يعيش أصدقاء أتراك من الرافضين لممارسات حزب العدالة والتنمية ورجب طيب أردوغان أياما صعبة فى العواصمالغربية.. غادر كثيرون منهم البلاد بعد إحكام الاسلاميين القبضة على الحكم، ويرون فى استمرارهم نقمة على تركيا.. بعضهم بالفعل يعيش فى حالة اكتئاب ولا يرون خلاصا من الوضع الراهن لكنه فى كل الأحوال خيار الشعب التركى وحده فى تحديد مستقبله السياسى .. وكل شعب يتعامل مع حكامه وفقاً لمعطيات وحقائق المجتمع وليس وفقا لما يراه الآخرون بدليل أن المصريين فى 30 يونيو خرجوا بالملايين ضد جماعة أقرب لجماعة أردوغان وخصمه فتح الله جولن ولم يلتفتوا لمسألة الشكل الديمقراطى الذى تحول الى كابوس على يد جماعة الاخوان واليوم يرى أتراك أن الشكل الديمقراطى يحمل تبعات كارثية على مستقبل الحكم ويمهد الطريق لديكتاتورية من نوع جديد لكنهم يعطون الوضع الراهن فرصة نتيجة تعقيدات كثيرة. منطق المواطنين الأتراك فى الداخل فى التعامل مع ما يجرى ربما يبدو مختلفا عمن يعيشون فى الخارج. فى منتدى دافوس العام الماضى قابلت زميلة دراسة تركية فى احدى الجامعات البريطانية -قبل 15 عاماً- تنتمى قلبا وقالبا للتيار الليبرالى ودهشت عندما قالت لى إنها تعمل فى وظيفة مرموقة الى جوار زوجة أردوغان. العجب يزول عندما تتعامل مع فئات من الأتراك لا يرون فى السياسة الأبيض والأسود فقط ولكنهم يعلمون أن بين اللونين درجات كثيرة ولذلك ما يجرى فى بلادهم اليوم هو فصل من التاريخ وليس صناعة التاريخ بأكمله أو دفعة واحدة.. يعلم الأتراك أن بلادهم فى مفترق طرق السياسة العالمية اليوم وبحكم علاقاتها المرتبكة مع اوروبا وموقعها فى حلف شمال الأطلنطى ودورها الغامض فى صراعات المنطقة العربية ووقوفها رأس حربة فريق الاسلام السياسى على المستوى الاقليمى وحركتها فى الفضاء التركى فى أسيا الوسطى يجعلها بلدا يسير على حسابات دقيقة ولا يجب أن يتعرض لتقلبات فجائية حتى لو كان هناك خطر يتمثل فى تغيير طبيعة الدولة بعيدا عن مباديء كمال أتاتورك. يتصرف عامة الأتراك باعتبار بلدهم امبراطورية قديمة تناطح القوى الغربية وروسيا فى صراع النفوذ السياسى والاقتصادى والثقافى فى محيطها وهو ما يستخدمه أردوغان فى خطته الطموح التى يريد من خلالها اقناع الأتراك أنه قادر على استعادة المجد القديم من خلال مشروع تقع الأيديولوجية الدينية فى قلبه وهى الفكرة الوحيدة القادرة على دغدغة مشاعر الجيران العرب واقامة فضاء واسع للمصالح التركية بعد تراجع المد القومى العربى وتلويح الدولة الأكبر فى العالم-الولاياتالمتحدة- بتقليص وجودها فى الشرق الأوسط. لهذا السبب، تترك تركيا دائما الباب مواربا فى علاقاتها الخارجية مع الدول الكبرى واسرائيل وتبحث عن مخارج لاصلاح العلاقات مع العواصم المؤثرة بينما تبدى تشددا مع دول وحكومات تراها هدفا لمشروع الهيمنة الجديد فى الشرق الأوسط وتضع مصر وسوريا والعراق فى تلك الخانة وتحتضن على أراضيها الفارين من الحركة الاسلامية من تلك الدول. ولا توجد تقديرات استراتيجية عن حجم انتشار أفكار تركيا الكبرى خارج معسكر الاسلاميين وحزب السلطة، أقصد التيار القومى التركى والتيار العلماني، وما يمكن أن يفعلوه لو وصلوا للسلطة فى تلك الحسبة الاقليمية الجديدة والمعقدة. لا أبالغ لو قلت إن الشعب التركى بما يحمله من براجماتية وجينات الندية فى التعامل مع القوى العالمية الأخرى يقدم لنا نموذجا مختلفا فى التعامل مع قضايا الشان الداخلى والخارجي. لم يخرج المواطنون الرافضون لسياسات أردوغان لمساندة الانقلاب لأنهم يعرفون الأطراف المحركة وأنه صراع بين فريقين كانا حتى الأمس القريب حليفين وشريكين فى صعود الظاهرة الاسلامية فى بلادهم وبالتالى ليس من مصلحتهم استبدال أردوغان بآخر شبيه له )! وبمنطق العقلانية أيضا يحرص غالبية من الأتراك على منع انزلاق بلادهم فى صراع داخلى وهم لديهم بالفعل من صدام مع الجماعات المسلحة فى سوريا التى انقلبت على الحليف التركى والمواجهات المتزايدة مع الأكراد فى جنوب شرق البلاد. كثير من الفرص التى يحصل عليها أردوغان للبقاء فى الحكم رغم سياسته الخرقاء فى السنوات الأخيرة يعود الى النضج فى التعامل مع الشأن العام بين عامة المواطنين وليس نتيجة حصافته السياسية مثلما يروج أنصاره ويستغل الأردوغانيون حالة النضج تلك فى توسيع هيمنة تياره داخل أجهزة الدولة والمؤسسات العامة وهو ما سيخلق تنافرا بالقطع مع قطاعات واسعة من التيارات الرافضة لأيديولوجية العدالة والتنمية وتلك القطاعات بالفعل لم تمنحهم الأغلبية فى انتخابات يونيو 2015 )40 % فقط (ثم حصد حوالى)50 % (فى اعادة الانتخابات فى نوفمبر الماضى ويومها قال أردوغان ان الأتراك صوتوا لمصلحة الاستقرار ولم يقل شيئا آخر لأنه يعلم أن شعبيته لم تعد مثلما كانت قبل 10 سنوات. قبل أيام من محاولة الانقلاب العسكري، قال محلل تركى بارز لصحيفة «نيويورك تايمز» إن السفينة تتجه بقوة وعنف للاصطدام بصخرة ، فى اشارة الى سياسات أردوغان الصدامية والخصومة مع الصحافة والقضاء والمجتمع المدنى ويبدو أن الشىء الوحيد الذى خفف من الارتطام العنيف . هو عقلانية المواطن التركى فى التعامل مع حالة الاستقواء بالسلطة، فقد وجه الناخب الانذار للحزب الحاكم والرئيس قبل عام فقط ولم تصل الرسالة وهو ما يعنى أن صدامات كثيرة قادمة)! [email protected] لمزيد من مقالات عزت ابراهيم