولا تسامح مع أعداء الدولة الوطنية    الأزهر للفتوى يوضح حكم الصيام بعد النصف من شعبان    منتخب مصر للشابات يخسر أمام بنين بهدف في ذهاب التصفيات المؤهلة لكأس العالم    بلدية المحلة يكتسح ديروط برباعية فى دورى المحترفين وبروكسى يهزم وى    صحة الشرقية توضح حقيقة شكوى مواطنة من غياب أطباء مستشفى أبو كبير    افتتاح 3 مساجد جديدة بعد الإحلال والتجديد بالقليوبية    الجامعات والمعاهد تنهي استعدادها لاستقبال 4 ملايين طالب مع بدء الفصل الدراسي الثاني    أمن الأقصر يضبط عنصر إجرامي بحوزته 15 طربة حشيش وسلاح ناري في البياضية    فرق الفنون الشعبية المشاركة بمهرجان الثقافة والفنون تستكمل عروضها بساحة دخول معابد فيله    نائب وزير الصحة: تطبيق منظومة متكاملة لمواجهة مقاومة المضادات في 97 مستشفى نموذجيًّا    رمضان 2026 - الصور الأولى من كواليس تصوير "إعلام وراثة"    حملات على سلاسل المحال التجارية والمنشآت الغذائية والسياحية بأسوان    افتتاح جهاز الجاما كاميرا بوحدة الطب النووي بمستشفيات سوهاج الجامعية    ياسر جلال ومصطفى أبو سريع يغنيان "الحب اللى كان" من كواليس كلهم بيحبوا مودى    "تعليم بنى سويف" الأولى بمسابقة "الإبداع طموح" في مجال البحث العلمي والابتكار    تحركنا قانونيا.. أول تعليق من نقابة الأطباء على واقعة التعدي على طبيب مستشفى الباجور    غدا.. فصل التيار الكهربائي 3 ساعات عن عدة مناطق في بني سويف للصيانة    إصابة 6 أشخاص إثر حادث سير في البحيرة    بحوزته مليون جنيه وسيارة.. ضبط متهم بالتنقيب عن خام الذهب في قنا    وزير الخارجية: نعمل على خفض التصعيد مع إيران كأولوية قصوى لتجنب المزيد من الصراعات    الذهب يرتفع والفضة تتراجع وسط تباين شهية المخاطرة العالمية    سيميوني يشيد بفوز أتلتيكو على بيتيس    مصر تعلن دعمها الكامل لاستئناف المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران    تحذير من الأرصاد بالتزامن مع انطلاق الدراسة غدا.. فيديو    8 قرارات جمهورية مهمة ورسائل قوية من السيسي ل شباب مصر    الأوقاف تحيي ذكرى وفاة الشيخ كامل يوسف البهتيمي    صفاء أبو السعود: الإعلام شريك أساسي في بناء الوعي المجتمعي ونشر المفاهيم السليمة    المساجد تمتلئ بتلاوة سورة الكهف.. سنة نبوية وفضل عظيم يوم الجمعه    معهد الشرق الأوسط بواشنطن يستضيف وزير البترول والثروة المعدنية في لقاء موسع    جيش الاحتلال الإسرائيلى يعتقل 60 فلسطينيا من الضفة الغربية    صفقات الدوري الإيطالي في ميركاتو