الديب وأبوزيد في جولة الإعادة لحسم منصب نقيب المهندسين بقنا    رئيس جامعة القاهرة يهنئ الرئيس السيسي والقوات المسلحة بذكرى انتصار العاشر من رمضان    التعليم تتخذ إجراءات عاجلة بشأن اصطحاب الهواتف المحمولة في المدارس    أسعار الخضراوات والفواكه بأسواق كفر الشيخ    إسرائيل تغلق مجالها الجوي عقب شن هجوم على إيران    صحيفة إسرائيلية: إحدى الضربات في طهران وقعت بالقرب من مكتب خامنئي    رئيس الوزراء السوداني: وقعنا اتفاق مشترك مع مصر بشأن ملف المياه    اليوم.. محاكمة التيك توكر نرمين طارق لاتهامها بنشر مقاطع فيديو خادشة للحياء    ملتقى الجامع الأزهر يناقش الأمن الفكري وسبل الحفاظ عليه في رمضان    90 دقيقة متوسط تأخيرات «بنها وبورسعيد».. السبت 28 فبراير 2026    بعد تعرضه لوعكة| تطورات الحالة الصحية للإمام الأكبر أحمد الطيب    تحديث لحظي لسعر الذهب اليوم 28 فبراير| عيار 21 وصل لكام؟    كندا تعلن نقل بعض دبلوماسييها من إسرائيل على خلفية توترات الشرق الأوسط    حياة كريمة فى الغربية.. الانتهاء من مشروعات الرصف والتطوير ببسيون    نشرة أخبار طقس اليوم السبت 28 فبراير| الأرصاد تحذر من برودة وأمطار    أيهما أفضل لصحتك؟.. الصودا الدايت أم العادية    تعرف على تفاصيل تصدر ضياء عبد الخالق تريند جوجل    خرجت لشراء مستلزمات رمضان.. فعادت جثة    في مواجهة جريمة الإحتكار.. الداخلية توجه ضربات قوية ضد محتكري السلع    بين الاعتراض والقبول.. تأخر قانون الأحوال الشخصية سببه إشكاليات جديدة    ثنائية رمضانية للأوبرا.. أنغام نورانية للإنشاد بمعهد الموسيقى    بعد تعرضها لحادث.. غادة إبراهيم تستكمل تصوير «المتر سمير»    صحاب الأرض دراما الآلم والأمل.. أساتذة الإعلام: دراما تفرض حضورها    "مواليد 100 عقبة؟".. بيزيرا بين الحصول على اللقطة والتأقلم في مصر    تحطم طائرة شحن عسكرية في بوليفيا وسقوط 15 قتيلاً و30 مصابًا    هل كُتبت السنة بعد 300 عام؟.. باحث في الشريعة الإسلامية يُجيب    دعاء الليلة العاشرة من شهر رمضان.. نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    لقطة إنسانية بين الخطيب وأحمد مرتضى في عزاء أسطورة الترسانة تشعل منصات التواصل    سحور ذكي | 5 أطعمة تمنحك الطاقة وتشبعك حتى الإفطار    ترامب: لا تخصيب لليورانيوم الإيراني ولو حتى بنسبة 20%    ترامب يأمر الوكالات الفيدرالية بوقف استخدام تكنولوجيا شركة ذكاء اصطناعي    ألمانيا تأمر بسحب سيارات بي إم دبليو من أنحاء العالم بسبب خطر اشتعالها    مجلس النواب يوافق على إدراج مناقشة تأخر تكليف خريجي الكليات الطبية ضمن جدول الأعمال    كامويش وآخرون.. من الغائبون عن الأهلي أمام زد؟    هذا آخر ما قاله شعبان عبد الرحيم قبل وفاته: الدنيا هتطربق بعد ما أموت    وفاة الفنانة الشابة إيناس الليثي    وفاة مفاجئة لممثلة شابة.. تعرف على التفاصيل    الزمالك يهزم سبورتنج فى المرحلة الثانية بدورى محترفى اليد    الرقابة الشعبية الرقمية في مواجهة احتكار السوق وجشع التجار    الخارجية الأمريكية تؤكد دعم حق باكستان في الدفاع عن نفسها ضد طالبان    وزير الخارجية العماني: إيران وافقت على عدم الاحتفاظ باليورانيوم المخصب    معهد التغذية يكشف عن أفضل سحور صحي    "درش" الحلقة 10.. لقاء الخميسي تتقدم ببلاغ ضد سهر الصايغ    عبدالظاهر السقا: عقوبة الإيقاف 3 مباريات ظلم والاتحاد يركز على البقاء بالدورى    هشام يكن: هدفي مع إرتريا الوصول لأمم أفريقيا    صناعة السيارات في مصر على مفترق طرق.. من التجميع إلى التصنيع العميق    محامٍ يوضح المسؤولية الجنائية على قائد سيارة كرداسة رافع علم كيان الاحتلال    محافظ أسيوط يشارك عمال نظافة حى غرب إفطارًا جماعيًا.. صور    رمضان 2026| بعد وجبة خفيفة.. أفضل وقت لتناول دواء الكوليسترول خلال