يعيش الشرق الأوسط تحديدا والعالم منذ عدة سنوات حالة غير تقليدية من التوتر وعدم الإستقرار.وسط هذا المشهد الإقليمى والعالمى المثير للقلق تم عقد أعمال المؤتمر الدولى العاشر لمنظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية الذى استضافته "اللجنة المغربية للسلم والتضامن" بالعاصمة المغربية الرباط خلال الفترة من 19 وحتى 20 أكتوبر2016 وذلك تحت شعار "معا ضد الإرهاب" بهدف تجميع الشعوب الأفريقية والآسيوية وغيرها فى مواجهة الإرهاب الذى يعصف بالعالم، وبالشرق الأوسط تحديدا، هذه الأيام. الشعوب تعانى خطر الإرهاب العابر للحدود والمتعدد الجنسيات الذى يعد الأكثر وحشية من أى موجات عنف أو إرهاب سبق أن تعرضت له شعوب العالم، وظهرت منظمات إرهابية تمتلك احدث الأسلحة التى تضاهى ما فى ترسانة الجيوش النظامية من سلاح وذخائر وقدرات مالية لاتنضب بالإضافة إلى استعانتها بوسائل إغواء لجذب المزيد من الشباب عبر الإستخدام الواسع للإعلام المرئى والمقروء والإلكترونى. الإرهاب أصبح يستهدف تقويض الدول الوطنية وتقسيمها إلى دويلات صغيرة قزمية يسهل السيطرة عليها والتدخل فى شئونها ثم فرض حكم إستبدادى فاشى عميل على الشعوب. وفى ظل تلك الموجة المدمرة وتحت مظلتها بدت موجة جديدة من الصعود السياسى للقوى المتطرفة والعنصرية فى كل من أوروبا وأمريكا والتى تنتهج مواقف معادية لشعوب قارتى أفريقيا وآسيا. وإقترن المشهد الإقليمى والعالمى الدموى العنيف بأزمات إقتصادية تولدت عن الأزمة المالية والإقتصادية العالمية المستمرة منذ سنوات. وخلال المؤتمر، الذى يعقد كل ثلاث سنوات، بحثت الوفود المشاركة من 18 دولة، برئاسة الدكتور حلمى الحديدى رئيس المنظمة ورئيس اللجنة المصرية للتضامن، دور اللجان الوطنية التابعة فى أنحاء دول أفريقيا وآسيا وسبل مواجهة الإرهاب بنشر قيم التسامح والمساواة والعيش المشترك والتبصير بالأزمات والتحديات والمؤامرات التى تتحلق حول دول القارتين، وقدمت رؤيتها حول أفضل سبل الخروج من "النفق المظلم" الذى ولدته منذ عدة سنوات ظواهر مثل الإرهاب والأزمة الإقتصادية ومخاطر التقسيم والتدخلات والهيمنة الخارجية، وأثر الصراع الروسى الأمريكى على مناطق النفوذ، والتأكيد على حق الدول النامية بالقارتين فى التنمية المستدامة. فقد أشار الحديدى إلى أن التطرف، الذى يضرب بلدانا ومناطق عدة فى العالم، أصبح لا يستهدف فقط إخضاع الشعوب لإرادته المتشددة، بل إلى تقويض الدول الوطنية وفرض حكم استبدادى فاشى مغلف بطابع دينى أو يتخفى وراءه. وخلص إلى أنه إذا كان الإرهاب الجديد الذى يواجهه "العالم كله" الآن يختلف بشكل نوعى وكمى عما سبق وأن تعرض له العالم من إرهاب فى الماضى فإن المواجهة الحالية والمستقبلية للإرهاب يجب أن تختلف بالضرورة فى ظل مرور العالم بمرحلة تشهد تطورات عالمية عميقة من شأنها أن تغير شكل النظام العالمى وعلاقات القوى فيه. وخلص الحديدى إلى مجموعة من العناصر التى وصفها ب "لاغنى عنها" للإنتصار على الإرهاب كما يلى: 1 أن تكون الحرب على الإرهاب شاملة. 2 عدم الكيل بمكيالين فى المواجهة فلا يصح أن يتم التركيز على مكان أو دولة وإهمال باقى الدول وفقا للأهواء والمصالح. 