حفل تاريخ العرب بالكثيرين من الأدباء والشعراء، ولعل اللغة العربية كانت ولازالت من اللغات التى يكثر فيها المحسنات البديعية، ويستطيع كتابها أن يقدموا لقرائهم صوراَ أدبية تجعلهم يشعرون بالكثير من المتعة وتدفعم لقراءة النصوص مراراً وتكراراً ومن هؤلاء الأدباء الجاحظ. هو أبو عثمان عمرو بن بحر الكناني الفقيمي البصري الشهير بالجاحظ، وسمى بالجاحظ لجحوظ واضح في عينيه، وهو من بني فقيم من قبيلة كنانة، ولد عام 159 هجرية، و يعد من كبار أئمة الأدب في العصر العباسي وانتمى فلسفياً إلي فرقة المعتزلة. بدء حياته يبيع الخبز والسمك في سوق البصرة، ثم بدأ يأخذ العلم على أعلامه، فأخذ علوم اللغة العربية وآدابها على أبي عبيدة صاحب عيون الأخبار، والأصمعي الراوية المشهور صاحب الأصمعيات وأبي زيد الأنصاري، ودرس النحو على الأخفش، وعلم الكلام على يد إبراهيم بن سيار بن هانئ النظام البصري. كان الجاحظ يذهب إلى البصرة فيأخذ اللغة مشافهة من الأعراب هناك، ويناقش "حنين بن إسحاق" و"سلمويه" ليتعرَّف على الثقافة اليونانية مما يترجمانه، كما قرأ لابن المقفع واتصل بالثقافة الفارسية، و قيل أنه كان يستأجر دكاكين بيع الكتب ويبيت فيها ليقرأ كل ما فيها من كتب مؤلفة ومترجمة، فيجمع بذلك كل الثقافات السائدة في عصره من لغات عربية وفارسية ويونانية وهندية أيضا. وكان للجاحظ أسلوب فريد يشبه قصص ألف ليلة وليلة بطريقة سردها المتداخلة، فكان الجاحظ يتناول موضوعًا ثم يتركه ليتناول غيره، ثم يعود للموضوع الأول، وقد يتركه ثانية قبل أن يستوفيه وينتقل إلى موضوع جديد وهكذا.. ترك الجاحظ الكثير من المؤلفات لكن أشهرها هما كتابيه الحيوان والبخلاء، وفى كتابه "الحيوان" كتب عن تأثير البيئة على فرص بقاء الحيوان، وكان أول من وصف الصراع من أجل البقاء، وكان الأول أيضا في الكتابة عن سلسلة الغذاء كما كان من القائلين بما يسمى الحتمية البيئية حيث حاول أن يبرهن بأن للبيئة القدرة على تحديد الصفات والمميزات الجسمانية لقاطني البيئات المختلفة، و قال بأن لون البشرة المختلف بين البشر هو أحد نتائج تأثير البيئة. لم يقتصر كتاب الحيوان على موضوع الحيوان، إذ تناول فيه بعض المعارف الطبيعية والفلسفية، وتحدث في سياسة الأفراد والأمم، والنزاع بين أهل الكلام وغيرهم من الطوائف الدينية. كما تحدث عن موضوعات تتعلق بالجغرافيا والطب وعادات الأعراب وبعض مسائل الفقه ، بالإضافة إلي ما حواه الكتاب من شعر وفكاهة. أما كتاب البخلاء، فهو كتاب ادب وعلم وفكاهة، و قد صور الجاحظ في كتابه البخلاء من الناس الذين قابلهم، وتعرفه إليهم في بيئته، خاصة في بلدة مرو عاصمة خراسان، وقد صور الجاحظ البخلاء تصويراً واقعياً حسياً نفسياً فكاهياً، فأبرز حركاتهم ونظراتهم القلقة أو المطمئنة ونزواتهم النفسية، وفضح أسرارهم وخفايا منازلهم واطلعنا على مختلف أحاديثهم، وشرح أحوالهم وطبائعهم. ولكتاب البخلاء أهمية علمية كبيرة لاحتوائه على العديد من أسماء الأعلام والمشاهير والمغمورين وكذلك أسماء البلدان والأماكن وصفات أهلها والعديد من أبيات الشعر والأحاديث والآثار فالكتاب موسوعة علمية أدبية اجتماعية جغرافية تاريخية لهذه الفترة من تاريخ العرب. وقد ذكر كتّاب السير أن نهايته كانت حزينه، إذ أنه توفى عام 868 ميلادية الموافق لسنة 255هجرية وقد قارب على التسعين من عمره عندما سقطت الكتب التي أحبّها عليه في البصرة بعد أن أصابه شلل أقعده عن الحركة فقضت عليه. [email protected] لمزيد من مقالات أحمد محمود