9430 فرصة عمل في 13 محافظة برواتب مجزية.. هذه خطوات التقديم    توجيهات قوية من السيسي لوزيري الدفاع والإنتاج الحربي.. تعرف عليها    تراجع العجز التجاري بالهند بسبب تداعيات الحرب بالشرق الأوسط    ارتفاع الإيرادات الضريبية 29% خلال أول 9 أشهر من العام المالي الجاري    التموين تقود تطوير التجارة الداخلية عبر كاري أون وتحركات لتعزيز سلاسل الإمداد واستقرار الأسواق    أسوشيتيد برس: أمريكا وإيران تتفقان من حيث المبدأ على تمديد الهدنة    عضو بكتلة حزب الله النيابية: السلطة اللبنانية تمعن في تقديم التنازلات للعدو    تدفق المساعدات إلى غزة عبر معبر رفح واستمرار عودة المرضى بعد العلاج في مصر.. فيديو    الأرقام تنحاز للملكي.. ريال مدريد يتفوق على بايرن ميونخ قبل موقعة الحسم بدورى الأبطال    ضبط المتهم بإدارة صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي تروج لبيع المخدرات    مصرع مسجل خطر وضبط عصابة تخصصت فى سرقة المواطنين بالإكراه والاتجار في المخدرات بسوهاج    «الصحة» : حملات رقابية تكشف مخالفات جسيمة في مستشفيات النساء والتوليد الخاصة    كوناتي: الخسارة من باريس سان جيرمان نتيجة غير عادلة    بعد توديع دوري الأبطال.. لامين يامال يعد جماهير برشلونة بتحقيق اللقب يوما ما    معتمد جمال يتحدث غدا عن مواجهة شباب بلوزداد    وزير التعليم: تدريس البرمجة والذكاء الاصطناعي والثقافة المالية خطوة محورية لإعداد الطلاب لوظائف المستقبل    الرئيس الإيراني: مستعدون للحوار ولن نستسلم    تحرير 836 مخالفة لمحال ومنشآت خالفت قرار الغلق وضبط 12 طن دقيق    موجة حر تضرب مصر بقوة غدًا.. الأرصاد تحذر من ذروة الارتفاع ودرجات الحرارة تلامس 38 بالقاهرة والصعيد    جولة تفقدية مفاجئة لوزير التعليم بعدد من مدارس الجيزة    وعي الأسرة أهم من القوانين.. طرق تحمي أطفالك من مخاطر الإنترنت    ضبط مصنع لإعادة تدوير زيوت السيارات و26 ألف عبوة دواء مجهولة بالشرقية    وزيرة الثقافة توافق على تجديد عرض 3 أعمال فنية بميادين السويس    الثقافة السينمائية يحتفي بالأمهات المثاليات في عرض فيلم "الحلم"    عادل بدر يسلط الضوء على التراث المصري ودور المطبخ في تشكيل الهوية البصرية    «إيبروم» تحقق صافي ربح بقيمة 1.59 مليار جنيه خلال 2025    «الصحة» تنظم دورة تدريبية متخصصة لرفع جاهزية مواجهة الطوارئ والأزمات    ضبط مواد بترولية مهربة ودهانات منتهية الصلاحية في حملة بالإسكندرية    وزير التعليم العالي يتسلم رسالة خطية من الرئيس الرواندي إلى الرئيس السيسي    وزير «الخارجية» يبحث مع نظيره الأمريكي تعزيز الشراكة الاستراتيجية ومستجدات الأوضاع الإقليمية    تطورات الحالة الصحية لحارس يد الأهلي عبد الرحمن حميد بعد موقعة سبورتنج    عدوية يطمئن الجمهور على حالة شقيقه.. وعصام يكشف حقيقة خلافات العائلة    «إيجي بست» يواصل المنافسة ويحقق إيرادات قوية رغم تراجعه للمركز الثاني    تراجع سعر الدولار مقابل الجنيه في البنوك المصرية    وزيرة التضامن تلتقي رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان    ليلة الحسم في لندن.. أرسنال يواجه انتفاضة سبورتينج لشبونة في صراع دوري الأبطال    في ذكرى ميلاده.. كيف أصبح الشيخ الشعراوي صوتا مألوفا في كل بيت؟    