شتاء 2026.. أديمولا لوكمان يتصدر القائمة    6 فبراير 2026.. أسعار الحديد والأسمنت بالمصانع المحلية اليوم    بتوقيت المنيا.... تعرف على مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 6فبراير 2026    لماذا لا تقبل شهادة مربي الحمام؟.. حكم شرعي يهم كثيرين    فرح يتحول لعزاء.. تفاصيل وفاة عروس وشقيقتها ويلحق بهم العريس في حادث زفاف المنيا    بعثة الزمالك تتوجه إلى زامبيا استعدادًا لمواجهة زيسكو بالكونفدرالية    بعد حديث ترامب عن دخول الجنة.. ماذا يعني ذلك في الإسلام؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أغلب الظن أنهما التقيا في غرفة الانتظار‏
نشر في الأهرام اليومي يوم 16 - 04 - 2010

,‏ بإحدي العيادات‏.‏ يجيء النحيل أولا‏,‏ ويتخذ مجلسه‏,‏ منتقيا مادة للقراءة‏,‏ من بين ما يتناثر أمامه في أناقة‏.‏ وبعد قليل‏,‏ يدخل البدين‏,‏ وما أن تقع عيناه علي الآخر حتي يهتف‏:‏ '‏ غير معقول‏.‏ مستحيل‏.‏ أنت‏!‏؟ بعد كل هذه السنين‏!'‏
مصافحة وعناق حميم وقبلات من جانب البدين‏,‏ ونظرة اندهاش وحرج علي وجه النحيل‏,‏ الذي ينحني شيئا ما نحو الآخر‏.‏ ويتمتم‏:‏
‏'‏ أهلا وسهلا يا أفندم‏!'‏
لا يمهله البدين‏,‏ حيث يتراجع كالمهان‏,‏ ويصيح‏:‏
‏'‏ أفندم‏!‏ أنا أفندم؟ هكذا يا صاحبي؟ لا تتذكرني‏.‏ صحيح أنك رجل قليل الأصل فعلا‏,‏ أنا‏....‏ ولكن كلا‏,‏ علي الطلاق بالثلاثة من زوجتي الاثنتين لن أقول لك أي شيء قبل أن تتذكرني بنفسك‏.'‏
فيما عدا البدين والنحيل‏,‏ هناك مجموعة من الشباب‏,‏ يقفزون تباعا‏,‏ من فوق جسر‏,‏ يطل علي هوة سحيقة‏,‏ وهم مربوطون بحبال مطاطية‏,‏ فيما يبدو‏,‏ وفي سقوطهم يصرخون‏,‏ فتجذب أصواتهم البدين‏,‏ ما إن يجلس‏,‏ فيشاهدهم بتركيز مبالغ فيه‏,‏ معرضا عن النحيل‏,‏ وراسما علي وجهه أمارات غضب صبياني وعتاب‏.‏ والآخر لا ينظر نحو شاشة التليفزيون‏,‏ بل نحو صاحبه القديم‏,‏ المجهول حتي الآن‏,‏ ينظر نحوه في رجاء أخرس‏,‏ عاقدا حاجبيه‏,‏ مقلبا جميع دفاتره القديمة بسرعة جنونية‏,‏ دفاتر الخمسين عاما‏.‏ يخيب مسعاه‏,‏ فيبدأ مراجعة منهجية لذكرياته ومعارف ماضيه‏,‏ انطلاقا من الطفولة المبكرة‏,‏ ويري في ذلك شبها بما يقوم به مع الطبيب المنتظر‏,‏ فيرحب بالعملية كتمرين‏.‏ الثقة التي تحدث بها البدين منذ قليل توحي بعلاقة وثيقة‏,‏ وغير قديمة العهد بالمرة‏,‏ قرابة‏,‏ نسب‏,‏ زمالة‏,‏ صداقة قطعتها الظروف‏,‏ لكن متي وأين؟ هل قابله هنا من قبل؟ غير ممكن‏.‏
