يعتبر البعض نتائج الانتخابات المحلية التى شهدتها الولايات الألمانية اعتبارا من مارس الماضي، ووصولا إلى ما جرى فى اقتراع ولاية «ساكسونيا السفلى» قبل أيام مؤشرا على التوجه الاحتجاجى للناخب الألمانى إزاء سياسات التحالف الحاكم بزعامة أنجيلا ميركل، وتحديدا ما يتعلق بأزمة قبول اللاجئين. وأنها تمهيد لهزيمة مساعى ميركل المحتملة للفوز بفترة ولاية رابعة فى الانتخابات العامة المقرر لها سبتمبر 2017. والحقيقة أن ذلك التقدير، وإن كان ليس كله إدعاء، لكن ينقصه الكثير من الدقة، فيمكن الدفع بأن ما جرى من انتخابات وما سبقها من جدل وما انتهت اليه من نتائج، يكشف عن تحول فعلى فى النظام السياسى القائم فى ألمانيا، أكثر من الانقلاب المطلق على حكم ميركل. فيلاحظ الانتقال من «الهيمنة الحزبية» لصالح أحزاب التحالف الحاكم الرئيسية وهي: الاتحاد المسيحى الديمقراطى لزعيمته ميركل، وشريكها الحزب الاشتراكى الديمقراطي، إلى «التعددية الحزبية» بصعود أحزاب وسطية كانت من قبل غير ذات تأثير عظيم مثل حزب الخضر، والحزب اليساري، وطبعا الصعود الأهم للحزب اليمينى المتطرف، البديل من أجل ألمانيا. لا يعنى ذلك الخروج الوشيك لميركل وأحزاب التحالف العتيد، بقدر ما يمهد إلى مرحلة «الاستمرار المؤلم» فى إطار إعادة تشكيل هيكل البوندستاج «البرلمان الألماني» فى دورته المقبلة، وبالتالى إعادة تشكيل آليات عملية اتخاذ القرار، بحيث لا تكون على توافقها السابق مع توجهات ميركل. تشتمل الأدلة المؤيدة لذلك التقدير على نتائج الجولات الانتخابية الثلاث التى شهدتها البلاد منذ مارس وحتى 12 سبتمبر الجاري. ففى جولة مارس، جرت الانتخابات فى ولايات بادين فورتمبرج، وساكسونى أنالت، ورانيلاند بالاتينات، وانتهت إلى تقدم واضح لصالح حزب البديل الذى بلغ نصيبه من الأصوات ما لا يقل عن 20% فى الولايات الثلاث، وتراجع أكثر وضوحا فى حظوظ الاتحاد المسيحى الديمقراطي. لكن يلاحظ فى الولايات الثلاث أن الزعامة بقت إما لصالح الاتحاد المسيحى كما فى حالة ساكسوني، أو الحزب الاشتراكى فى حالة رانيلاند، أو الخضر فى ولاية بادين. ويعنى ذلك استمرار الزعامة فى أوساط الأحزاب الوسطية المتوافقة مع سياسات ميركل والاتحاد المسيحي. وفى حالة انتخابات مطلع سبتمبر الجارى بولاية «مكلنبورج بومراني»، تصدر الحزب الاشتراكى أيضا لقائمة الأحزاب بنسبة أصوات 30%، وإن جاء حزب البديل ثانيا بنسبة أصوات بلغت ما بين 20 و21%، وحل حزب ميركل ثالثا بنسبة 19% من إجمالى الأصوات. وتكمن أهمية « مكلنبورج» فى أنها مسقط رأس ميركل شخصيا وأحد المعاقل التقليدية المساندة للاتحاد المسيحي، بما يعنى أنه حتى مع تصدر الاشتراكيين، إلا أن إزاحة حزب ميركل إلى المرتبة الثالثة لصالح البديل، يبرهن على سقطة عظمى، ولكن قراءة أعمق توضح أن للسقطة تفسيرا منطقيا. فمكلنبورج، أحد ولايات ألمانياالشرقية سابقا، ويلاحظ من تتبع وتيرة التصويت وتحليل توجهات الناخبين إجمالا، ميل أكبر فى الولاياتالشرقية، بالمقارنة مع نظيرتها الغربية، لمعاقبة