إنجاز طبي جديد.. نجاح جراحة نادرة لإصلاح كسر وخلع مهمل بمفصل الفخذ بمستشفى كفر الشيخ الجامعي    "عبدالعاطي" يلتقي زعيم الجمهوريين بمجلس النواب الأمريكي خلال زيارته لواشنطن    جامعة العاصمة تطلق مبادرة "التسمم الرقمي" لمواجهة مخاطر التطرف الإلكتروني والمراهنات    بالأسماء.. جامعة العاصمة تعلن نتيجة مسابقة أفضل بحث علمي    ارتفاعات ملحوظة في أسعار الخضار اليوم.. اعرف القائمة الجديدة    ضبط 6 آلاف زجاجة و15 طن مياه مجهولة المصدر داخل مصنع بكفر الزيات (صور)    يعرض قريبا، أسباب تجعل فيلم إذما من الأعمال التي ينتظرها الجمهور    تسريب يهز السوشيال ميديا ويشعل الجدل.. شيرين عبد الوهاب تعود للواجهة بصوت جديد غير محسوم المصير    أحمد هاشم يكتب: أفاعي «الإخوان» «7»    غارة إسرائيلية تستهدف قرية «المجادل» بجنوب لبنان    لاول مرة دار أيتام ذوي الهمم بكفر سعد تفتح أبواب الأمل برعاية محافظ دمياط    خالد الغندور: أبو جبل يخوض تدريبات فردية في مودرن سبورت ويرحل بنهاية الموسم    فانس: اجتماعاتنا مع قيادة إيران تاريخية ولم تحدث منذ 49 عامًا    اتحاد الكرة يعلن تشكيل منتخب مصر لكرة القدم الإلكترونية    جامعة المنصورة: استخراج جسم غريب من الشعب الهوائية لطفل باستخدام المنظار الشعبي بمستشفى الأطفال    الصحة عن نشر أول ورقة بحثية للجينوم المصري: لحظة فارقة في تاريخ المنظومة الصحية    أزهري: نفقة الزوجة واجبة حتى لو كانت غنية(فيديو)    هل يجوز للمرأة أخذ جزء من مصروف البيت دون علم زوجها؟ أمين الفتوى يجيب    خالد الجندي: كل الأنبياء تعرضوا لامتحانات وابتلاءات في الدنيا    خالد الجندي: لا تنسب أخطاء فرد إلى الصحابة.. والانتحار كبيرة من الكبائر    رئيس الشئون الدينية بالحرمين الشريفين: الالتزام بتصريح الحج ضرورة شرعية ونظامية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حرية الخيال وسلطة المحتسب
نشر في الأهرام اليومي يوم 02 - 03 - 2016

يواجه العقل والروح المصرية الإبداعية واحدة من أخطر الهجمات ضراوة من بعض المحافظين والمتزمتين دينيا وأخلاقيا،
فى سعى هؤلاء للسيطرة على العمليات والآليات الذهنية والأخيلة الإبداعية للمفكرين والمثقفين والفنانين، أيا كانت مجالات إنتاجهم الإبداعى، والأخطر هو محاولة تنميط العقل والخيال وتحويلهما إلى آلة ذهنية بليدة تنتج الشعارات الشعبوية والأمثولات الأخلاقية، والمقولات الدينية التأويلية الوضعية السلفية، والمرويات الشعبية التى يذخر بها التراث الفلكلورى والمخيلة الجماعية.
إنها محاولة لهندسة العقل والخيال لوأد النزعة النقدية والعقلانية، وترويض الخيال ليغدو مستأنسا على هوى وزائقة تقليدية تدور فى دوائر مغلقة لا تنتج سوى الفراغ وتخييلات فقيرة ورؤى مترعة بالتفاهة واللغة الخشبية التى لا تَبينَ، حيث يسكن فى حناياها خواء الروح وفقر الفكر.