الصيام    هانز فليك يوضح موقفه من تجديد عقده مع برشلونة    أجوستي بوش: لم نظهر بالمستوى المطلوب أمام مالي.. ونسعى لتصحيح الأخطاء قبل مواجهة أنجولا    فيديو موقعة الأسلحة البيضاء ببني سويف.. الأمن يكشف كواليس معركة عامل التوصيل والطالب    أحمد عبد الحميد: كزبرة عنده مواهب حقيقية وفى ناس مستكترة عليه البطولة    مصرع وإصابة شخصين في حادث مروع بين موتسيكل وربع نقل بأبشواي    كيف تحافظ على تركيزك في رمضان؟.. عادات يومية تعزز نشاطك الذهني    أدعية ثاني جمعة من رمضان.. كلمات رجاء بالرحمة والمغفرة    عمرو خالد: مهما كانت ذنوبك.. سورة التوبة تفتح لك أبواب العودة إلى الله    موعد اذان العصر.... تعرف على مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 27 فبراير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شخصيات وتواريخ ... رياض الصلح
نشر في الأهرام اليومي يوم 09 - 04 - 2016

رياض الصلح زعيم وطنى لبنانى كبير. إنه أحد صانعى استقلال لبنان فى عام 1943. وهو أحد الوجوه البارزة فى الحركة القومية العربية منذ مطالع القرن العشرين، سواء فى ظل السلطنة العثمانية، أم فى ظل الانتداب الفرنسى على لبنان وسوريا. واستحضار اسمه اليوم يرتدى أهمية خاصة، بالنظر لما يجرى فى لبنان من أحداث تذكِّر بمرحلة الاستقلال الأول، ويستدعى بناء ركائز هذا الاستقلال على أسس جديدة، أكثر وضوحاً فى الانتماء إلى الوطن اللبناني، وأكثر تحرراً من المؤثرات الخارجية العربية والأجنبية، التى شوَّهت معنى الوطنية ومعنى القومية وشوّهت معنى الوطن والدولة الحاضنة له ومعنى الانتماء إلى الوطن وإلى الدولة المدنية الحديثة.
لم يعش رياض الصلح طويلاً. وُلد فى عام 1894 واغتيل فى عام 1951. لكن هذه الأعوام السبعة والخمسين من حياته كانت حافلة بالنشاط السياسي، لبنانياً وعربياً، وغنية بالتجارب، وبالغة الأثر والتأثير فى مجرى الأحداث التى شهدتها المنطقة، لا سيما فى سوريا ولبنان عشية حصول البلدين على استقلالهما، وفى المرحلة التى تلت ذلك.
وقبل الدخول فى تفاصيل الحديث عن سيرة هذا الزعيم اللبنانى العربى الكبير، لا بد من التوقف عند المرحلة المتصلة بمعركة الاستقلال، التى كان له دور أساسى فيها.
كان من الصعب على رياض الصلح، القومى العربى والداعية منذ مطالع شبابه للوحدة العربية، ولوحدة بلاد الشام كمرحلة تسبق تحقيق تلك الوحدة (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين)، كان من الصعب عليه أن ينتقل إلى الاهتمام بلبنان، فى السنوات الخمس عشرة التى أعقبت إنشاء لبنان الكبير فى عام 1920. فقد كانت همومه واهتماماته منصبَّة بالكامل على العمل فى سوريا ومع القيادات الوطنية السورية، ومع الثورة التى قادها سلطان باشا الأطرش فى عام 1925 ضد الانتداب الفرنسى على سوريا ولبنان، بقرار من عصبة الأمم. وكان رياض يتنقل بين دمشق وبيروت والقاهرة وباريس وجنيف، منفرداً أو فى إطار وفد سورى مشترك، أو وفد سورى لبنانى فلسطينى مشترك، أولاً لرفض تقسيم بلاد الشام، ثم لرفض الانتداب على هذه البلاد، فرنسا فى سوريا ولبنان، وبريطانيا فى الأردن وفلسطين. وقد كانت تلك المرحلة غنية بالأحداث، وبدور رياض الصلح فيها، سواء فى المظاهرات التى شارك فى الدعوة لها مع آخرين من قادة الحركة الوطنية الاستقلالية فى كل من دمشق وبيروت، أم فى المنتديات الدولية، لا سيما فى باريس وجنيف وبروكسل. وكان من أبرز تلك المعارك التى شارك فيها رياض معركة الدستور فى عام 1926، التى انتهت بإقرار أول دستور للجمهورية اللبنانية فى ذلك العام بالذات، والذى أصبح لبنان بموجبه جمهورية ذات نظام ديمقراطى تعددي، ومجلس نيابى منتخب، ورئيس جمهورية منتخب من البرلمان. وكانت تربط لبنان الجمهورى بالدولة المنتدبة معاهدة محددة فى الزمن، ينتقل لبنان فى نهايتها إلى رحاب الاستقلال.