الإتحاد المسيحى وتزايد واضح فى مساندة حزب البديل فى مرحلة ما بعد اعتماد حكومة ميركل لسياسة «الباب المفتوح» أمام أفواج اللاجئين الوافدين من مناطق النزاعات فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فالناخب فى الولاياتالشرقية أقل استقرارا سياسيا واقتصاديا، بالمقارنة مع قاطنى الولاياتالغربية، وهو ما يعكس سرعة تأثره وتجاوبه الأسرع مع خطاب حزب البديل حول التهديد الثقافى والاقتصادى الذى يمثله طالبو اللجوء. يتأكد ذلك بانقلاب النتائج لصالح ميركل وحزبها، مرة ثانية، فى ولاية ساكسونيا السفلى، إحدى ولايات الغرب الألماني، حيث كشفت نتائج الانتخابات عن تصدر التحالف المسيحى بنسبة 34٫4% وإن كان بتراجع عن نسبة 37% فى دورة 2011 الانتخابية، وجاء البديل من أجل ألمانيا رابعا بنسبة 7٫8% فقط لا غير، وبينهما الحزبان الاشتراكى والخضر، ويتوقع أن يحافظ الإتحاد المسيحى على ذات الأداء الجيد خلال الانتخابات المحلية المنتظرة فى برلين، مقابل تراجع مستمر للبديل. يعنى ذلك أن حزب البديل ورغم حداثة عهده، فقد بدأ نشاطه قبل ثلاث سنوات لا أكثر، إلا أنه نجح فى الاستفادة بالكثير من العوامل الظرفية، وفى مقدمتها أزمة اللجوء والجدل القومى حول مدى صحة رؤية ميركل بالاستمرار فى قبول الوافدين، وتزايد المخاوف إزاء التهديد الثقافى والأمنى الذى تتضمنه قضية اللجوء، خاصة مع تكرار حالات الربط بين المهاجرين الوافدين إلى المانيا ووقائع إعتداء وهجمات إرهابية داخل الأراضى الالمانية وخارجها. ويعنى أيضا أن حزب البديل لن يزيح ميركل، وحزبها تماما، لكن صعوده ومعه باقى الأحزاب الوسطية الصغيرة، مثل الخضر واليسار، يجلعهم جزءا أكثر فاعلية من تشكيل البوندستاج القادم، والذى تسيطر أحزاب الائتلاف الحاكم على حوالى 80% منه حاليا. لكن لا يفترض تعليق جميع أسباب التحول السياسى فى ألماني، على كاهلى حزب البديل. يوجد أيضا التعامل المتذبذب لميركل ذاتها، فيما يخص سياسات اللجوء، والتى أجرت مراجعة لها. فبعد سياسة الإنفتاح، تحولت ميركل إلى توازن أكثر واقعية بين استمرار التمسك بخيار قبول الوافدين وأهميتهم لدعم حاجة الاقتصاد الألمانى للأيدى العاملة الشابة، من جانب، ووضع معايير لقبول الوافدين وآليات حاسمة سريعة للتخلص من غير المؤهلين والمندمجين منهم، من جانب آخر. واتجهت ميركل أيضا، إلى التعامل الحاسم والجاد مع أحد عوامل التراجع لحزبها، والمتمثلة فى حالة الشقاق السياسى الداخلى مع الشقيق الحزبى للاتحاد المسيحى فى إقليم بافاريا، وتعمد زعيمه هورست زيهوفر استغلال حملة الانتقادات العامة بحق ميركل وسياساتها للمزايدة عليها وأملا فى تمثيل انتخابى أفضل فى انتخابات 2017. لكن هذه التحولات فى مقاربات ميركل، لن تؤمن تراجعا عن إعادة الهيكلة فى تشكيل البوندستاج والنظام الحزبى الألمانى إجمالا، وإنما تحافظ على تمثيل أكبر وإن كان غير مطلق على غرار ما كان عليه الحال بالنسبة لأحزاب التحالف الحاكم وتحديدا الاتحاد المسيحى الديمقراطى خلال السنوات الأخيرة.