منذ عديد العقود وبعضهم يعتقد أن الأدب هو إنشاء على نمط بعض الخطابات الوعظية والأخلاقية الرامية إلى الهيمنة على العقل والوعى الجمعى، لأنها خطابات الحقيقة المطلقة التى يحرسها بعض الآحاد والجماعات ممن يعتبرون أنفسهم ملاكاً وحراساً للحقائق الدينية / الوضعية المطلقة، ووفق هذا التصور والإدراك الفردى أو الجماعى أعطوا لأنفسهم الحق فى مطاردة الكتب والمقالات والقصائد والقصص والروايات والمسرحيات والصور. أخطر ما فى هذه الظاهرة الممتدة مصريا «وعربيا» يتمثل العقل الاحتسابى ذو المنزع الدينى الوضعى والأخلاقى المولع بالتفتيش فى الإنتاج الفكرى والإبداعى بحثا عن كلمة أو فقرة أو صفحات لا تتوافق مع معاييره وزائقته، ويحرض العامة وسلطات الدولة على تحريك الدعاوى القضائية حيث الكاميرات والتحقيقات تلاحق بعضهم للإدلاء بالأحاديث ... إلخ، وذلك على نحو ما كان يتم طيلة أكثر من أربعين عاما مضت، من المطاردات للأفكار والأخيلة والصور. إن العقل الاحتسابى النمطى يتسم بالتجزيئية، وعدم رؤية الظواهر والمشكلات والأعمال الفكرية والإبداعية فى تكاملها الداخلى، وبنياتها ومواطن القوة والجمال والخيال والإبداع فيها، وإنما يتعامل معها وكأنها خطابات أخلاقية ودينية، من خلال المعايير المستمدة من الأعراف والتقاليد والقيم المتخيلة التى يخلطُ بينها وبين الدين والمذهب والأخلاق. حيث يتم التعامل مع الواقع الموضوعى ومحمولاته الأخلاقية والدينية والقيمية، على أنه هو الواقع فى الموروث الدينى الوضعى الذى تحفلُ به كتب الفقه والتفسير والتأويل والإفتاء وعلم الكلام، أى محاولة قسر الواقع الموضوعى وحركيته ومثالبه وتهتكاته لكى يكون على مثال الواقع التاريخى فى الخطابات الدينية والمذهبية الوضعية حول الدين التى انتجت فى بعض المراحل التاريخية.
نظرة وإدراك لا تاريخى بامتياز تسم العقل الاحتسابى فى نظرته للواقع فى التاريخ والواقع الحى المعاصر بكل تفاعلاته وتناقضاته وازدواجياته وتهتكاته وفجوره وفضائله وشروره ومكامن الخير فى قيمه وبعض ممارساته. العقل الاحتسابى يعتمد على التعميمات واللغة الإنشائية الفقيرة التى تتحدث عن القيم والأخلاقيات والحياء العام والآداب والأخلاق العامة، على نحو لا تاريخى يحدده المحتسب واختياراته ومعاييره، وليست تعبيرا عن الواقع الموضوعى وحركة البشر وتفاعلاتهم وخطابات البذاءة والمسبات والقبح، والتناقضات داخل التركيبة النفسية للإنسان المصرى أو العربى.