3 تجفيف المنابع الأساسية للإرهاب من بشر ومال وسلاح. 4 خوض مواجهة جادة وصارمة ضد الفكر المتطرف دينيا. وأشار الأستاذ نورى عبد الرزاق سكرتير عام منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية إلى أن العالم يشهد أكبر كارثة إنسانية فى التاريخ منذ الحرب العالمية الثانية وهى مأساة اللاجئين التى نتجت عن تدخلات الدول الخارجية وضلوعها فى تدمير دولهم ووقوفها وراء تأجيج النزاعات الطائفية التى تتسبب فى عمليات نزوح مليونية. وطالب عبد الرزاق بتحمل الأممالمتحدة والإتحاد الأوروبى للمسئولية الأخلاقية والإنسانية وحل هذه الأزمة وإنهاء أسبابها. ومن جانبه أكد مدير المكتب المركزى للأبحاث القضائية بالمغرب، عبد الحق الخيام، فى عرض قدمه أمام أعمال المؤتمر أن التطرف لا يمكن محاربته إلا من خلال تعاون أمنى فعال بين دول العالم. مشاركة مصرية وقد شاركت مصر فى ذلك المؤتمر بوفد ضم د. محمود شريف وزير التنمية المحلية سابقا وعضوية كل من السفير عمر متولى والكاتب الصحفى عبد القادر شهيب والأستاذ محمد زهران والأستاذ عصام شيحة واللواء أركان حرب متقاعد طلعت مسلم ود. سيد عبد الرسول والأستاذ محمد أبو المجد. كما شهد السفير أحمد إيهاب جمال الدين سفير مصر لدى المغرب جانبا من الجلسة الإفتتاحية للمؤتمر. وجاءت كلمة الوفد المصرى، والتى القاها د. محمود شريف، معبرة عن جذور وجوهر الأزمة والإصرار المصرى على إنهائها. فقد نبه د. شريف إلى النية المبيتة، لدى الدول الغربية الكبرى بزعامة الولاياتالمتحدة، لإضعاف الدول العربية تحديدا وتقسيمها وإفقادها استقلاليتها. وذكر الحضور بماقالته كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة من سعى أمريكى لإقامة "شرق أوسط جديد" يتمثل فى وجود إسرائيل قوية تحيط بها "دول عربية صغيرة". كما أشار إلى ما كتبه رئيس سابق لجهاز الموساد الإسرائيلى عن كيفية تقسيم خمس دول عربية رئيسية وتحويلها إلى خمس عشرة دويلة صغيرة مفتتة بلاجيوش. ونبه إلى فشل قوى كبرى فى الفصل والوقيعة بين الجيش والشعب فى مصر نتيجة إلتحامهما معا منذ سبعة آلاف عام. وأن ما تشهده مصر من وجود خلايا ولجان نوعية إرهابية ليست إلا جزءا جوهريا من تنفيذ المخطط الخارجى لتدمير مصر ولكن مصر المتحدة القوية ستستمر فى القتال ضد الإرهاب. وقد شارك كل من عبد القادر شهيب عضو مكتب السكرتارية باللجنة المصرية والأستاذة كريستين جمال مسئولة القسم الدولى بمنظمة التضامن فى أعمال لجنة الصياغة الخاصة بإعلان الرباط والبيان الختامى الصادر عن المؤتمر. البيان الختامى وجاء البيان الختامى "إعلان الرباط" محتويا على النقاط الأساسية التى إجتمع المشاركون فى المؤتمر عليها: فقد طالب المشاركون شعوب أفريقيا وآسيا باليقظة والمواجهة الشاملة لحماية النفس والدولة الوطنية والحفاظ على مصالح دولهم وأمنها وسلامتها والعمل على إحباط كل المخططات التى تستهدف فرض الهيمنة الأجنبية. كما أكد الحضور أهمية اللجوء إلى الحلول السلمية والإلتزام بها فى حل كل النزاعات والصراعات بما فيها الصراعات الحالية فى الشرق