مما ينبغي اعتقاده أن الله سبحانه لم يجمع النِّعَم الدنيوية عند أحد من خَلْقه، فقد يُعطى المرءُ مالاً وولدًا، ويُحرَم الصحةَ، أو يُعطى مالاً وصحةً، ويُحرَم الولدَ، أو يُعطى الصحةَ والولدَ، ويُحرم المالَ، أو يُعطى ذلك ويُحْرم الاستقرار والسعادة. وهكذا فإن مَن أُعْطِي نعمة أو أكثر حُرِمَ ما سواها، وأولى بمَن حُرِمَ بعض النِّعَم ألا ينظر إلى ما أنعم الله به على غيره مما حُرِمَ منه؛ حتى لا يصل به الحال إلى عدم شكر الله تعالى على ما أنعم به عليه، أو تَمَنِّي زوال هذه النعمة عن الغير، أو تمنِّي تحولها إليه دون غيره، بل ينبغي أن يَعتَبِر بقول الله تعالى: {ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ به بعضَكم على بعضٍ للرجالِ نصيبٌ مما اكْتَسَبوا وللنساءِ نصيبٌ مما اكْتَسَبْنَ واسْأَلُوا اللهَ مِن فضلِه.. }[النساء: 32]. وبقوله سبحانه: {ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنَا به أزواجًا مِنْهم زَهْرَةَ الحياةِ الدنيا لنَفْتِنَهُمْ فيه ورِزْقُ ربِّك خيرٌ وأبْقَى} [طه: 131]، ولا ينبغي أن ينظر إلى مَن فوقه في النِّعَم، بل ينظر إلى مَن دونه فيها، حتى لا يَزْدَري نعمةَ الله عليه، فقد رُوِيَ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "انْظُروا إلى مَن هو أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقَكم؛ فهو أجدرُ أن لا تزدروا نعمةَ الله عليكم"، إذ المرء لا يكون على حال في هذه الدنيا، إلا وُجِدَ من أهلها مَن هو أدنى حالًا منه، فإذا تفكَّر في ذلك علم أن نعمة الله وصلت إليه دون كثير ممَّن فُضِّل عليه بذلك، فيُلْزِمْ نفسَه شكرَ الله عليها، وأما نظره إلى مَن يَفُوقه في النِّعَم فهو باعث من بواعث الحسد، ولهذا كان الأجدر به أن ينظر إلى مَن هو دونَه فيها. ما في يد الغير إن من يلجأ إلى النظر لما عند الغير إنسان غير سوي نفسيًّا بل هو إنسان سلبي في تعامله، فالأولى له بدلا من أن يتمنى زوال النعمة من عند أخيه فليجتهد ويأخذ بأسباب النجاح والتفوق كي يحقق مثلها وربما أفضل منها، بدلاً من أن يحصد ثمار الخيبة والتقاعس، فليجتهد وليزرع شجرة وليضئ شمعة خير له من أن يلعن الظلام، ورحم الله الشيخ الشعراوي عندما سمعته يتحدث عن الحسد وضرب مثلا لذلك فقال: "لو أن طالبا نبغ في بلدك ودخل كلية الطب ولم يتحقق ذلك لولدك، فلِمَ تحسده وتحسد أباه على ذلك؟! أوليس من الأفضل لك أن يكون هناك طبيب في بلدك خير من أن تسافر إلى بلد آخر بحثا عن ذلك الطبيب؟!"، فالحاسد إنسان أحمق يسير ضد مصلحته ومصلحة أمته. فاللهم ارزقنا القناعة بما قسمتَ لنا، وبارك لنا فيما رزقتنا، واقدر لنا ما هو خير لنا في ديننا ودنيانا وعاقبة أمرنا. لمزيد من مقالات د . جمال عبد الناصر