تقترب موظفة الاستقبال‏,‏ الجميلة بطبيعة الحال‏,‏ لتسجل بيانات كل منهما‏.‏ اقترب الفرج‏,‏ يفكر النحيل‏.‏ ممكن أسجلها بنفسي‏,‏ يطلب البدين‏.‏ طبعا‏,‏ توافق الموظفة جاهلة بكل شيء‏.‏ تصر علي أن يشربا شيئا‏,‏ حتي يحضر الطبيب‏.‏ يطلب البدين أي عصير طازج‏,‏ عدا البرتقال والليمون والجوافة‏,‏ ويطلب النحيل قهوة سادة‏,‏ ويبدو كمن يعول علي فنجان القهوة ذاك لمعاونته علي التذكر‏.‏ علي الشاشة‏,‏ تتحدث واحدة من جماعة القافزين‏.‏ تحكي كيف تعرفت بزوجها في معسكر للقفز مثل هذا‏,‏ وأنهما تعهدا بمواصلة القفز من المرتفعات طوال حياتهما معا‏,‏ إلي أن تفرقهما الأيام‏,‏ أو تمنعهما عن القفز ظروف صحية‏,‏ وهنا يضحك البدين أولي ضحكاته التي تصيب وقار المكان في مقتل‏.‏
‏'‏ يا سلام‏,‏ يا سلام‏,‏ ناس تعيش حياتها بصحيح‏!'‏
ثم‏:‏
‏'‏ أموت أنا في النط في الهوا‏!'‏
ثم ضحكة مختصرة‏,‏ مثل توقيع‏,'‏ فورمة‏'‏ مخطوفة ذات رنين‏.‏ من جانبه‏,‏ يحاول النحيل أن يتسمع أصداء هذه الضحكة بين زوايا أيامه البعيدة والقريبة‏.‏ يحاول‏,‏ بلا جدوي‏.‏
الفتي‏,‏ أبيض ممتلئ الجسم ومائل للقصر‏,‏ يضع المشروبات أمامهما‏,‏ في حرص ودربة‏.‏ يخرج البدين علبة سجائره‏,‏ معدنية ذات بريق ذهبي‏.‏ يقدم واحدة للفتي‏,‏ يتناولها بعد تردد لا يطول‏.‏ يشعل البدين سيجارته‏.‏ يلتفت الفتي نصف التفاتة‏,‏ قبل أن يذهب‏,‏ يهمس‏:‏
‏'‏ علي فكرة‏,‏ التدخين ممنوع‏!'‏
و يبتسم‏,‏ مما يمنح البدين فرصة جديدة ليربك وقار المكان ويوهن من أعصاب النحيل أكثر‏,‏ بضحكة أخري ذات رنين‏:‏
‏'‏ يخرب عقلك يا ولد‏!‏ ما أنا عارف‏!'‏
ينسحب الفتي‏,‏ محتفظا بابتسامته‏.‏ ويقول البدين‏,‏ في نبرة حازمة لصاحبه القديم‏:‏
‏'‏ طبعا أنت لا تدخن‏..'‏
‏'‏ صحيح ولكن كيف‏...'‏
‏'‏ لن أقول كلمة‏,‏ أم تريد أن ينخرب بيتي وأطلق المرأتين؟‏'‏
البدين في دورة المياه‏,‏ النحيل وحده‏,‏ يشعر براحة عظيمة‏,‏ لا يدري لماذا‏,‏ ويتساءل عن سر شعوره بالذنب‏,‏ لمجرد أنه لم يتعرف علي شخص مر بحياته ذات يوم‏.‏ يحنق علي نفسه‏,‏ لكنه يحنق علي البدين أكثر‏.‏ يقرر التوقف عن محاولة التذكر‏,‏ وعن استرضاء هذا البدين كذلك‏.‏ يتناول النحيل إحدي المجلات‏,‏ غير الطبية‏,‏ ويشرع في القراءة‏...‏يستغرق في سطورها وصورها‏,‏ وكأنه سيجد فيها مصيره الخاص‏.‏
تمر بجانبهما الموظفة‏,‏ فيستوقفها النحيل‏:‏
‏'‏ من فضلك‏,‏ هل سيتأخر الدكتور أكثر من هذا؟ نحن هنا منذ نصف ساعة تقريبا‏.'‏
ترفع حاجبا واحدا‏,‏ تتحدث ببطء‏,‏ وبضغط علي مخارج الحروف‏,‏ وكأنها تعلم الكلام لطفل معاق‏:‏