وتجدر الإشارة هنا إلى عام 1936 الذى احتدم النقاش فيه حول صيغة لبنان وحول حدوده وحول علاقته بسوريا. ومن المعروف أن مؤتمراً عقد فى ذلك التاريخ يعرف بمؤتمر الساحل، كان معظم المشاركين فيه من الزعماء المسلمين، وكان بينهم كذلك مسيحيون ينتمون إلى التيار القومى العربي. وكان من أخطر ما قرَّره المؤتمرون يومذاك عدم الاعتراف بلبنان الكبير، وذلك بالإعلان عن انضمام أربعة أقضية تشمل بيروت والساحل الشمالى ومنطقة البقاع فى شرق البلاد، إلى سوريا. لكن رياض الصلح، وهو من أوائل الداعين إلى وحدة بلاد الشام على طريق الوحدة العربية الشاملة، كان ضد ذلك الموقف. إذ كان قد بدأ يقتنع بواقعية السياسى المجرب أن من شأن ذلك الموقف أن يؤدى إلى تدمير البلدين، ويصعب عملية الوصول إلى استقلالهما وتحررهما من الانتداب، آخذاً فى الاعتبار فى الوقت عينه أن من الخطأ إحداث انقسام فى الشعب اللبنانى بين مؤيد لعروبته، فى شكل العلاقة الاتحادية مع سوريا، وبين من يريد البقاء فى أسر العلاقة مع فرنسا المنتدبة. وآثر العمل على توحيد اللبنانيين والسوريين فى الحركة الوطنية من أجل استقلال البلدين، وإقامة علاقات واضحة ومحددة بينهما بعد الاستقلال. وكان يشارك رياض فى موقفه ذاك ابن عمه كاظم الصلح. وهكذا فقد كان سلوك رياض الصلح بدءاً من ذلك التاريخ مختلفاً فى الاستراتيجية والتكتيك عن سلوكه السابق الذى سيطر عليه همه فى تحقيق وحدة البلدان العربية، ابتداءً من وحدة بلاد الشام. وكان هاجس الزعيمين العمل على إخراج اللبنانيين من أسر المشاعر والانقسامات الطائفية، للدخول فى الانتماء إلى الوطن اللبنانى على قاعدة أنه وطن جميع اللبنانيين بمعزل عن انتماءاتهم الطائفية. وكان ذلك الموقف مدخلاً إلى ما أصبح معروفاً فى لحظة الاستقلال اللبنانى بالميثاق الوطني.
على أن لميثاق عام 1943، وهو الميثاق الذى جرى تعميمه كأساس لقيام دولة الاستقلال، كان مسبوقاً بميثاق أول جرى التداول بشأنه فى عام 1938 بين عدد من رجالات لبنان من مسلمين ومسيحيين، كان محوره يوسف السودا، الشخصية المسيحية المعروفة بعقلانية موقفها من القضية الوطنية اللبنانية بارتباطها بسائر القضايا العربية.
وكان همّ رياض الصلح إذن همّاً لبنانياً فى الدرجة الأولى من دون أن يفصل بين همّه اللبنانى وبين اهتماماته بالشئون العربية الأخري. فشارك مع القيادات الوطنية السورية التى كان جزءاً منها فى الفترة السابقة، فى كل المعارك الوطنية التى خاضتها. وضاعف من اهتمامه بالقضية الفلسطينية، فى فترة كانت المنظمات الصهيونية تنشط لتوسيع هجرة اليهود من أوروبا إلى فلسطين. وكان قد أقام خلال زياراته المتعددة إلى فرنسا علاقات صداقة مع اليسار الفرنسي، وانتزع من قياداته إقراراً بحق لبنان وسوريا بالاستقلال.