الأوسط وفى بحر الصينالجنوبى. وفيما يتعلق بالتنمية تم التأكيد على حق شعوب آسيا وأفريقيا فى تحقيق التنمية المستدامة فى ظل نظام إقتصادى عالمى عادل يوفر فرصا متكافئة ويقلل الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية. وأعلن المشاركون عن وقوفهم بحزم للدفاع عن دولهم الوطنية فى مواجهة مخططات التقسيم والتدخل الخارجى فى الشئون الداخلية. وعن إيمانهم بشمولية وعالمية الحرب ضد الإرهاب وأنها يجب أن تتسع لتشمل مواجهة جادة وصارمة للفكر الدينى المتطرف ولقيم التعصب والتمييز من خلال نشر قيم التسامح والمساواة والعيش المشترك. وأن النصر لن يتحقق إلا بالتعاون الشامل بين جميع الشعوب. كما تم التنبيه على الحاجة إلى إستمرار عمليات الإصلاح السياسى فى الدول الأفريقية والآسيوية. وفيما يتعلق بالأزمات فى كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن وفلسطين تمت الإشارة إلى أهمية الإلتزام بالقرارات الدولية المعنية بحل الأزمات هناك وبعدم التدخل الأجنبى الغربى وغير الغربى فى الشئون الداخلية للدول سالفة الذكر وبأهمية مساندة تلك الدول للخروج من الأزمة عبر مسارات تفاوضية سلمية وتنفيذ عمليات إنتقال سياسية سلمية وفق ما نصت عليه مقررات مجلس الأمن ذات الصلة ومنع أى دعم لجماعات العنف والإرهاب العاملة هناك مع التوصية برفع الحظر عن توريد السلاح للجيش الليبى والمحافظة على وحدة البلاد. وفيما يتعلق بفلسطين تم التأكيد على المطالبة بإنهاء معاناة الشعب الفلسطينى عبر إحياء حل الدولتين ليحظى الشعب الفلسطينى بدولته المستقلة، وعاصمتها القدس، على كامل الأراضى الفلسطينية المحتلة منذ عدوان يونيو 1967. وتم الترحيب بإعلان عام 2017 عاما لإنهاء الإحتلال الإسرائيلى لفلسطين، وإحالة الحكومة الإسرائيلية إلى المحكمة الجنائية الدولية لمعاقبتها على ما ارتكبته من جرائم ضد الفلسطينيين. وأعلن المشاركون تضامنهم مع لبنان حتى يتم تحرير كامل أراضيه وينتصر على الإرهاب وكذلك تونس. وتمت الإشارة إلى أن ما يشهده السودان من مشكلات وعدم استقرار يتطلب توافقا وطنيا لتهدئة الأحوال أمنيا ثم وضع خطة للإصلاح متضمنة آليات التنفيذ. أما دولة جنوب السودان فلايوجد سوى التوصل إلى حل سياسى لأزمته حتى تنتهى حربه الداخلية. وأكد المشاركون على وحدة التراب المغربى ودعم الحل السلمى الخاص بمشكلة الصحراء عن طريق الحكم الذاتى. ودعا المؤتمر إلى تحقيق عالم خال من الأسلحة النووية وكافة أسلحة الدمار الشامل، وضرورة علاج قضايا البيئة بطريقة لاتؤثر بالسلب على "حق شعوبنا فى أن تأخذ فرصتها فى التنمية المستدامة". ونددالمؤتمر بقانون "جاستا" الأمريكى لأنه يقوض مبدءا دوليا سائدا منذ عقود يتمثل فى السيادة القانونية للدول الوطنية ويفتح الباب لنهب ثروات الشعوب!! ووجه البيان دعوة إلى عقد مؤتمر عالمى لمواجهة الإرهاب بعيدا عن "التحالفات غير الجادة". وهكذا إتحدت إرادات لجان شعوب دول أفريقيا وآسيا فى مواجهة أخطار الإرهاب والتقسيم والهيمنة الخارجية ولم يبق سوى تحويل الإرادات إلى واقع ملموس يخرج بشعوب القارتين من دوامة التهديدات والمخاطر التى تحدق بها.