‏'‏ الدكتور لم يتأخر‏.‏ لقد أتيتما مبكرين عن الموعد بساعة تقريبا‏.'‏
يتدخل البدين‏:‏
‏'‏ لكن الوقت تغير‏.‏ بدأ التوقيت الصيفي منذ يومين‏'‏
تجيب علي الفور‏,‏ ومازال الحاجب مرفوعا‏:‏
‏'‏ ولو‏!‏ الموعد كما هو‏...'‏
البدين‏:‏
‏'‏ كنت أمزح يا آنسة‏...‏آنسة أم مدام؟‏'‏
تتجاهله‏:‏
‏'‏ علي العموم الدكتور يحاضر في ندوة بالقرب من هنا‏,‏ وسيأتي بعد قليل‏..‏بعد إذنكما‏.'‏
أنزلت حاجبها ثم مضت‏,‏ وقبل أن تختفي تماما‏,‏ بدأ البدين في محاكاة صوتها وأسلوبها‏:‏
‏'‏ الدكتور يحاضر في ندوة عن مغازلة الممرضات وموظفات الاستقبال بين كل كشفين‏,‏ وسيأتي بعد قليل ليبرهن معي علي صدق نظرياته‏..‏بعد إذنكما لأعد نفسي‏..'‏
و تتفجر ضحكاته بلا رادع‏.‏
النحيل‏:‏
‏''‏ اخفض صوتك‏,‏ أرجوك‏..'‏
البدين‏:‏
‏'‏ أراهن علي أنه يغازلها هنا فوق هذه الأريكة‏!'‏
النحيل متوسلا‏:‏
‏'‏ صوتك‏,‏ أرجوك‏!'‏
البدين‏:‏
‏'‏ أو في غرفة الكشف‏,‏ والمرضي المساكين ينتظرون‏.'‏
يرفع الفتي الأكواب‏.‏ يسأله البدين في تواطؤ‏:‏
‏'‏ ما مشكلتها هذه البنت؟‏'‏
‏'‏ مسكينة يا بيه‏,‏ عقلها خف من العمل هنا‏!'‏
‏'‏ شفي الله الجميع‏,‏ وأنت؟ ما أخبار عقلك ؟‏'‏
‏'‏ الحمد لله‏,‏ أتيت إلي هنا مضبوط جاهز‏.'‏
ضحكات البدين من جديد‏.‏
النحيف معتصم بالقراءة‏,‏ لكن البدين يجره من عزلته وكأنما يطيب خاطره‏.‏
‏'‏ هل تتردد علي هذا الطبيب منذ فترة؟‏'‏
‏'‏ هذه هي الزيارة الثالثة‏.'‏
‏'‏ هذه أول مرة بالنسبة لي‏.‏ سمعت أنه عبقري‏,‏ أو بالأصح مجنون قليلا‏.'‏
‏'‏ لا سمح الله‏!‏ الرجل كله عقل‏.'‏
‏'‏ وهل هي مسبة‏.‏ الحقيقة أنني أميل للأطباء المجانين‏.‏ تشعر معهم وكأنك في بيتك‏,‏ تكون هناك أرضية مشتركة بينكما‏...‏و لكن قل لي‏,‏ بالنسبة لحالتك هل تشعر بتحسن؟‏'‏
‏'‏ لا أدري‏.‏ أحيانا أشعر أن حالتي تتحسن فعلا‏,‏ وأحيانا أخري يهيأ لي أن شيئا لم يتغير‏,‏ وأن المسألة كلها أوهام في أوهام‏.'‏
‏'‏ الله‏!‏ أخيرا قلت شيئا جميلا‏;‏ أوهام في أوهام‏.‏ ذكرتني بالأيام القديمة يا أخي‏...'‏
‏'‏ بالمناسبة أنا ذاكرتي لا بأس بها‏,‏ ولا أدري كيف نسيتك تماما هكذا‏..'‏
‏'‏ إنه سوء حظي‏.‏ رغم أنني شخص لا ينسي‏.''‏ دون شك‏.'‏
‏'‏ لكنك كنت تستطيع علي الأقل أن تلفق لنا ذكريات مشتركة‏.'‏
‏'‏ ألفق‏,‏ كيف؟‏'‏
‏'‏ توهمني بأنك تتذكر‏,‏ وتذكر مثلا موقفا لم يقع بيننا قط‏,‏ وقد أتجاوب معك عندها وأكمل لك الحكاية من عندي‏.‏ لا بأس في بعض الخيال‏.'‏
‏'‏ والله ما أنا فاهم حاجة‏.'‏
‏'‏ هذا أحسن‏!'‏
‏'‏ وأنت؟‏'‏