يحفل الواقع اليومى بفضاءات من البذاءة وخدش الحياء والسلوكيات الجنسية واللغة الحوشية والأحاديث السوقية التى أصبحت من فرط شيوعها وتكرارها فقدت محتواها ودلالتها. إن العقل الاحتسابى يحاول أن يفرض هيمنته على المجال العام ويتخذ من مجموعة من الشعارات والمعايير أدوات للتحريض ضد العقل الناقد الحر، والخيال الإبداعى الخلاق، من خلال اللجوء إلى آلية الشكوى للنيابة العامة التى تحرك دعوى الحسبة، وازدراء الأديان للمحاكم. إن النصوص القانونية التى يحاكم بها المبدعون والكتاب سواء فى ازدراء الأديان، أو خدش الحياء العام تتسم بعدم الدستورية وما جاء بنص المادة 67 فى دستور 2014، والتى تجرى على أن: «حرية الإبداع الفنى والأدبى» مكفولة، وتلتزم الدولة بالنهوض بالفنون والآداب ورعاية المبدعين وحماية إبداعاتهم، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لذلكس. والمادة 71 من الدستور التى جاء بها. «ولا توقع عقوبة سالبة للحرية فى الجرائم التى ترتكب بطريق النشر أو العلانية». هذه النصوص قاطعة فى ضرورة أعمالها، وعدم دستورية المواد السالبة للحرية فى الجرائم التى ترتكب بطريق النشر أو العلانية، من هنا على السلطة التشريعية أن تقوم بإلغاء هذه النصوص السالبة للحرية، ومعها تجريم ازدراء الأديان، والأفكار والأخيلة.
إن العمل الأدبى والفنى والفكرى تحكمه مفاهيم ونظريات نقدية وجمالية ومناهج فى التقييم النقدى باتت تشكل ذروة التطور فى ثورة الألسنيات «اللغة» والتحليل الفنى. من هنا من الممكن للنيابة العامة أو المحكمة أن تستعين ببعض أهل الخبرة من نقاد الأدب الكبار لاستطلاع رأيهم فى العمل الإبداعى المشكو فى حقه، لأن الواقع فى التخييلات الأدبية الشعرية والروائية والقصصية والمسرحية هو واقع متخيل، وليس هو الواقع فى ذاته، حتى ولو كانت بعض شخوصه وأمكنته ورموزه مستمدة من الواقع الحى. ثمة ما يطلق عليه اصطلاحيا جماليات القبح، والبذاءة التى تكشف الواقع ومناطق التهتك والتحلل داخله، وفى اختلالاته وتناقضاته الأخلاقية والجنسية. ما بالنا إذا كان الواقع الفعلى والافتراضى يُمور بفيضانات وسيول وأمطار تهطل بالصور والأفلام البورنوجرافية، وأكثر المجتمعات استهلاكا لها تقع فى عالمنا العربى ومصر منها، بل إن الواقع يكشف عن سلوكيات وأقوال فاحشة محمولة على التهتك والأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية، والكذب والخداع وادعاء الفضيلة والأخلاق. إن العمل الأدبى لا يتجزأ ولا يختزل فى فقرة أو صفحة أو صفحات، وإنما يؤخذ العمل بأكمله فى بنيته السردية، ولغته ومجازاته وشخوصه، لأن البذاءة فى السرد هى حيلة سردية، للكشف والإنارة وللتطهر، فى بعض الأحيان، والأخطر أنها تحمل فى تخييلاتها تعبيرات عن أزمات الإنسان المعاصر فى سياقات محددة. إن التراث الأدبى العربى يحملُ نصوصا صريحة فى السرد الجنسى، لدى الأصفهانى والنفزوى والسيوطى وأحمد بن سليمان الشهير بابن كمال باشا. وسواهم ممن أثروا التراث العربى الأدبى والفقهى.
إن وقائع حبس أحمد ناجى، أو بعض الكتاب فى قضايا ازدراء الأديان خطر كبير على حرية العقل والفكر والإبداع، وكان يمكن الرد عليهم نقديا بتحليل أعمالهم وكتاباتهم وأقوالهم والكشف عن مواطن الخلل فيها ودحضدها، أو التقييم النقدى للعمل الروائى من خلال أدواته. إن تاريخنا القضائى حافل بالدفاع وحماية حرية الفكر والإبداع والضمير والتدين والاعتقاد، فقط أرجعوا إلى قضاء النقص العظيم، ومبادئ الإدارية العليا الرصينة، والمبادئ المستقرة فى الدستورية العليا رفيعة المكانة والمقام. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
لمزيد من مقالات نبيل عبدالفتاح


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.