وتجدر الإشارة فى هذا الصدد إلى بعض المواقف المثيرة للدهشة فى سلوك رياض الصلح اللبنانى العربى فى قراءته للأحداث الجارية على الصعيد العالمي، وفى تحديد موقفه منها، بوعى متقدم. وكان من أوائل ما قام به، تشجيع مجموعة من الشباب اليساريين بتشكيل حزب اشتراكي، ومساعدتهم فى إقامة علاقات مع أركان اليسار الفرنسي، فى ذلك العام المشهود فى تاريخ فرنسا، تاريخ قيام الجبهة الشعبية (1936) التى شكلت حكومة يسارية من الحزب الاشتراكى والحزب الشيوعى وقوى يسارية وراديكالية أخري. ثم إنه، فى ذلك العام بالذات، اتصل بكل من سلام الراسى وعساف الصباغ اللذين كانا قد شكَّلا، بمبادرة من الحزب الشيوعى اللبناني، فريقاً من المناضلين للتصدى للهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتعقب ومطاردة المهاجرين والقبض عليهم، وإعادتهم إلى بلادهم الأصلية.
إلاَّ أن ما هو أكثر إثارة للدهشة والإعجاب ما يتمثل بموقف رياض الصلح من الحرب الأهلية فى إسبانيا. إذ وقف إلى جانب الجمهورية ضد القوى الداخلية والخارجية بقيادة الجنرال فرنكو. ووجَّه فى ذلك العام (1936) نداءً إلى إخوانه العرب فى مراكش، عندما حاول فرانكو تجنيدهم فى حربه ضد الجمهورية، محذراً إياهم من الانجرار فى تلك الحرب.
لكن رياض الصلح لم يكتفِ بذلك الموقف. بل هو تابع اهتمامه بالحركة النقابية. وشجَّع على تشكيل نقابات للعمال والمستخدمين، وتضامن مع الإضرابات التى كانت تطالب بحقوق هذه الفئة المقهورة فى المجتمع. ولم يتردد فى عام 1937 فى خوض معركته الانتخابية الأولى للبرلمان فى لائحة مشتركة مع كل من نقولا شاوى أحد قادة الحزب الشيوعى ومع سعد الدين مومنة القائد النقابى الشيوعى أيضاً. ولم يحالفهم النجاح.
ثم جاءت معركة الجلاء. وكان لبنان قد أصبح، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، عضواً فى الجمعية العامة للأمم المتحدة لدى تأسيسها فى عام 1945. وفور انتهاء الحرب بدأت معركة جلاء القوات الفرنسية والبريطانية من لبنان وسوريا. وكانت معركة وطنية، بامتياز. إذ اعتبرت أنها المعركة التى يستكمل بها لبنان استقلاله الحقيقى أسوة بسوريا الشقيقة فى المعركة ذاتها. ونجح البلدان، بفعل الفيتو السوفياتى الذى استخدم لأول مرة فى مجلس الأمن، فى فرض جلاء القوات الفرنسية والبريطانية عن سوريا فى 17 نيسان من عام 1946 وعن لبنان فى 31 كانون الأول من العام ذاته. وكان لرياض الصلح والوزير حميد فرنجية والقائد الشيوعى نقولا شاوى دور كبير فى ذلك الانتصار، الذى استخدم فيه الشيوعيون اللبنانيون علاقاتهم مع الحزب الشيوعى الفرنسى الذى كان أمينه العام موريس توريز يشغل منصب نائب رئيس الحكومة التى كان يرأسها الجنرال ديغول، وكان أعضاء من مكتبه السياسى وزراء فى تلك الحكومة.
استمر رياض الصلح ينتقل بين رئاسة الحكومة وبين المعارضة حتى أيامه الأخيرة، التى انتهت باغتياله فى عمان (1951) من قبل عناصر تنتمى إلى الحزب السورى القومى الاجتماعي، انتقاماً لزعيم الحزب أنطون سعادة، الذى اتخذت حكومة رياض الصلح القرار بمحاكمته، إثر الثورة التى أعلنها سعادة ضد الحكومة اللبنانية، والحكم عليه بالإعدام وتنفيذ حكم الإعدام.
وبالتأكيد فإن سيرة رياض الصلح حافلة بالكثير الكثير من الأحداث. وهى أغنى من أن تختصرها هذه السطور. وثمة روايات من هنا ومن هناك حول علاقاته بمؤسسى دولة إسرائيل وسوى ذلك من روايات لن أدخل هنا فى تفاصيلها. وسيرته حافلة بالصواب والخطأ. ويقول بعض الذين تابعوا قضية اغتياله أنه ذهب ضحية موافقته مع الملك عبد الله ملك الأردن، الذى اغتيل بعده بوقت قصير، موافقته على السعى لتحقيق وحدة العراق والأردن تحت التاج الملكى الهاشمى لأولاد وأحفاد شريف مكة الشريف حسين بن على قائد الثورة العربية فى مطالع الحرب العالمية الأولي.
لمزيد من مقالات كريم مروَّة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.