‏'‏ أنا‏,‏ أنا جربت كل شيء‏,‏ ولم أعد أؤمن بشيء تقريبا‏.‏ هذا باختصار شديد جدا‏.‏ صار الأمر بالنسبة لي عادة لا أكثر ولا أقل‏,‏ غير أنني لا أتوقف عن ملاحقة الأطباء المجانين وغريبي الأطوار‏,‏ صرت مدمنا علي هذا‏,‏ مثل المهووسين بجمع الطوابع أو القوارير أو صور أحد المشاهير‏.'‏
‏'‏ تقصد أنك بدأت تتسلي بمرضك‏!'‏
‏'‏ بالضبط‏,‏ ها قد بدأت تفهمني وتسترد ذكرياتنا القديمة معا‏,‏ كم أتوق لصاحبي الذي كان‏.'‏
‏'‏ بصرف النظر عن أيامنا القديمة‏,‏ ألا تري أن في هذا شيء من الخطورة؟‏'‏
‏'‏ بمعني‏...'‏
‏'‏ أي أن تسليتك بمرضك تصير تسليما به‏,‏ بل واعتيادا له بحيث لا ترغب بجدية في الشفاء منه‏...'‏
‏'‏ إنني أري العكس‏,‏ فهكذا أنزع أنياب المرض‏,‏ وأتلاعب به‏,‏ بدلا من أن يتلاعب هو بي‏.‏ البطل هو من لا يري في معاناته إلا المغامرة واللهو‏.‏ لست بطلا‏,‏ ولكن‏...‏هذا مما تعلمته علي يد دكتور إيسا‏.'‏
‏'‏ دكتور من ؟‏'‏
‏'‏ إنه طبيب نفسي هندي أمريكي‏,‏ كان يتابع حالتي بالمراسلة‏,‏ عن طريق الإيميل‏.'‏
‏'‏ وهل هو أيضا مجنون‏,‏ عبقري يعني؟‏'‏
‏'‏ إنه الأعظم علي الإطلاق‏.‏ دخلت معه إلي عالم اليوجا والتأمل وعرفت الصفاء الروحي‏,‏ ولو للحظات مختلسة من الزمان‏.'‏
‏'‏ ولماذا لم يتم الله شفاءك علي يديه؟‏'‏
‏'‏ لقد مات‏.'‏
يبدأ البدين في البكاء فجأة‏.‏
يصل انتباه النحيل لأقصي درجة‏,‏ يتزحزح حتي حافة مقعده‏,‏ متجهم الوجه‏,‏ تجاوبا مع البؤس الذي اكتسي به وجه صاحبه‏,‏ والدموع التي تترقرق بين عينيه‏,‏ مازال وجهه ورديا وناعما ومكورا‏,‏ لكنه تحول من وجه المهرج إلي وجه العجوز المهدم الضائع‏.‏
‏'‏ انفجرت طائرته قبل خمسة أعوام‏,‏ ليتركني وحيدا‏,‏ في هذه الدنيا‏,‏ بلا سند‏.‏ شعرت باليتم لأول مرة في حياتي‏,‏ وعاودني الاكتئاب‏,‏ وعدت إلي الشراهة في الطعام وكل شيء‏.‏ ثم حاولت الانتحار مرة بعد مرة‏...'‏
تصير دموعه أغزر وأسرع تدفقا‏.‏ ويتحول البكاء بغتة إلي نحيب ونشيج موقعين‏.‏ لا يجد النحيل مفرا من النهوض‏,‏ للجلوس بقربه لتهدئته‏.‏
‏'‏ وحد الله‏!‏ وحد الله‏!'‏
‏'‏ لا إله إلا الله‏!'‏
يرتمي البدين برأسه علي صدر النحيل‏,‏ مستريحا بنصف جسده العلوي تماما عليه‏,‏ ويمعن في البكاء والعواء مثل رضيع جائع‏.‏ وهنا تدخل الموظفة‏,‏ وترفع حاجبيها الاثنين هذه المرة‏.‏ وسط دموعه‏,‏ يراها البدين‏,‏ فيتعالي صوت بكائه بحرقة أشد‏,‏ كما لو أنه رأي المرأة الشريرة التي ضربته منذ قليل‏,‏ ويرغب في أن يؤكد لأمه‏,‏ ببكائه الأخرس‏,‏ أنها هي‏,‏ هي المجرمة‏.‏ لكن أمه‏,‏ النحيل‏,‏ يزيحه مبتعدا قليلا‏,‏ تاركا يده فقط تربت علي كتف البدين بآلية‏,‏ وكأنها تتصرف بمعزل عنه‏,‏ موجها نظره للموظفة‏.‏
‏'‏ وصل الدكتور‏.‏ تفضل حضرتك‏.'‏
فيصرخ البدين‏,‏ ودموعه لم تتوقف بعد‏:‏
‏'‏ لكنني لن أحتمل الانتظار أكثر من هذا‏....‏أرجوك‏,‏ أرجوك‏,‏ لن أحتمل‏..‏أريد الطبيب حالا‏...‏آآآآآآه‏.....‏الله يرحمك يا دكتور إيسا‏...'‏
تؤثر الموظفة أن تترك لهما الاختيار‏,‏ فتمضي بلا مبالاة‏,‏ بعد أن تقول‏:‏
‏'‏ اتفقا معا‏,‏ ولكن بسرعة‏.'‏
هنا يبتعد البدين‏,‏ عن النحيل‏,‏ ويمسح عينيه بسرعة‏,‏ وينظر نحو الآخر ضارعا ولكن حازما مع هذا‏.‏
النحيل ينتظر‏,‏ وحده‏.‏ علي شاشة التليفزيون الآن برنامج عن علاقة الكلاب بأصحابها‏.‏ كل دقيقتين أو ثلاث ينظر نحو ساعة يده‏.‏ ثم يقرأ فقرة من أي موضوع‏.‏ وإذ تلفت كلمة الصبر اهتمامه‏,‏ يقرأ‏(‏ تحكي القصة عن شخص يريد الخروج من القرن العشرين‏,‏ فيعرف أن هناك وكالة سفريات تنقل الناس إلي يوطوبيا تدعي فيرنا‏,‏ في عوالم أخري موازية‏,‏ فيدفع شارلي‏-‏ وهو اسم البطل جميع أمواله لوكالة السفريات‏....)‏ ذلك الرجل البدين حالة غريبة جدا‏,‏ يضحك فجأة ويبكي فجأة‏.‏ مسكين‏.‏ و يتفوه بكلام فاحش‏.‏ كيف لا يذكره علي الإطلاق؟ من المستحيل نسيان شخص كهذا‏.(‏ تقوم وكالة السفريات بوضع شارلي ورفاقه من المسافرين في جرن قمح بمنطقة نائية‏,‏ ويقال لهم إن عليهم الانتظار في صبر‏.)‏ هو أيضا عليه الانتظار في صبر‏.‏ هذا هو الاختبار الحقيقي‏,‏ الاختبار نفسه علي الدوام‏.‏ في انتظار شيء ما‏,‏ علي الدوام‏.‏ تري ما الذي يحدث الآن‏,‏ بالداخل‏,‏ في غرفة الطبيب؟ وبعد انتظار طويل جدا وممل‏,‏ يقتنع شارلي أنه ومن معه قد وقعوا ضحايا لبعض النصابين‏,‏ الذين استولوا علي أموالهم‏,‏ فيخرج من الجرن وهو ممتعض‏.‏ ماذا لو كان البدين يسخر منه‏,‏ ويتلاعب به؟ هل هو أيضا وقع ضحية بهلوان أفاق؟ كيف انطلت عليه كذبة حقيرة وتافهة كتلك؟ عوالم موازية‏!‏ ما معني هذا؟‏(‏ وما إن يبتعد شارلي قليلا عن الجرن‏,‏ حتي يتحول المكان كله إلي تلك اليوطوبيا الموعودة‏,‏ يدرك خطأه ويحاول جاهدا الرجوع‏,‏ بلا فائدة‏,‏ لأن أوان ذلك قد فات‏.‏ وفهم عندها أن الانتظار الطويل والممل كان هو الاختبار‏,‏ من أجل فصل غير المؤمنين‏,‏ الذين شاركوا في صنع حضارة نفاد الصبر‏.)‏
‏'‏ أرجوك‏,‏ في المرة القادمة حاول أن تتذكرني‏.'‏
‏'‏ لا تقلق‏,‏ سأتذكرك علي الفور‏.'‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.